مقتطف من رواية” قبلات مقدسة” للروائي المغربي الكبير أحمد العراف

اختطف اللص الأسمر جزء من متاعي، حقيبة بها: كتب، ومذكرات تحوي عصير ذكريات مارقة، ومسودة رواية لا زالت تبحث عن دار نشر تحتضنها، إضافة إلى نظارات طبية تساعدني على فك شفرات الحروف التي بدأت تتراقص مع أعين أتعبتها السنوات العجاف – في غياب تغذية سليمة في مرحلة الطفولة، أقل ما يقال عنها بأنها كانت شقية إلى أبعد الحدود-. في الحقيبة المسروقة كانت أيضا أوراق نقدية شاردة من فئة مئة درهم، كنت أخبئها عن أعين متطلبات الحياة التي تأتي على الأخضر واليابس. تلك النقود كنت أجمعها بالتقسيط المُملّ؛ لأحولها إلى دار نشر للطباعة الورقية لرواية طالها التهميش والنسيان، لكن تجري الرياح بما لا تشتهي السفن؛ حيث جاء الخشار اللص الأسمر ليعكر علي صفو ونشوة الحياة. لص أتى ليسرق الحقيبة المجعدة لما حَنَس الليل، وهبت الحواكش في كل الاتجاهات. السنة التي تَمَّتْ فيها السرقة كانت حسوسا قليلة الخير، والناس يخبطون خبط عشواء من أجل الحصول على ما يسدون به رمقهم ورمق أولادهم، فقد كانوا كمن يحرِّصون جلودهم. كانت مدينتي تعيش في حِرْزٍ من اللصوص والخراصين، وتنعم في هدوء وسكينة إلى أن حلَّ هذا المخلوق، فبسط نفوذه على أرباضها. جاء ببرنامج منضد مبوب محدد في الزمان والأمكنة التي حوَّلها إلى مشتل لتفريخ القبح، فتعرش الفساد وتَسَلْبَط، ولم تعد الأمور قابلة للدَّوزنة. لا أحد يستطيع الجهر بالحق أو مصاقبة اللص الأسمر الذي أطعم المدينة الهَبْدَ والحنضل. هَتَّرَ أوصال المدينة، وبالغ في تمزيقها بمشرط الفساد والهِتر والكذب. كان يتهدَّكُ على الساكنة، ويتحمق بكلام منجُوش؛ ليتحوَّل مع الوقت إلى هِذْرام كثير الكلام. كنت أتابع تحركاته، كما كنت أتقي شره بعيدا عن الهيزعة والخوف. كلما سمعت هَرْسة الناس، كلما تعرضوا لهجومه. كنت أكتفي بمراقبة الوضع من النافذة، محاولا أن أنأى بنفسي عن المشاكل التي تتخبط فيها الساكنة، بعد أن جَحَنَت المدينة وأصبحت تئنّ تحت وطأة وسَلبطة اللص الأسمر والحراقيص التي تأتي على الأخضر واليابس. لا مَحيص من هذا الخراص إلا بالصمت والابتعاد، خصوصا بعد أن احترف اللصوصية والخسالة الرديئة. لقد سبق لدرويش المدينة أن نبه الساكنة من هذا اللص الماكر، فقد كان يجوب الشوارع وهو يصيح: «اللص قادم. الختال قادم من الخرس، من أرض لم تعد صالحة. سيغرس الفتنة، ويحول المدينة إلى مشتل للحقد والكراهية. أيها الناس، الشر سيُزرع في مدينتكم، والختال يتناسل. ينكح نساءكم ليدجن سُلالتكم، فتصبحوا مدجنين ملطخين. سيدغش عليكم من كل الاتجاهات». كان الأطفال يطاردون الدرويش ليختم جذبته قائلا: «سيأتي الهكوك الوغد إلى دياركم؛ ليستبيح نساءكم ويسرق أموالكم -(كان يقول هذا وهو يهضض الرجل برجله، واللعاب يتطاير من فمه الأدرد)- اللص الأسمر سيهتص كل الأشياء، وكل القيم، ستعيشون هيزعة وخوفا». ما أن نبس بتلك الكلمات حتى تَهَمَّع لونه، وسقط على الأرض مغشيا عليه. اختفى الأطفال الذين كانوا يطاردونه ويرددون: «ش ش الدرويش فالخنش»؛ أي في الكيس. هي عبارات مُؤَدَّى عنها من طرف أذناب اللص الأسمر محاولة منهم إسكات الدرويش