غالبية الطواويس المتنزهة في الشعر العربي بلا ريش

“إن غالبية الطواويس المتنزهة في الشعر العربي بلا ريش”، هكذا يصف الشاعر أسعد الجبوري المشهد الشعري الراهن. ويضيف: “بمعنى أدق: إن احتكاكهم باللغة نَتَفَ نرجسيتهم نَتْفاً، فترك أعمالهم على مائدة الديدان، أشبه بفطائر بيتزا فاسدة الخلطة.”

ويتابع: “بعد الآن، لا يُعدّ الشعر ديواناً للعرب؛ فالأسلحة أخذت مكان القوافي والأوزان، وأصبحت هي اللغة الحمراء التي تفيض بها معاجم القراءة والكتابة رقصاً وبكاءً وعويلاً.”

كقارئ عربي، لا أستغرب حين أقرأ لأقلام عربية ارتوت من المعرفة الكونية. فالشاعر “الطاووس” أسعد الجبوري، بريشته المزركشة، يعبر عن قلق كل أديب عربي مغترب في دول المهجر. لقد حلق بجناحين غير منتوفين في عالم الأدب العالمي، واستلهم من حمولة معرفية جعلته يواجه ذاته أولاً، ثم يواجه كل ما يؤدي إلى عجز الكُتّاب العرب أمام هيمنة الكتابة التقليدية المغلقة، والتقصير المزمن في تحدي البناء اللغوي، وخاصة في الشعر.

هذه الميزة التي اكتسبها بالممارسة والبحث، وبالتجديد في العالم الحر للأدب والكتابة، جعلته غير مقبول لدى جماعات الضغط أو ما يسمى بـ”الحرس القديم” فكريًّا. ولذا قد يُنعت بالمثقف “التنويري العميل”، كما يُقال عن باقي محاربي الانغلاق والركود والنكوص. إنه شاعر يرفض ثقافة الاصطفاف والمثلية الأدبية، وشاعر لا يستسلم لدوامة كهنة الأنا الثقافية.

من خلال قوله هذا، أحاول تفكيك الرموز “البنيوية” إن صحّ التعبير، لمعرفة حقيقة تخوف كثير من المفكرين العرب من التجديد في اللغة الأدبية. وأسأل نفسي جملة من الأسئلة التي قد تجد لها أجوبة مقنعة، أو تبقى مفتوحة:

إذا كان المفكرون وعلماء الاجتماع ينتقدون الأنظمة الشمولية لتقييدها الحريات، لأنها تجعل الإنسان ترسًا في آلة المجتمع، أفليس من حق الأديب أن يعيش في اتجاهات متباينة، بل متناقضة أحيانًا؟

لماذا نخاف من التعددية الفكرية والثقافية؟

لماذا نحب أن يبقى الفكر العربي مكبلاً وفي حالة توتر دائم؟

لماذا لا يتفق المفكرون العرب على نهج توفيقي في إشكالية حرية الرأي والتعبير والإبداع؟

لكن السؤال الأهم: كيف يمكن تغيير الصمّام الأدبي العربي القديم، إلى آخر جديد، يتوافق مع الأدب الرقمي، ويواجه التحديات المحلية والعالمية، في ظل التغيرات الهائلة التي تفرض على المفكر العربي أن يعيد بناء مفهوم الإبداع لدى الكُتّاب والشعراء؟

يقول الشاعر أسعد الجبوري:

 “أعتقد أننا لم نعش سوى زمن الموت أو الهلاك العدمي. الرواية تتقدم على سواها من الفنون، باعتبارها الصندوق الأسود الذي يحتفظ بجميع تفاصيل خرائط السرد. الشعر لا يفعل ذلك، لأن ذاكرته مقدسة وضيقة، ولا تستطيع تحمّل المهاوي والتفاصيل والحكي. وعندما يهرب الشعراء إلى الرواية، فليس لأنهم يؤدون دور المنقذ للرواية من الضعف، بل لأن أغلبهم ينقل فشله الشعري إلى فشل روائي، بسبب الثرثرة التي أصبحت محور أغلب الروايات التي كتبها شعراء. ومن هنا، نجد الروائيين غير قادرين على كتابة الشعر، لأن جيناتهم السردية لا تتحول إلى تلك الانخطافات الشعرية المتوهجة بأعمال المخيلة.”

