المكان بين الطوباوية والذاكرة

“مدائِن الغواية” لــ عبير العلِي

أحمد الشيخاوي | المغرب

ما الممارسة الشعرية، عندما تتمخّض عن تجارب إنسانية يطبعها العمق والصدق والحرارة، إلاّ مغامرات قمّة في الجنون، كما محاولات ناجمة عن فضول ما، أو رغبة معينة في إطفاء الظمأ الوجودي، بمعزل عن البحث في غائية ديوان العرب، بعدّه إرثا تاريخيا ممتدا وثقيلا وزاخرا بإعجاز لغة الضاد، يسجل الحضور الوارف لهامات خالدة ورموز، تلوّن صفحاته، سردياتها وسِيَرها، وآثار هي من القيمة والأهمية والثراء بمكان.

لقد قطعت القصيدة/ النص، أشواطا وأشواطا، في خطّها لمسار تصاعدي، مُشاكسة تيارات الانحسار والجمود والاختناق في المعمار الكلاسيكي الرث والمُتجاوز، كي تصير على ما هي عليه الآن ألمعية، ومن تحرّر ومواكبة لروح الصيرورة والتمدّن، مسايرة للركب الحضاري وانصهارا فيه، بما يعمّق الشعريات الممهورة برحيق هذه اللغة الأثيرية، وما تزرعه من حمولات ثقافية وجمالية، في ذاكرة ووعي الأجيال المتعاقبة، مراعاة لمنطق التحولات الذي ما تفتأ تمرّ به، محطات تاريخ الأدب الإنساني بشكل عام.

في سياق تطوير روح الشعرية، بإتاحة فرص حقيقية لتوسيع آفاق الهوية الإنسانية، وترويض فضاءات المُثاقفات والتَّلاقح وعوْلمة المُشترك، وُصولا إلى مرحلة تجاوز سلطة التاريخ المُلطخ، والانعتاق من رواسبه القائمة على تفاصيل الجلْد والاستعباد.

شعرنا العربي الذي اجترح على مرّ التاريخ، تمظهرات يُمكن جردها وفق الآتي:

ــــ القصيدة العروضية.

ـــ شعر التفعيلة.

ــــ قصيدة النثر.

بديهي إن جميعها تجليات فرضها التطور البشري، وأفتت بها ضرورات انفتاح المناخ العربي، على سرديات ومناهج عالم التغيرات بامتياز، وتبديل الجلد كما يُقال، ومن ثمّ ضخ الدّماء الجديدة في شرايين الحياة العربية المُطالبة ب خلق نوع من الموازنات فيما يرتبط بالمعادلات الإنسانية العويصة، في ضفّتين: الذاكرة والاستشراف المستقبلي، أو النبوءات الشعرية، حتى لا ننزاح عن ذات النسق الذي ننشد عبره كهذه مناولة تتأول المنجز، وتفضل الاصطدام المخملي والمباشر بما وراء ألوان وحروف عوالمه الدّفينة والمُستشكلة.

إنه تمذهب يحتم علينا الانخراط الواعي في اللعبة السارية، وأن يُشرع على أبعادها فهمنا، من غير تزمّت ولا انغلاق، وفي حدود أبجديات الانفتاح اليقظ على الآخر، شريطة أن يتسم بالمنهجية والحذر والانطلاق من داخل الهوية الحضارية العربية.

لذا فإن الممارسة الشعرية، على نحو ما، وبمعنى من المعاني، تعبّر عن مجهود كبير يجدر أن يُبذل في سبيل تصيُّد المفقود في الذات الإنسانية، بل والملغوم فيها، أحيانا، أي تتبع ظلال النصف الآخر الزئبقي والهارب منها، إمّا حِلمية، أو فضولا، أو غواية، أو نرجسية، أو تمرّدا على حياة بائسة لا تزيدها الدورات الحضارية إلاّ تعفّنا وظلامية وعزلة وفوضوية وجنائزية واضطرابا وجورا على طعم وألوان الحياة السوية والمضيئة والصافية والمتزّنة.

إنّما قصدت بهذه الفذلكة، التهيئة لسبر عوالم إبداعية متفرّدة لدى شاعر وكاتبة متعددة، استطاعت أن تفرض صوتها، وتنقش اسمها، في المشهد الأدبي السعودي الحداثي.

