في إطار الاهتمام بالعلاقة المعقّدة بين الفلسفة والواقع المغربي، وضمن مسعى لفهم أعمق لدور الفكر الفلسفي في زعزعة الجمود وإعادة تشكيل البنية العقلية في مجتمعنا،
الأستاذ يونس نهيب،
باسمي وباسم موقع “عناقيد الثقافي الإلكتروني”، أضع بين يديكم مجموعة من الأسئلة التي أرجو أن تفتح أفقًا للحوار، أو التأمل، أو حتى للخلاف المثمر.
ولما أعرفه فيك من رجاحة عقل، وعمق ثقافي، وفكرٍ ثاقب، أتوجّه إليك بهذا الحوار،
لا بصفتي صديقًا فقط، بل كمُنقّبٍ عن الدّرر.
مع خالص التقدير،
العربي الحميدي
1. إلى أي حد يمكن اعتبار الفلسفة ممارسة تحررية بالضرورة، أم أن ممارستها في السياق المغربي قد تُستغل أحياناً لتكريس أنماط تفكير سلطوية مموهة؟
الفلسفة، في جوهر بنيتها، هي مشروع زعزعة، إنها حركة مستمرة في خلخلة البنى المعرفية والوجودية المطمئنة، أي أنها تقيم في فضاء المراجعة اللانهائية للمسلّمات. غير أن ممارستها ليست بمنأى عن الاستعمال الأداتي؛ إذ قد تنقلب إلى خطاب وظيفي حين تندرج في آليات الهيمنة الرمزية التي تسعى الأنظمة السلطوية إلى ترسيخها تحت غطاء العقلانية الشكلية أو النقد المزيف. بهذا المعنى، ليست الفلسفة تحررية بالماهية، بل بالوضعية الأنطولوجية التي تحدد نمط ممارستها: إما أن تكون قوة اقتلاع جذري من مستنقع التكرار، أو تتحول إلى شكل من التواطؤ مع النسق المهيمن.
2. ما مدى تأثير غياب الفلسفة أو تهميشها داخل المؤسسات التعليمية المغربية على ترسيخ أنماط التفكير التقليدية والجامدة؟
غياب الفلسفة عن الحقل التربوي ليس مجرد غياب مضمون معرفي، بل هو غياب نمط مخصوص من الوعي بالعالم؛ وبهذا فإن تهميشها يسمح للذهنية التقليدية بأن تتغذى على اليقينيات الساكنة وتعيد إنتاج بنيات السلطة الرمزية. إن الفكر الذي لا يختبر التناقض ولا يتدرب على مفارقة البداهات لا يُنتج إلا أفراداً غارقين في استبطان الموروث كما لو كان قدراً لا فكاك منه.
3. هل يعزى الجمود الفكري في السياق المغربي إلى عوامل معرفية (إبستمولوجية)، أم إلى بنى سلطوية واجتماعية وسياسية تعيق إمكانات التغيير؟
إن الجمود ليس معطى أحادياً؛ إنه ينهض من جدل معقد بين العوائق الإبستمولوجية العميقة (هيمنة النسق الدوغمائي، سيادة التفكير السكوني) والبنى السلطوية التي تستثمر هذا الجمود لضمان استمرارية منطق السيطرة. إن السلطة لا تفرض القهر المباشر فقط، بل تصنع بنيات ذهنية تنتج بدلاً عنها أشكال الطاعة الرمزية، مما يجعل الإبستمولوجيا والسلطة متواطئتين في تأسيس هذا الانغلاق.
4. كيف يمكن للفلسفة أن تسهم في زعزعة المسلّمات الراسخة داخل البنية العقلية المغربية دون أن تُفهم كمهدد للهوية الثقافية والدينية؟
الفلسفة لا تطلب العداء مع الهوية، بل تطلب كشف التوترات الكامنة في ثناياها. إن تحرر الفلسفة من الاستقطاب بين القداسة والهدم يسمح لها بأن تفكك المسلمات وتعيد تركيب أنساق المعنى دون السقوط في العدميات. الهوية ليست معطى نهائياً، بل سيرورة تشكل تاريخي مفتوح؛ والفلسفة تُعيدنا إلى هذه السيرورة.