الحكيم. هَنَف الجميع نحو جثة الدرويش التي تمددت وتصلبت. كان يحاول الوقوف لكن لا يستطيع؛ لأن الأمراض هلسته، فقد وهن عظمه، وتمددت كدنته. حاول المتحلقون مساعدته، لكنه كان يرفض. تهاكلوا وتنازعوا حول أمره، فمنهم من يريد مقطه بالعصا مستغلين ضعفه ووهنه، ومنهم من اقترح إيواءه وإطعامه إلى أن يتعافى ليحذروه أن يكف عن شطحاته وخرجاته. تَبَكْبَك القوم حوله في لغط وضجيج. تداغَشُوا واختلطوا محاولين إسعافه قبل أن يستوبق ويهلك، لكنه رفض المساعدة، وعاد إلى سيرته الأولى بعد أن سيطر عليه الوحر والغيظ على اللص الأسمر الذي استوتج المال من خلال الاختلاس واللصوصية، وهو الوَبَد الجائع الذي لا يرحم الناس ويتلذذ بعذابهم. نهض الدرويش مرددا: «إنكم قوم تبع. لا تقتربوا مني. طعامكم وَتِحٌ لا خير فيه. فأنتم إلى الودى سائرون». سَوَّى وضعية سرواله الذي كاد أن ينفلت وتنكشف عورته، أما قضيبه فكان يطل بين الفينة والأخرى من فتحة السروال. تعمد أن يحدث تغييرات على جغرافية ملابسه، وخط رأسه بالشيب. غادر مكان سقوطه كمن وشقه رمح طائش. بعد أن أخذ مسافة أمان منهم، وَجَّه عكازته نحوهم وصاح صارخا: «لقد تَوَبَّأَ البلد، وأُصِبْتم بالوِراب والانحراف، وعم الوخش بيوتكم، وانغمستم في مستنقع الددن واللهو. اللص الأسمر دَبَّس عنكم الحق والحقوق، وتَحوَّلتم إلى نعاج وخرفان لا تصلحون إلا للذبح، أحسنكم دَوْبل خنزير. ولصكم الذي تتباهون به خنسٌ مراوغ محتال يجسد الخشار الرديء في قومه». حاول المتربصون المسك به، لكنه فطن لمخططهم فَثَبَّجَ بالعصا؛ إذ جعلها على ظهره، وجعل يديه من ورائها، وأطلق رجليه للريح؛ لأن ما يحوق به لا يحتمل المشاكسة، ولا يمكن مصاقبتهم، وبالتالي قرر أن يتوارى عن الأنظار، وهو مكلوم مجروح، لكن تحذيراته بقيت تتردد في الصدى على شكل أزيز يحدث فتوقا في أغشية آذان أهل المدينة. كان هذا الأزيز يزورهم مرة كل شهر بعد عصر الجمعة، تراهم يهرولون في كل الاتجاهات واضعين أياديهم على آذانهم؛ لأن الصفير والأزيز قويين، ويضغطان بشدة على مسار اتجاه سكان المدينة؛ لتتحول الحركة إلى فوضى يختلط فيها الحابل بالنابل. تصلهم هذه الأصوات عبر الأثير وعبر ذبذبات صوتية مجهولة المصدر، أو عبر تحذيرات للدرويش الذي استوطن دواخلهم، ففي كل رجة كانت تنهار قواهم العقلية والنفسية. كان اللص الأسمر يستغل الفرصة لينفذ إلى كل تمفصلات المدينة؛ ليختلس ويسرق ويغير معالمها وفق أهواءه ونزواته. الدرويش صعد إلى خرماء صعبة التسلق؛ ليراقب الوضع عن كثب. بنى لنفسه بيتا متواضعا من أغصان الأشجار والطين والقش، وكانت الطيور تساعده في ذلك؛ لتبني أعشاشا لها على سطح البيت. اللص الأسمر خطط ليدق آخر مسمار في نعش الدرويش الذي كان يصيح من أعلى الأكمة: «اللص الأسمر سيقتلني. اللص الأسمر سيقتلني. سألاحقه في الدنيا والآخرة. خذوا حذركم من هذا المخلوق الذي عاث في الأرض فسادا. سيأتي بعده حفدته ليتمموا ما خطط له. سيحوّل المدينة إلى مشتل لاستنبات الفساد». أمر اللص بإحضار الدرويش إلى مكان في المدينة يملك فيه بيتا خاصا بليالي السمر وجمع المسروقات، به قاعة مجهزة مخصصة لاستقبال الوفود. وصل الدرويش إلى بيت اللص الأسمر