تلكم هي الروائية والقاصة والشاعرة عبير العلي، والتي سنتناول بالتحليل مجموعتها: ” مدائن الغواية”، باعتبار هذه العتبة موحية ومحيلة على المقدس، سورة الشعراء تحديدا، وكون هذه خلفية ينبثق عنها ما ينبثق من منظومة مفاهيمية، مُولِّدة لمتوالية من أسئلة الشعر الوجودية والوجدانية والسوسيوثقافية، بما يندرج في نطاق المحاورات الكاشفة لنثار الذوات الهشة، والاستنطاقات الغيرية، وخلخلة واقع الاسمنتية والتخشب، بغية استدرار نزر من الأجوبة الشافية والمُقنعة إلى حدّ بعيد، باعتماد سرديات استنبات الملامح والرؤى الأكثر نضجا، تبعا من صلب التعريفات الوالجة في تطوير النظرة إلى الذات والآخر والحياة.

هكذا فإن الشعر بما هو غواية وسحر وسلطة على الذات الشاعرة، تماما، كما الظاهرة بمعية شاعرتنا بعدّها صوتا نسويا استثنائيا وواعدا، يشاكس بنرجسية، سعيا إلى اختلاق ما هو متوقف على الوظيفة التشخيصية التي تحاصر أعطاب الراهن، وتغسل أوساخ الذاكرة، وتحرج بالقلقلة والتشكيك، مشهدية الأوبئة وسرطانية الأورام المتحكمة بعالمنا اليوم.

إنها تقود بالتالي، إلى بؤر العتمة في الذات والحياة بمختلف مجالاتها، فتتغيا إضاءة خرائطية تلكم المأساة، ضاغطة باتجاه ما تتغير له الذائقة والإدراك، على حد سواء، انتصافا للمشترك الإنساني، وعزفا على إيقاعاته العابرة للمعايير الألسنية والعرقية والجغرافية والعقَدية.

في غمرة تجربة جميلة بما تقترحه من عمق لغوي وصور بديعة ومتون مبتكرة المعاني، فضلا عن أنها تأتي على حيثيات مُلهمة، ونمذجة للحضور، بدل أن تُسقط القول الشعري، في مطبّات الانخطاف والاجتفاف، فتوقعه في فخاخ العابر، والظلال الهاربة التي سرعان ما تخمد لها جذوة السيرة، فتمّحي وتؤول إلى سلّة المُهملات.

هي نموذجية مثلما تبرزها أصول وقواعد الانتماء الإنساني، متبلورة في وعي شاعرتنا، مُنثالة لعوالم المتسارع واللاهث بشعريتها المأخوذة بالنفس الملحمي ورهاناته، والميّالة إلى أسلوبية التماهي مع أيقونة دوال تقاطع ذاكرة المكان بالذاكرة الإنسانية، اطّرادا مع مشاهد الاغتراب الروحي وإشراقات الغواية المُجمِّلة للكثير من محطّات انكسار الكائن وتعثراته بهزائم الحروب الصغيرة.

تقول الشاعرة في إحدى مناسبات التمرّد اللحظي الهامس:

{غريبان تجمعهما المدينة الظمأى

تزرع المطر في كفيه

فتورق الطرقات

يطعمها من قمح شفتيه

فتنحني السنابل في حقول الكادحين

… وينضج الحصاد

غريبان،

تقيدهما أسرار المقاعد

لسلاف الكؤوس

وتُنصت معهما مناضد السهر

لأحاديث الضجر بين المسافات

فيأخذ الليل بيديهما… وينام}(1).

فيها من لذة النقع في الإيروتيكية الضمنية والمُراوِغة، ما فيها، بما يُحيل على ترديد الصوت النرجسي للذات المغتربة، في مرآة الآخر.

وتقول في موضع آخر:

{ننفض هذا الحب كل صباح،

ننشره على حبل غسيل يمتد بين جدار قلبينا

نتركه حارسا للوقت

يقطر بالرجاء فتحرقه الشمس

يرعى رياح المدينة العاصفة

فتطير به لمدى يُنازع فيه خيوط بقاءه

يعود لاهثا

يرتّب تجاعيد المدينة القديمة على امتداد صبره

يضحك مجددا للصباح حتى يحنو عليه الفراغ الممتد فيه

وحجار الصبية الراكضين تحته

حبل غسيل يربت على أضلعه بضعف العاجز

يتصالح مع وحدته مع كل قطعة تروح وتجيء

ينفض عنها وسخ الذكريات، ويرتدي عنها الوجع حتى تبتسم}(2).

