العربي الحميدي| المغرب

صمت الحكايا
بداخلي ألف حكاية
وطفلة نضج قمح خدّها
قبل أن تخطو لبابِ غرفتها
بداخلي ألف حكاية
وغيمة وعشب
وبالون على شكل قلب
بداخلي ألف حكاية
وعاشق أنهكه السفر
فغفا على كفِّ الحلم
بداخلي ألف حكاية
ومحطّات وداع
ودمعة امرأة عاشقة
ضاع قلبها بقاعات الانتظار
بداخلي ألف حكاية
ورياح شوق عبثت برسائل الغرام
بداخلي ألف حكاية
ووداع أخير في ليل ماطر
وغيمة بكت لفراق عاشقين تعاهدا على البقاء
بداخلي ألف حكاية
وقضمة عشق
وقارورة عطر
نسيت أن أفتحها منذ آخر لقاء
بداخلي ألف حكاية
ومقهى على الرصيف
وصوت (جوليا ) يقبّل خدي وخدك
ويهمس لنا:
“وَقّف يا زمان”
- كريمة الحسيني
تسعى هذه الدراسة إلى تفكيك قصيدة “صمت الحكايا” للشاعرة كريمة الحسيني، باعتبارها نصًا شعريًا كثيفًا ينطوي على أبعاد وجودية وجمالية، تُشكِّل من خلاله الشاعرة عالمًا تأمليًا متخيلًا، متشابكًا بالرموز والصور الحسية، ومشحونًا بالحنين والانفعال. تنطلق القراءة من منظور فلسفي وجودي، يحاول ملامسة البنية الداخلية للذات الشاعرة، وتجليات الحب والزمن والصمت، بما هي عناصر فاعلة في تشكيل خطاب شعري ذي طابع أنثوي وجودي.
1. الذات كسرد: “بداخلي ألف حكاية”
يشكّل تكرار هذا السطر ما يشبه اللازمة الشعرية التي تعيد القارئ دومًا إلى نقطة البدء، إلى مركز الذات المتشظية. “ألف حكاية” لا تُحيل فقط إلى التعدد، بل إلى امتلاء كينونة الشاعرة بتجارب لم تكتمل، وكأن الذات تتحوّل إلى أرشيف صامت لحكايات غير مروية.
من منظور وجودي، فإن هذه النظرة إلى الذات تضعنا أمام تصور الإنسان بوصفه كائنًا غير مكتمل، مشروعًا دائم التكوُّن، يُشكِّل وجوده من خلال التذكّر والانفعال والغياب. تتجلى هنا أطروحات هايدغر عن الكينونة بوصفها انفتاحًا على الإمكان، لا اكتمالًا.
2. الطفلة / المرأة: البراءة التي نضجت قبل أوانها
“وطفلة نضج قمح خدّها / قبل أن تخطو لباب غرفتها”
تتخذ هذه الصورة أبعادًا مأساوية، حيث يتحوّل النضج إلى شكل من الفقد. فالطفلة، بوصفها رمزًا للبراءة، تجد نفسها مُرغَمة على عبور عتبة الأنوثة قبل الأوان. هذا “النضج القسري” يُحيل إلى لحظة الصدمة، إلى الانفصال الأول عن العالم الطاهر، وتحوّل الجسد إلى معطى اجتماعي وثقافي.
تمثّل هذه الصورة مفصلًا بين الطفولة والأنوثة، بين اللازمن والزمان، بين الحلم والوعي. وهي أيضًا تعبير عن ضعف الكائن أمام سلطة النضج، التي لا تكون دائمًا اختيارًا ذاتيًا.
3. الحب كتجربة متكررة لا تكتمل
القصيدة لا تروي قصة حب، بل تستدعي شذريًا حالات العشق والفقد والغياب:
“عاشق أنهكه السفر”، “دمعة امرأة عاشقة”، “غيمة بكت لفراق عاشقين”…
تشكل هذه الشذرات نسيجًا من التجارب المبعثرة التي لا تصل إلى تمامها. إن الحب هنا ليس حدثًا، بل طيفٌ دائم، عالق بين الحلم والانكسار، بين اللقاء والفقدان.