من تجربتي الخاصة، بعد قطع الطريق الأولى في التخصص الدراسي في سبعينيات القرن الماضي، ثم الطريق الثانية في السنوات التسع الأخيرة من الترحال بحثًا عن الذات، وبعد سنوات من الصراع مع آلة تسحق الطموح والمعرفة بأنانية ممانعة، عشت فترة بعيدًا عن كل المتعاليات الفكرية، وغباوة الفهم الأدبي في مجتمع ثقافي لا يرى في الإبداع إلا استمرارية لسلطة الإقطاع الأدبي، حيث الاستبداد يقرّر ما يشاء حفاظًا على امتياز أو منفعة.

من موسكو وسانت بطرسبرغ وشوشتي، مرورًا ببورياتيا وكرازنيارسك في سيبيريا، تيقظتُ، وتدرّبتُ على التمييز والقياس والتقويم. وكلما أوغلتُ في الإدراك، وجدت في مواقفي صرخة، وأحيانًا مناجاة، تسائل عقلي للنظر والتدبر، وتحفّزه لقراءة هذا العالم الجديد على ثقافتي، لأقيس به الأمور المرئية وغير المرئية في مجتمعي.

إن ما أخطّه هنا ما هو إلا صدى لصرخة الشاعر أسعد الجبوري. وهو أيضًا شكل من أشكال التعليم الذاتي، وطريقة في تطوير الذات عبر التوغل برفق في عالم الأدب الروسي، وفي حديقة شعرائه من أمثال بوشكين، ليرمنتوف، ومندلشتام. ولعل ألكسندر سولجينيتسين كان أحد من رسموا في قصائدهم النثرية ما عجز عنه النثر التقليدي والشعر المقيّد بالشروط. فقد ركّز على المعاناة الذاتية، من الجمال إلى القبح، ومن بهجة الحياة إلى مرارة الحقيقة.

هناك، تمّ التجديد والإبداع في القصيدة النثرية، ضمن بيئة تتسم بروح التنوع والانفتاح. كما سعيت إلى الاحتكاك بالفنون لاستكمال أدوات الدراسة، والتواصل مع أدبيات أشهر الكتّاب الروس في قلاعهم ومسارحهم.

لقد لمست أن منهجية أئمة الفكر والأدب الروسي متسلسلة في تطوير الوعي والإدراك، وتوسيع دائرة المعرفة من الغرب إلى أقصى الشرق السيبيري بقسوة شتائه. وخلّفت آثارها في الحياة اليومية بين مختلف طبقات المجتمع، حيث تناولت الظواهر الاجتماعية والفكرية والسياسية برومانسية واقعية، لم تبتعد عن الحقيقة رغم قمع الحريات وسطوة الاستبداد.

كل هذه العوائق لم تكسر العقل الروسي، بل حفّزته، وكان سلاحه القراءة. نعم، القراءة: هناك هي أسلوب حياة، كما كانت في الحقبة القيصرية والستالينية.

من خلال هذا العالم الأدبي الرفيع، أدركت قيمة التعليم الذاتي، وكيف أثّر في حياتي بشكل إيجابي عبر المصادر المفتوحة التي اعتمدتُ عليها. حتى غدوت مولعًا بالأدب والفن. فالتسع سنوات الأخيرة بين رفوف المكتبات، ومدرجات المسارح، وزيارة المتاحف، ومحاضرات الكتّاب، كانت أوقاتًا ثمينة للتعلّم والبحث عن المعرفة. كان ذلك التزامًا ذاتيًّا.إن التفاعل مع الثقافات هو من أكبر التحديات التي تواجه المثقف العربي، وبدون هذا التفاعل الإيجابي، يستحيل مواجهة التحديات المقبلة.

شاهد أيضاً

الرواجفة يعاين شعرية النسق الروائي

عمّان- يقدم د.ليث الرواجفة في كتابه “شعرية النسق الروائي” قراءة نقدية معمّقة في علاقة السرد …

اترك رد