في جنح الظلام. كان معصوب العينين، لكنه كان يباغتهم بمكان تواجدهم وبتفاصيل دقيقة، مما جعلهم يصابون بالحنق والغضب، ويعيدون النظر في الشريط الأسود الذي وضعوه بإحكام. المجذوب يبتسم، ويعيد سبابه للص الأسمر ومن يسانده، مذكرا مصاحبيه بما سيعانونه مع الشرذمة المسلطة والمسلبطة على المدينة، وكان يختم قوله: «لا أدري خبزكم بأي ماء مدنس معجون! ستتمخض أحلامكم لتلد كوابيس ستنفث سمومها عليكم؛ لتتحولوا إلى جيف نتنة تعافها الضباع..». تنهد واستأنف قائلا: «نحن الآن قرب مخفركم أو على الأصح ماخوركم، أما شريطكم الأسود هذا، فلن يحجب عني الرؤيا». أصيبوا بحيرة ودهشة أمام ما يتفوه به الدرويش، وكان يردد: «مجاديفي منهكة. لست قادرا على التجديف في بركتكم الآسنة. شراع سفينتي أحدثت فيه الرياح فتوقا لم أعد قادرا على رتقها. هناك في تلك الخرماء سأموت دون أن أرفع عليها راية استسلامي. سأظل أراقبكم. سأقلقكم وأقض مضاجعكم. سأذرع طريقكم لأمسك مزاليج السراديب التي خلقتموها في مدينة كانت جميلة رائعة، إلى أن رَزى لِصّكم هذا سكان مدينتي. أمام كل ما أقوله من حقائق تمارسون استكباركم ولا تريدون أن تخنعوا للحق ولا أن تقروا به. لن تنفعكم حفلة الزَّار، حفلتكم الراقصة لطرد الأرواح الخبيثة، فلن تفلحوا في ذلك؛ لأنها قد استوطنت دواخلكم إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها. سيتحالف اللص الأسمر والزمان ليتغوطا عليكم، ويصير برازهما سلعة متداولة، وتتحول حياتكم إلى أكمة هَدُودٍ. أما أنا الدرويش الذي تطاردونه، فسوف ألقى ربي وصفحتي بيضاء، فأنا لست شيطانا أخرسا أسكت عن الحق. ألَا ترون بأن جسدي انهجف وبانت عظامه!». غضب أحد رجال اللص الأسمر، وصار يرغد ويزبد كأنه اهتر وفقد عقله، ووجه لكمة قوية للمجذوب، فأهتم أسنانه وأنفه، والسبب هو هدوء المجذوب وصميمية أفكاره وكلماته التي كانت تخترق دواخل كل من كان يسمعه. سالت دماء المجذوب، وأنتح عرقه. استغفر الله وقال: «حسبي الله ونعم الوكيل». توقف النزيف، وأعاد المجذوب الأسنان إلى أماكنها وهو معصب العينين، حتى أن بعض الطيور التي كانت تساعده في بناء البيت جمعت بمناقيرها كل قطرة دم سالت من أنفه وفمه، فالتأم الجرح وتوقف النزيف. طائر نقر أنف الذي لكم المجذوب، فبدأ النزيف. حاول من معه المساعدة لكن دون جدوى؛ لأن النقرة كانت قوية. كان الدرويش – كما يسميه البعض- يتابع ما يجري عن كثب مبتسما صائحا: «يداك أوْكَتَا وفوك نفخ، الله حي». لما اقتربوا من بيت اللص الأسمر قال: «وصلنا إلى الماخور. رائحة الفساد تتسرب من النوافذ ومن الشقوق». أدخلوه في البداية إلى قبو معتم في انتظار الأوامر والتعليمات وتهيئ الجلسة. كان في القبو نسوة رائعات الجمال. يستعرضن مفاتنهن، ويتحركن بغنج أمام المجذوب الذي كان يحاول أن يغض الطرف قدر المستطاع. يربتن على كتفه، ويحاولن تقبيله لإثارة غريزته وتحريك قضيبه، لكنهن لم يستطعن تحريك الشيطان في دواخله؛ حيث كان يردد الآية الكريمة: (رب السجن أحب إلي مما يدعونني إليه، وإلَّا تصرف عني كيدهن أصْبُ إليهن وأكن من الجاهلين) [آية من سورة يوسف]، ويستدرك قائلا: «أستغفر الله، أنا لست يوسف، وهن لَسْنَ امرأة