مقاربة تحليلية للشاعر شارل بودلير

العربي الحميدي| المغرب

اعتاد كثير من الآباء والمربين أن ينظروا إلى الأدب باعتباره وسيلة لتربية الناشئة وغرس القيم في نفوسهم. فالأدب في تصورهم لا يكون جيدًا إلا إذا قدّم إرشادات أخلاقية واضحة، تنسجم مع العادات والأعراف السائدة في مجتمعاتهم. غير أنّ هذه الرؤية لم تكن يومًا بريئة تمامًا، بل شكلت في كثير من الأحيان مبررًا لفرض الرقابة على النصوص الأدبية التي خرجت عن تلك الأعراف، أو تجرأت على مساءلة التقاليد، أو طرحت أسئلة ميتافيزيقية تتجاوز الخطوط المرسومة.

ولعلّ الحجة الأكثر تداولاً ضد الشعراء كانت دائمًا أنهم يغرون الناس بالتيه والانحراف. يكفي أن نستحضر (الحديث) المروي عن أبي سعيد الخدري: «بينما نحن نسير مع رسول الله  بالعرج، إذ عرض شاعر ينشد، فقال النبي : خذوا الشيطان ـ أو أمسكوا الشيطان ـ لأن يمتلئ جوف أحدكم قيحًا خير له من أن يمتلئ شعرًا». وهنا يحق لنا أن نضع علامة استفهام كبيرة: أهو الشعر بذاته ما يُدان، أم الاستعمال الذي يُسيء إلى القيم الإنسانية؟

أستحضر هذه المفارقة حين أعود بذاكرتي إلى اللحظة التي وُضع بين يدي ديوان “أزهار الشر” لشارل بودلير، ولم يكن عمري آنذاك يتجاوز الرابعة عشرة. هل كانت نظرة والدي للحياة مغايرة لما هو معتاد آنذاك؟ لا أملك الجواب اليقيني. لكن ما أعلمه جيدًا أنّ فكره لم يكن متزمتًا، بل كان متفتحًا ومرنًا إلى حدّ يسمح بأن يدخل هذا الكتاب المثير للجدل إلى عالم طفل لم يزل يتلمس خطواته الأولى في القراءة.

كانت البداية مع عبارة بودلير الشهيرة: «سوف أستخرج الجمال من الشر». عبارة صادمة، غامضة، تستدعي السؤال. كيف يمكن للجمال أن يولد من رحم الشر؟ على الفور قفز إلى ذهني نص قرآني: قوله تعالى في سورة الروم (19): «يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ». بالطبع لم أكن أقارن بين النص القرآني والرؤية البودليرية، لكنني كنت أبحث عن تلك العلاقة الغامضة بين الأضداد. كيف يتوالد الواحد من الآخر؟ وكيف يختبئ النور في قلب العتمة؟

لكن، ماذا يعني بودلير بالجمال؟ أهو الجمال المقرون بالحزن والوجع؟ أم جمال اللامحدود الذي يفتح أبواب التخمين والاحتمال؟ أهو الجمال الفاتن الذي يثير الغريزة؟ أم الجمال الجدير بالتأمل، القادر على زعزعة السكون؟ أم هو جمال “الفردوس المفقود” كما صاغه جون ميلتون في ملحمته الشعرية؟

من هنا يبرز السؤال الجوهري. هل يستطيع الدين أو الشعر أن يجعلا الإنسان صالحًا وخيّرًا؟

الجواب الأقرب إلى العقل هو النفي. فالدين والشعر؛ شأن الفلسفة . لا يملكان القدرة على تحويل الإنسان تلقائيًا إلى كائن أخلاقي. إنهما يقدمان الحكمة، يفتحان العيون على الخير والشر، لكنّهما لا يمنحان الإرادة. فالمعرفة وحدها ليست كافية، إنها تحتاج إلى عزيمة حرة، وإلى اختيار واثق.

التأمل في تاريخ الفلسفة الأخلاقية يكشف عن هذا التناقض. سقراط جعل الفضيلة مساوية للمعرفة، فيما دعا آخرون إلى أخلاق المنفعة واللذة، في حين رأى نيتشه أن القوة هي الحق والخير والصواب. بين التفاؤل الأخلاقي والتشاؤم الفلسفي، بين الإيثار والأنانية، تتوزع المواقف. وهنا أقف ك قارئ حائرًا. أي فيلسوف يتبع؟ أي شاعر يترك؟

في هذا السياق، لا نجد أبلغ من تحليل جان بول سارتر لشخصية بودلير. يرى سارتر أنّ موقف بودلير يشبه موقف نرسيس الأسطوري الذي وقع أسير صورته في الماء. فبودلير لا يتأمل العالم إلا من خلال ذاته، ولا يرى الأشياء إلا بقدر ما تتيح له أن يعيد اكتشاف نفسه فيها. يقول: «ما يهمني ليس الحقيقة في ذاتها، بل ما تمنحني إياه من شعور بوجودي».

لقد فقد بودلير تلك العفوية الطفولية التي تجعل الأشياء حاضرة بذاتها. كان دومًا يشعر بنفسه مراقَبًا وهو يراقب، أسير نظرة نصف شفافة تحجب بينه وبين الواقع. ومن هنا جاء سخطه على رتابة حالاته النفسية، وبحثه المستمر عن ذاته الضائعة.

أسلوب قصائد بودلير على كلاسيكيته الظاهرية؛ حمل ملامح جديدة ستستشرف الشعر الحديث. فهو قريب من “البرناسيين” الذين نادوا بالفن لأجل الفن، لكنه تجاوزهم إلى أفق أوسع، حيث اختلطت الرصانة بالكآبة، والجمال بالانحلال، والقداسة بالنجاسة. في “أزهار الشر” ثمة لذة موجعة، وانتهاك للحدود المألوفة، لكن في إطار صقلٍ لغوي رفيع أعطى للشعر الفرنسي الحديث هويته الجديدة.

لم يعترف العالم بقيمة بودلير إلا بعد رحيله. وهكذا هم الكبار. لا يسطع حضورهم إلا حين يغيبون، ولا يتجلى أثرهم إلا وقد صار الأدب في أمسّ الحاجة إلى بصمتهم.

ويبقى السؤال الأخير. هل استطاع الشعر العربي أن يترك بصمته في فضاء الشعر المعاصر كما فعل بودلير وسواه من الرواد الغربيين؟

يقول الشاعر والناقد المغربي محمد بنيس في كتابه “الشعر العربي الحديث: بنيانه وإبدالاته” إن الشعر العربي المعاصر “هو بالأساس مُنْعقد الأعمال في الثقافة العربية”، أي أنه لا يأتي استثناءً، بل هو جزء من التحولات الكبرى التي عرفها الأدب في العالم.

ومع ذلك، يبقى الطريق طويلًا أمام الشعر العربي ليبلغ ما بلغته التجارب العالمية من قدرة على زعزعة الثوابت وتفجير اللغة والذائقة، تمامًا كما فعل بودلير وهو يزرع “أزهار الشر” في حديقة الشعر الحديث.

بقلم رئيس التحرير

شاهد أيضاً

الرواجفة يعاين شعرية النسق الروائي

عمّان- يقدم د.ليث الرواجفة في كتابه “شعرية النسق الروائي” قراءة نقدية معمّقة في علاقة السرد …

اترك رد