غالبا ما تتواتر إيقاعات النص بما يفيد التشظي والانكسار الذاتي، لتفتح الغواية على عوالم موازية محرضة على اختبار حياة التصالح على شموليته، وبما تندحر له، وتختفي الاختلالات، وتتحقق له التوازنات النفسية والعاطفية والوجودية.

كما تقول أيضا:

{يطل ــ كل شيء ــ برأس الفضول لكرنفال

الفرح بين كفينا ونكفر بالأعياد.’

تنزع من على كتفيك ما يُدفئ عري الشتاء

تهدده بالربيع القادم في أعطافك

تتوعده بالأحلام البيضاء وبأغنيات

تراقص السديم وتحكيه غواية

الهواء يزداد طراوة من فرط العبق

وأنا في خيال حضورك أتثنّى

هل رأيت يوما وردا من عطره يخجل؟

المدن تكبر في عين السماء

وهي تسرق من الحب من قامتك

وتمرّر كفك البيضاء بين أبوابها

لتزهو بك وتتجمّل

وأنا رهينة عطرك… أتبعه حيث يميل

احتمال حياة.}(3).

من هنا فهي شعرية اندفاع مواز، صارخ بأوجه المحاكاة، درءا لصور يأس الواقع وتعقيداته ومناحي خبثه، وقد تشوّهت وترهلت وتجعدت معه طقوسيات الحياة الحقيقية.

هكذا على الأرجح، تتم نظير هذه المُطالعات التجريبية المُحاكية المُنرسمة لها هوية الحياة المُحتملة، حياة بعدية تغذيها حِلمية استزادة من تخيلات عوالم انفراج طيفية، ترمي المقامرة الشعرية، من التقمّصات الحرفية لفصولها، إلى استعادة كل ما هو هش وغض ومفقود في الكينونة المُمتحَنة بواقع مُعاناتها وأوجاعها وانهزاميتها وانكساراتها.

مثلما نورد للشاعر الطقوس الموالية:

{تحتاج لسرير أوسع

يكفي لكل شركائك في الفراغ وهذا العبث الوجودي.

تحتاج لوقت أرحب.

لتدرك فيه المسافة الفاصلة بين الجرح والحنين.

تحتاج لمدينة تتغاضى عن وقع خطاك القديمة

وتقدم لك أرصفة تستوعب توقك وتسلمك للرحيل الدائم دون وجع.}(4).

وتقول:

{يا رجلا يسكنه التاريخ

ويسكنني

أشعل حرائقك في صدري

الموشوم بحبك كبطلك نيرون

وأنا روما المفجوعة بك

أيها العازف شجنا على أوتار الروح

سمفونيتك تفتك بي

وقدّاسك الجنائزي

لحنُ خلود لطيوفكَ الهاربة

فيصبح رجع انيني

نوتتك الأولى

ولستُ الأخيرة

فمن يكملني حتى السماع}(5).

كما تقول:

{عيناك بصورتك تشح

وملامحي بطهرك معجونة منذ الخفقة الأولى

يا أيها الشامخ كـــ أنت.’

الرابض في أقصى الروح

تستوطن كل مساحاتي

وشذا شموسك وبحورك من صدري يفوح

اعذر غضباتي ودلالي عليك

وجفائي إن طال يا طُهر الكون

فحبيبي دوما كصغيرة أختبر رضاه

وحبيبي الذرّ المنضود، أشتاق بهاه

وحبيبي أنت{ ياوطني}

يا حقا فوق الأشباه}(6).

اعتمدت الشاعرة على النصوص الشذرية والنصوص القصيرة في رسم ملامح تجربتها النوعية هذه، وقد نجحت، بالفعل، في تنويع المتون، ما بين هواجس الانتماء وأنسنة المعطى الطبيعي والتناص مع المقدس، فهلم جرا من أضرب استثمار الدوال بحنكة وتمرّس وتقلّب ما بين الحالات النفسية والوجدانية، في احتفالية تتقاطع ضمن أفلاكها، ذاكرة المكان والانشغالات الهُوياتية المُحتفية بأسس المشترك الإنساني.

