هل لدينا نقد تشكيلي أم مجرد قراءة تشكيلية؟

العربي الحميدي| المغرب

منذ بدايات الحركة التشكيلية المغربية، ظلّ سؤال النقد التشكيلي مطروحًا بإلحاح. هل نحن فعلاً أمام خطاب نقدي مؤسّس يقوم على أدوات معرفية ومناهج تحليلية متينة، أم أننا لا نتجاوز مجرّد قراءات وصفية وانطباعية تتراوح بين التعريف باللوحات وتقديم الفنانين؟ أرى أن هذا السؤال يختزل جوهر العلاقة بين الفن والجمهور، بين التجربة التشكيلية والوعي الثقافي الذي يواكبها.

إذا كان النقد التشكيلي فعلًا تأويليًا وتحليليًا يستند إلى مرجعيات فلسفية وجمالية وتاريخية، ويهدف إلى تفكيك بنية العمل الفني واستنطاق دلالاته الرمزية وربطها بسياقها الفني والاجتماعي والثقافي، فإن الناقد هنا يمارس وظيفة معرفية وإبداعية في آن واحد.

أما القراءة التشكيلية، فغالبًا ما تقتصر على الانطباع الشخصي أو الوصف الخارجي للعمل الفني، فتبرز عناصر اللون والخط والشكل، لكن من دون الغوص في العمق أو استحضار البعد النظري والمنهجي.

وبين المستويين، تظهر درجات متفاوتة من الكتابة حول الفن، منها ما يقترب من النقد، ومنها ما يظل حبيس الانطباعية.

في الغرب، كان النقد التشكيلي وليد الفلسفة الجمالية منذ القرن الثامن عشر، حيث فتحت أعين الفلاسفة على عوالم الجمال مع كانط وهيغل، ثم تنوعت المسالك مع مدارس النقد الفني: الفورمالية (Formalism)، البنيوية (Structuralism)، السيميائية (Semiotics)، والنقد الثقافي (Cultural Criticism)، فتكوّن بذلك جسم نقدي متين يحمل أدوات دقيقة لقراءة الأعمال الفنية.

أما في المغرب، فقد جاء النقد التشكيلي متأخّرًا، متأثرًا بالترجمات والاطلاع على التجارب الغربية، وكان جلّ ما كتب في هذا الحقل يميل إلى التعريف بالعمل والمعارض أكثر من استكناه أعماق اللوحة، فجعل من الكتابة النقدية مرافقًا إعلاميًا أكثر من كونها تفسيرًا وتحليلًا.

1. غياب التخصص الأكاديمي: قلة البرامج الجامعية الموجّهة حصريًا إلى النقد الفني جعلت كثيرين يأتون إليه من أبواب الأدب والصحافة، حاملين أدوات غير كافية للغوص في عمق العمل الفني.

2. هيمنة الذوق والانطباعية: فالكتابات الغالبة اكتفت بالثناء أو الوصف المباشر، دون أن تمنح القارئ أدوات التحليل والتفسير العميق.

3. ضعف المرجعية النظرية: إذ لم تُستثمر المناهج الحديثة كالسيميولوجيا، وعلم النفس الفني، والأنثروبولوجيا البصرية، في إغناء القراءة النقدية وتحليل البنية الفنية.

4. العلاقة مع الفنان: أحيانًا يتحوّل الناقد إلى مروّج لأعمال الفنان، مما يضعف استقلال النقد ونزاهته.

5. سطحية الإعلام الثقافي: إذ يطغى الاهتمام بالمعارض وحدثها اللحظي على البحث العميق والدراسة المتأنية.

للنقد التشكيلي وظيفة أعمق من مجرد التقييم؛ فهو يؤرّخ للحركة الفنية ويصون الذاكرة البصرية، ويمنح المتلقي أدوات لفهم العمل الفني بعيون واعية تتجاوز الإعجاب السطحي. إنه جسر يربط بين الفن والعلوم الإنسانية؛ الفلسفة، علم الاجتماع، وعلم النفس، ليصبح المتلقي والفنان على حدّ سواء في حوار مستمر مع الذات والعالم.

فالفنان يجد في النقد مرآة معرفية تعينه على تطوير تجربته وتوجيه سعيه الفني نحو أفق أوسع وأكثر وعيًا.

  1. التأصيل المعرفي: إدماج النقد التشكيلي في الحقول الأكاديمية والبحثية ليصبح دراسة علمية متأنية.

2. المزاوجة بين النظرية والممارسة: يجب أن يجمع الناقد بين الحس الفني والرؤية الجمالية والفلسفية، فتتآلف المعرفة مع التجربة.

3. فتح الحوار مع الفنون الأخرى: النقد يغتني بتقاطعه مع الموسيقى والمسرح والسينما، ومع سائر التجارب الإبداعية، ليصبح ثريًا ومتعدد الأبعاد.

4. تطوير لغة نقدية دقيقة: بالابتعاد عن العموميات والإنشائية، والاعتماد على مصطلحات تحليلية واضحة ومفعمة بالمعنى.5. تشجيع النشر النقدي: عبر دعم المجلات والدوريات المتخصصة، وتهيئة فضاءات للنقاش النقدي البنّاء، بما يغذي الحركة الفنية ويثري المشهد الثقافي.

بقلم رئيس التحرير

شاهد أيضاً

اللسان الشعبي المغربي بين الأصالة والانحراف

العربي الحميدي| المغرب تعيش اللغةُ المغربيةُ الدارجةُ اليوم مرحلةً دقيقةً من التحوّل السريع والمربِك. فمنذ …

اترك رد