الابداع.. المفهوم، التحوّلات، والإشكاليات في زمن التعميم

العربي الحميدي| المغرب

لقد أصبح مصطلح “الإبداع” من أكثر الألفاظ تداولًا في عالم اليوم، حتى بات يُستعمل لوصف كل شيء تقريبًا؛ من التعبير الأدبي والفني، إلى فنون الطهي، وتصميم الأزياء، وعمليات التجميل، بل وحتى في مجالات لا تمسّ جوهر الفعل الخلّاق، كالإدارة والتسويق.

فهل نحن، حقًّا، نعيش في زمنٍ يُستحقّ أن يُوصف بـ”عصر الإبداع”؟ أم أننا أمام ابتذال مفهومي، يُفتّت المعنى العميق لهذا المصطلح، نتيجة التعميم المفرط والانزياح الاستهلاكي؟

1. الإبداع كمفهومٍ أصيل

الإبداع هو القدرة على إنتاج ما هو جديد، أصيل، وذو دلالة أو فائدة.

وهو لا يقوم على عنصر واحد، بل يتأسّس على شبكة من السمات المتداخلة: الأصالة، الجدة، القيمة، والسياق.

2. البعد النفسي والمعرفي

عادةً ما يَنهل الإبداع من ينابيع الخيال، والحس الجمالي، والتمرّد الواعي، والنقد البنّاء.

ويتطلّب قدرة على الربط بين ما يبدو متباعدًا، ورؤية لما هو كامن خلف الظواهر.

كما يشترط غالبًا رصيدًا من التراكم المعرفي والتجربة العميقة، ليمنح صاحبه القدرة على تجاوز السائد دون السقوط في فخّ الارتجال.

3. تحوّلات المفهوم عبر الزمن

في العصور القديمة: لم يُنظر إلى الإبداع كفعل إنساني خالص، بل نُسب إلى مصادر غيبية: من وحي الآلهة إلى الأرواح والقوى الخارقة. وكان الفنان أو الشاعر يُعدّ وسيطًا بين العالم المرئي وعوالم المجهول.

في عصر النهضة والتنوير: بدأ الاعتراف بالإبداع كخاصيّة إنسانية نابعة من عقل حرّ وذات مستقلة. ظهرت مفاهيم “العبقرية” و”الذات الخلّاقة”، وانتصر مفهوم الفردانية.

في العصر الحديث: تزايد ارتباط الإبداع بالتقدّم العلمي والفني، وصار معيارًا للنهضة الحضارية والتميّز الثقافي.

في ما بعد الحداثة: شهد المفهوم نوعًا من الانفلات، حيث أصبح كل خرقٍ للقاعدة أو كسرٍ للنمط يُصنّف تحت لافتة الإبداع، حتى وإن خلا من العمق والمعنى.

4. الإبداع بين الجوهر والتسليع

أ. تسليع المعنى

في زمننا، لم يعد الإبداع تجربة داخلية أو بحثًا عن معنى، بل تحوّل إلى سلعة قابلة للتسويق والاستهلاك.

تُروَّج المنتجات على أنها “إبداعية”، وتُنشأ الجمعيات، والمركّبات، والأندية، والمنصات الأدبية والفنية، والشركات لهذا الغرض؛ أي التنافسية الربحية البحتة.

ب. تآكل المعايير

مع اختفاء المرجعيات وغياب النقد الجاد، بات التمييز بين ما هو إبداع أصيل وما هو سطحي أمرًا بالغ الصعوبة.

لقد اختُزل الإبداع إلى مجرد تعبير فردي، مهما كان مكرورًا أو سطحيًا، مما أدّى إلى طمس الفوارق النوعية.

ج. الإبداع اللحظي على منصات التواصل

أنتجت وسائل التواصل ظاهرة “الإبداع اللحظي”، حيث تُحتفى اللقطة السريعة أو التأثير الرقمي كما لو كانت كشفًا فنيًا.

وفي كثير من الأحيان، لا تكون هذه الظواهر سوى صدىً متكرّرًا، أو محاكاة فارغة لبريقٍ مؤقّت.

5. هل نحن مستعدون لاستعادة المعنى؟

إزاء هذا التبديد المفهومي، تبرز الحاجة إلى مقاربة نقدية تعيد للإبداع جوهره وعمقه.

علينا أن نُميّز بين التعبير والإبداع؛ فليس كل تعبيرٍ شخصي فعلًا إبداعيًا.

ينبغي ربط الإبداع بسياقه وغاياته. فالإبداع الحقيقي يُحدث أثرًا، يُفجّر مكبوتًا، أو يوسّع الوعي والمعنى.

كما علينا استعادة الحسّ النقدي، لتجاوز الانبهار السريع، وتقييم الأعمال بما تستحقه من تدقيق.

والأهم من كل ذلك: تحرير الإبداع من هيمنة السوق، وردّه إلى فضاءاته الطبيعية: الفن، المعرفة، البحث، والقلق الخلّاق.

إنّ الإبداع، في جوهره، ليس تجميلًا شكليًا يُضاف إلى الأشياء، بل فعلٌ مركّب، يتطلّب معرفة صادقة، وجرأة روحية، ورغبة أصيلة في اكتشاف ما لم يُرَ بعد.

وبينما تتردّد الكلمة على كل شفة ولسان، يغدو من الضروري أن نتساءل، في وقفة تأمّل صادقة:

هل نعيش فعلًا في زمن الإبداع؟ أم أننا نعيش في زمن صورته متوهّجة… لكنها فارغة؟

بقلم رئيس التحرير

شاهد أيضاً

اللسان الشعبي المغربي بين الأصالة والانحراف

العربي الحميدي| المغرب تعيش اللغةُ المغربيةُ الدارجةُ اليوم مرحلةً دقيقةً من التحوّل السريع والمربِك. فمنذ …

اترك رد