العزيز. لكن أنت يا الله قادر على كل شيء؛ لتضع بيني وبين الشياطين حجابا لكي لا أقع في بِركِهن الآسنة». رن الجرس بالقبو، وهي إشارة لتنسحب النسوة، ويدخل بعض الرجال الذين يعتبرون أنفسهم أعيانا ووجهاء للقبيلة، لكن في حقيقة الأمر هم حفدة إبليس وخراصو اللص الأسمر. حضر هؤلاء إلى قبو البيت لمحاولة إقناع المجذوب بتغيير ملابسه لتكون لائقة بالمجلس واللص، لكن محاولاتهم وتهديداتهم لم تفلح في إقناعه بالتخلي عن بردة تبدو للحاضرين متسخة، لكن هي في الحقيقة نظيفة، وتنبعث منها روائح المسك والعنبر. طلب من الخراصين أن يشموا ملابسه الرثة ليتأكدوا من قوله، لكنهم رفضوا، محاولين استعمال الليونة كي يقبل التخلي عن أسماله الممزقة، والتي ما فتئ يرتق فتوقها. دخلوا معه في شجار جعلهم ينتقلون إلى استعمال القوة، لكنهم فشلوا؛ لأن قوته فاقت قوتهم مئات المرات! حاولوا جره، ففشلوا كذلك بفعل جاذبية مغناطيسية خفية! عادوا إلى اللص الأسمر بخفي حنين منهزمين. أمرهم ولي نعمتهم أن يدخلوه إليه كما هو دون أن يبدل ملابسه. عادوا إليه صاغرين مُبَصْبِصِين ككلاب ضالة. فكوا قيوده وخلصوه من الأصفاد، وبقوا على حالهم مندهشين من غرابة المجذوب، ورائحة عطره الفواحة. أدخلوه على ولي نعمتهم صاغرين مطأطئين رؤوسهم لعدم إنجاز مهمتهم وفق ما خطط له. دخل المجذوب رافعا رأسه منتصب القامة، بيمينه عكازة خشبية من شجرة أرز مباركة يستظل بها أهل العلم والزاهدون. في إحدى جلسات الذكر والعبادة سقط غصن على مقربة من المجذوب، مع ختم الجلسة والدعاء اقتطع من الغصن عكازة وقال: «هي عصاي أتوكأ عليها، ولتكن مباركة ومأرُبة في حياتي تساعدني على مواجهة مطبات الحياة، فأنا قدري الحل والترحال في هذه الأرض المزروعة بالدسيسة والمؤامرات، وستكون رفيقتي في الدروب المقفلة». شذب العصا من كل الشوائب، ووضعها وسط حلقة ذكر الأوراد؛ لتأخذ جواز القدسية والتقديس. باركها المجاذيب والدراويش لتصبح له عونا وسندا. دخل المجذوب على اللص الأسمر واثقا من نفسه، يطقطق بعكازته بين الفينة والأخرى لإثارة الانتباه، أو يشير إلى تصحيح المغالطات التي يحاول اللص الأسمر وحاشيته تمريرها. طلب منه اللص الأسمر أن يكف عن الطقطقة لإيقاف ذلك التشويش الذي تحدثه دقات العكازة المباركة، وحاول الحراس انتزاعها منه بالقوة، لكن تمسكه بها حال دون ذلك، بل انسلت من يد المجذوب، وحلقت فوق رؤوس من بالقاعة في رقصة تحذرهم من أي مكروه يصيب حاملها. حلقت فوق اللص الأسمر، وهي تقوم بشطحات بهلوانية، تستفزه تارة، وتلمس قنة رأسه تارة أخرى، وكأنها بذلك تحذره من أي إجراء طائش تُجاه صاحبها المجذوب. حاولوا المسك بها، لكنها تمنعت واستعصت عليهم. كان صاحب العصا يراقب الوضع مبتسما، وما أن فتح يديه حتى عادت إلى وضعها الطبيعي. جاء الزبانية إلى المجذوب في محاولة لسحب العصا من بين يديه، لكنهم فشلوا في ذلك؛ ليأمرهم ولي نعمتهم بالتراجع. صمت الجميع، ولم يعد يسمع إلا خشخشة أوراق ملفات مكدسة على مكتب اللص الأسمر.

شاهد أيضاً

الرواجفة يعاين شعرية النسق الروائي

عمّان- يقدم د.ليث الرواجفة في كتابه “شعرية النسق الروائي” قراءة نقدية معمّقة في علاقة السرد …

اترك رد