كل هذا، يجري، في سياق إضفاء الطوباوية على المكان الذي يسترجعه أو يعاود استعراضه الخطاب الذاكراتي المُهيمن على روح هذه الشعرية.

من هنا فإن مرجية المقدّس، بوصفها مرايا في هذه الشعرية، ترقى بالكتابة إلى المستويات الرمزية المُخولة لإنتاج عوالم موازية، عنوانها الغواية أولا وأخيرا، بما يترك الأثر الفردوسي، في المتلقي، عبر عملية تواصلية تأويلية، تلمّح من خلالها الذات الشاعرة، دون أن تنعت، بحيث تمنح الانطباع، أن التجربة ههنا ليست هروبا، بقدر ما هي إحباط من الحياة الفعلية المُعاشة بكامل عيوبها وأوزارها، وما قد تمارسه من جلْد نفسي، وسادية وقهرية على الكائن المقهور والمستضعف والعاجز أصلا.

نقتطف لها قولها كذلك:

{ها أنا زهرة

تهفو إليها نمنماتُ النسيم

ورحيق الشفق

زهرة كم تهادى وتغنى

في ثناياها العبق

تنحني كل أشباهي لديك

حين يُغريها بعينيك الغرق

وعبيري سوف يبقى

لو جفاه الود يوما

وأضناه الأرق}(7).

وهو تحصيل حاصل، ضمن قوالب فنية وإبداعية غير مكرورة، تتشاكل لها دوال المعرفي والجمالي، في أفق تدوير ثقافة المقاربات الجديدة لواقع العبثية والإسمنتية والسلبية والنقصان.

تٌقترَف لأجل هذه الباقة من أغراض، صياغات استعارية وبلاغية موغلة في الروح الحضارية، ونافرة من الانزياحات الطللية، والمشاهد الكلاسيكية، وسائر طقوس الماضويات الشاحبة والمهترئة، كي تدغدغ، في الأخير، بنعومة وقوة الصوت الأنثوي المبطّن بأسرار الغواية، تجاوبا مع ما تطلعات الظرفية، وما تقتضيه من تمرير ذكي وقِناعي لهذه الرسائل الإنسانية السامية، في خضم ترجمة جملة من الإسقاطات التي من أبرز وظائفها، اصطباغ المكان بالطوباوية والقداسة التي يستحقها وتخلصه من الجنايات الطبيعية والبشرية، في دلالة ساطعة، هنا، على خصوبة المتخيل الشعري وتطويع المعجم لانثيالاته، في حدود تجربة التجاوز هذه.

إنها المحاكاة في كتابة واعية مندورة لحِلمية المُعطيات الراعية لمضامين دينامية الماهية والكون، تلبّسا بالحالة الإنسانية الانسابية، وتساوقا مع إيقاعات تنويع أصوات الذات الشاعرة، عبر ترديد تلك الأصوات في كل ما هو امتداد للذات.

ختاما يمكننا القول إن المنجز الشعري الحداثي، استطاع أن يقفز فوق القشيب والمتهالك والمبتذل، من أجل التقعيد لثقافة أوسع وفهم أعمق للكائن والعالم.

بهذا وجب التأكيد على أن الممارسة الإبداعية ليست ترفا، وإنما قناعات وجودية راسخة، ومواقف متجذرة، جوهرها ما تنبض به هويتنا من قيم وأخلاقيات ومُثل.

شاعر وناقد مغربي

هامش:

(1)نص”غريبان”، الصفحة7.

(2)نص”حبل غسيل”، الصفحة16.

(3)مقتطف من نص”عطر يتثنّى” الصفحة35.

(4)نص”عبث”، الصفحة42.

(5)مقتطف من نص”عنق اشتهاء الجمل”، الصفحة53/54.

(6)مقتطف من نص”وطن”، الصفحة61/62.

(7)نص”نرجسية” الصفحة،65.

شاهد أيضاً

حين تُسكبُ التجربة مع عصارة النرجسي

أحمد الشيخاوي| المغرب ما ينفكّ الشاعر المغربي محمد رشوقي، يسكُب من عصارة نرجسيته، في شريان …

تعليق واحد

  1. حسين بن قرين درمشاكي

    جميل ورائع خقا

اترك رد