5. إلى أي مدى نجحت الفلسفة (العربية والإسلامية) الحديثة في تفكيك البنية الدوغمائية المتجذّرة في التفكير العربي، أم أنها لا تزال تشتغل داخل نفس الأطر المغلقة؟
لقد راهنت بعض المحاولات الفلسفية العربية الحديثة على مقاربة نقدية للبنية الدوغمائية، لكنها في كثير من الأحيان بقيت أسيرة خطاب مزدوج: محاولة المراوغة بين مطلب الحداثة وسقف التراث. ولأنها لم تحسم في مشروع القطع الإبستمولوجي الراديكالي مع الدوغمائية، بقيت تعيد إنتاج الخطابات المغلقة في صورة عقلانية خجولة لا تجرؤ على خوض المواجهة المفاهيمية حتى مداها الأقصى.
6. هل يمكن للفلسفة أن تعيد صياغة العلاقة بين النص الديني والعقل النقدي؟ وإذا كان ذلك ممكناً، فما هي الآليات النظرية والمنهجية الكفيلة بتحقيق هذا التحول؟
ليس ثمة إمكانية حقيقية لتجديد العلاقة بين العقل والنص إلا بإعادة موضعة النص في أفق التأويل المفتوح، أي في أفق الهيرمينوطيقا الفلسفية التي ترى النص كمجال دلالي غير مكتف بذاته، بل منخرط في التاريخ واللغة والسياق. من دون إخراج النص من سلطة الحرف إلى منطق المعنى يصبح العقل النقدي مجرد آلة تبرير جديدة.
7. ما هي أبرز اللحظات أو المحطات التي تمكن فيها الفكر الفلسفي من تحريك ركود التفكير المغربي؟ وهل شكّلت هذه اللحظات تحولات بنيوية أم كانت مجرد لحظات عابرة؟
لقد شهد الفكر المغربي لحظات مكثفة من الاشتغال الفلسفي النقدي، كما في تجربة عبد الله العروي في نقد الأيديولوجيا، ومحمد عابد الجابري في تفكيك العقل العربي، ومحمد أركون في تفكيك النص الديني، لكنها بقيت لحظات معزولة نسبياً عن الدينامية المجتمعية العميقة. فغياب البنية المؤسسية الحاضنة حوّل هذه المحاولات إلى لحظات قَلَقة بين الإمكان والفوات.
8. كيف يمكن تفسير الإقصاء المتكرر للفلاسفة والمفكرين من الفضاءين السياسي والاجتماعي في المغرب؟ وهل يعكس هذا الإقصاء خشية من الفلسفة كأداة نقد وتفكيك للأنساق السائدة؟
إن السلطة في بنيتها العميقة تمقت العقل النقدي لأنه يفضح التواطؤ بين المعرفة والقوة. الفلسفة لا تقبل التسويات التي تحتاجها السلطة للحفاظ على توازناتها. لذلك فإن إقصاء الفلاسفة ليس عرضاً، بل ضرورة بنيوية تفرضها آليات اشتغال السلطة التي تتغذى على إعادة إنتاج الجهل المركب الممزوج بواجهة ثقافية مخدومة.
9. إلى أي مدى ساهم غياب الأساس الفلسفي في تعثّر مشروع النهضة المغربية؟ وهل يُعد هذا الغياب عاملاً حاسماً في فشل هذا المشروع؟
لا نهضة دون مشروع إبستمولوجي يؤسس لنمط جديد من الوعي بالزمن والمعنى والتاريخ. غياب الأساس الفلسفي ترك مشروع النهضة في قبضة النقل والاستيراد الجزئي غير الممنهج، مما أدى إلى تشوه هجين بين تقليد معطل وحداثة مبتورة. إن الفلسفة وحدها تمنح للنهضة بنيتها العميقة في إعادة تأسيس علاقة الذات المغربية بالعالم.
10. ما الفرق الجوهري بين وظيفة الفلسفة في تحرير الفكر داخل السياق المغربي، مقارنةً بأدوارها في السياقات الغربية؟
في السياق الغربي مارست الفلسفة وظيفة القطيعة مع الميتافيزيقا التقليدية وأعادت تأسيس أنماط عقلانية متعددة (نقدية، تحليلية، تفكيكية…). أما في السياق المغربي، فوظيفتها لا تزال مزدوجة: زعزعة البنى التقليدية المتكلسة، وفي الآن ذاته تحرير الفلسفة نفسها من التبعية للغرب، أي من استيراد أنماط التفكير دون إعادة بنائها من داخل التجربة المغربية ذاتها.