في هذا السياق، يحضر “إيروس” الأفلاطوني كمرجعية فلسفية؛ حيث الحب ليس غاية تُمتلك، بل شوقٌ دائم نحو الجمال، نحو المطلق، نحو ما لا يُطال. وهذا ما يجعل تجربة الحب عند كريمة الحسيني مرتبطة دائمًا بالغياب والندم، لا بالاكتمال.
4. الزمان الداخلي: “وقّف يا زمان”
يتجلى الزمن في القصيدة بوصفه زمنًا داخليًا، سيكولوجيًا، لا يخضع للترتيب الخطي، بل ينبثق من الذاكرة والانفعال.
“وقّف يا زمان”، “صوت جوليا”…
تُستدعى الأغاني والصور القديمة لتجميد اللحظة، لتوقيف الزمن عند عتبته الجميلة قبل أن يُفلت. هنا يحضر تصور “هنري برغسون” للزمن بوصفه دفقًا شعوريًا، لا قياسًا ميكانيكيًا. الشاعرة لا تعيش في الحاضر، بل في الحنين، في الزمن المتذكَّر، حيث تتحوّل الذكرى إلى ملاذ شعري.
5. أنطولوجيا الأشياء الصغيرة
تحفل القصيدة بعناصر يومية تتحول إلى رموز مشحونة بالمعنى: العطر، البالون، الغيمة، المقهى… كلها أشياء تكتسب دلالة أنطولوجية، تلامس عمق الوجود في بساطته وهشاشته.
العطر: تمثيل للرغبة والغياب.
البالون على شكل قلب: رمز للهشاشة الطفولية للحب.
الغيمة: استعارة لحكاية تتشكل وتتلاشى.
المقهى: فضاء عبور وتأمل، وربما وداع.
إن هذه العناصر تُكرّس انزياح القصيدة نحو “أنطولوجيا التفاصيل”، حيث ما هو عابر يُصبح علامة على المطلق، وما هو بسيط يتحوّل إلى لغة للكينونة.
6. ثالوث الحب والشعر والجمال: هوية الذات المتورطة
حين تصف الشاعرة ذاتها بـ”المفرطة والمتورطة في الشعر والحب والجمال”، فإنها تعلن عن هويتها الشعرية بوصفها كينونة منصهرة في الانفعال والحدس، لا مفصولة عنهما.
الإفراط هنا لا يعني الإسراف، بل التماهي الوجودي، والتورط لا يعني الغرق، بل الإقامة الكاملة داخل التجربة.
إنها لا تكتب عن الحب، بل تكتبه من الداخل. لا تصف الجمال، بل تُسكنه لغتها. وهذا ما يُحيل إلى تصوّر هايدغر عن “السكن الشعري في العالم”، حيث الإنسان لا يعيش الواقع كما هو، بل يخلقه شعرًا.
7. صمت الحكايا: اللغة البديلة
رغم أن الذات “ممتلئة بألف حكاية”، فإن الصمت هو اللغة السائدة. صمت الحكايا ليس نقصًا في الكلام، بل امتلاءً بما لا يُقال. إنه الحضور الذي يتجاوز اللغة، حيث تتحدث الصور والأشياء والرموز.
الصمت في القصيدة هو لغة ما قبل اللغة، أو ما بعدها؛ هو التجلي العميق لما لا يُروى، بل يُحسّ ويُتذكّر ويُرتَجف له.
ومن خلال إنصاتي لإلقاء قصائدها بصوتها، أعتقد أن “صمت الحكايا” ليست مجرد قصيدة عن الحب أو الذكرى أو الندم، بل هي خريطة شعورية معقّدة لذات أنثوية تمارس فعل الوجود من داخل الشعر. ذاتٌ مفرطة في الحياة، متورطة في الحب، ومرهفة الحس تجاه الجمال. إنها قصيدة تُكتب من قلب التجربة، وتُعلن عن الحضور بالغياب، وعن الكلام بالصمت، وعن المعنى بالصورة.
إنها نص لا يُروى فقط، بل يُسكَن. نصٌّ أنثوي بامتياز، يضع الشعر في قلب الكينونة، ويجعل من اللغة مرآةً للروح.
عناقيد عناقيد، موقع ثقافي فكري جامع مستقل.