11. هل يحتاج السياق المغربي إلى فلسفة نابعة من تجربته التاريخية والاجتماعية الخاصة، أم إلى انفتاح واسع على الفكر الفلسفي الكوني بمختلف مدارسه واتجاهاته؟
لا وجود لكونية فلسفية خارج التشكل التاريخي للمحلي. الانفتاح على الكوني ضرورة، لكنه لا يصبح ذا جدوى إلا إذا تمت إعادة ترجمته داخل المعنى الخاص للتجربة المغربية. الفلسفة لا تزدهر باستيراد الأفكار، بل بتفكيك المشكل الخاص وإنتاج المفهوم الذي ينبثق من خصوصية التجربة.
12. ما هي الحدود الفاصلة الممكنة بين “الفكر الفلسفي التحرري” و”التغريب الفكري” من منظور المثقف المغربي؟
الحد الفاصل يكمن في مدى قدرة الفكر على اجتراح المفهوم بدل استيراده، في تأسيس الذاتية النقدية بدل الارتهان للمركزيات الأجنبية. التغريب هو افتتان مرضي بالآخر دون وعي بالمشكلات الخاصة، أما التحرر الفلسفي فهو وعي جذري بالمشكلة، وبناء النسق المفاهيمي الذي يحرر الذات من عبودية التقليد ومن فوبيا الآخر معاً.
13. هل بمقدور الفلسفة أن تضطلع بدور تحرري داخل المجتمع المغربي دون أن تدخل في صدام مباشر مع المؤسسات الدينية والسياسية؟
الصدام ليس خياراً أخلاقياً بل ضرورة أنطولوجية حين تصبح السلطة الرمزية معيقة لإمكانات التفكير. غير أن الصدام لا يعني بالضرورة المواجهة الفوضوية، بل تفكيك آليات اشتغال السلطة الرمزية من داخل البنية نفسها، أي ممارسة النقد الجذري الذي يخلخل الأعماق دون أن يستنزف طاقته في المواجهات السطحية.
14. هل نحن في المغرب نمارس الفلسفة بشكل فعلي، أم أن ما نقوم به لا يعدو أن يكون ترفاً فكرياً معلقاً يفتقر إلى أدوات التغيير العملي؟
نمارس الفلسفة غالباً كخطاب منعزل عن البنية الاجتماعية، وكمجال تأملي لا يتورط في صيرورة التغيير المادي للمجتمع. الفلسفة الفعلية هي التي تشكل أداة لإعادة بناء المعنى في الحقل الرمزي، وتعيد تشكيل أنماط التفكير الحي، أي أن تتحول من “تفلسف” إلى “تفكير فلسفي”، ومن “تدريس الفلسفة” إلى “ممارسة الفلسفة”.
15. هل يتحقق تحرر الفكر المغربي فعلاً بتحرر الفرد من سلطة المقدّس، أم أن ذلك قد يؤدي إلى فراغ قيمي جديد يُضعف التوازن الرمزي والثقافي للمجتمع؟
التحرر من سلطة المقدس لا يعني نفي المقدس، بل إعادة موضعته داخل أفق المعنى لا أفق السيطرة. المشكلة ليست في وجود القيم بل في تحنيطها ضمن أنساق مغلقة. إن إعادة بناء المقدس كأفق للمعنى المتعالي داخل مشروع عقلاني مفتوح هو الكفيل بتحقيق التحرر دون السقوط في العدمية القيم.
بكل تقدير وامتنان،
أتقدم بجزيل الشكر والعرفان لكم الأستاذ يونس نهيب على تفضّلكم بالإجابة عن أسئلة الحوار الثقافي بكل رحابة صدر وعمق فكري. لقد أغنت إجاباته هذا الحوار، وأضافت بعدًا فلسفيًّا مميزًا يفتح آفاقًا جديدة للتأمل والنقاش في قضايا الفكر والمجتمع.
نُثمّن عالياً هذا الحضور النوعي، والالتزام الدائم بقيم المعرفة والحوار البنّاء.