تراجع سلطة الرموز الأخلاقية لصالح المؤثرين

حمزة دادة | المغرب

1ـــ كيف غذّت الميديا والوسائط التواصلية، عموما، النزعة الفردية في الكائن، وكيف جنت هذه النزعة على الانتماء الإنساني؟

2ـــ هل من بدائل لاستعادة الهوية المتمحورة على المشترك الإنساني، في غمرة هذا الجنون الرقمي، بما يُخلّص الكائن والمجتمع والعالم من سموم هذه النزعة؟

3ــ اجرد بعض المظاهر الاجتماعية، ما بين الأمس واليوم، تثبت الانقراض الوشيك لمنظومة القيم في خلق توازن ما بين صوت الأنا وروح الجماعة في تدبير مصائر الأجيال والأوطان؟


في زمن الميديا والوسائط الرقمية، تعاظمت النزعة الفردية في الكائن الحديث، لا بوصفها وعيا بالذات، بل كقوقعة يلوذ بها الفرد هربا من ثقل الجماعة ومقتضيات الانتماء. لقد وفرت هذه الوسائط فضاءات مغلقة تشبه المرآة: يرى فيها الإنسان صورته كما يحب، يسمع ما يوافق مزاجه، ويتابع من يشبهه فكرا وسلوكا. وهكذا، تراجع الحوار، وتقلصت فسحات الاختلاف الخلاق، وصار الكائن يعيش في ما يشبه فقاعة الأنا، حيث كل شيء مفصل على مقاسه. هذه العزلة المتخفية خلف الحضور الرقمي الكثيف أضعفت الروابط الإنسانية، وقلصت الشعور بالمسؤولية الجماعية، لأن من لا يرى الآخر لا يشعر بألمه، ولا يلتزم نحوه بشيء. لقد جنت الفردية الرقمية على الانتماء الإنساني حين جعلت الإنسان يظن أن الكفاية في ذاته، وأن العالم مجرد امتداد لرغباته. لكن الحقيقة تظل كما هي: لا يكتمل الإنسان إلا في صلته بالإنسان.

إن استعادة الهوية المتمحورة حول المشترك الإنساني في زمن الجنون الرقمي ليست ضربا من الحنين، بل ضرورة وجودية وأخلاقية. في وجه الفردانية المفرطة التي غذتها الوسائط، يجب إعادة الاعتبار لفكرة العيش معا، لا كشعار، بل كممارسة تتجذر في التربية، والثقافة، والفعل المدني. البديل يبدأ من المدرسة، حين نربي الطفل على قيم التعاطف، والحوار، وخدمة الجماعة، لا على التنافس العدواني والتمركز حول الذات. ويستكمل في الإعلام حين ينتصر للمضامين التي ترفع منسوب الوعي والروح، لا تلك التي تروج التفاهة والأنانية. كما أن للأدب والفن والفكر …دورا مفصليا في تذكير الإنسان بجماليات التعدد، وعمق التلاقي، وسؤال المعنى الذي يتجاوز الفرد إلى الآخر، إلى الكوني. إن الترياق ضد هذا السم الرقمي ليس في القطيعة مع التكنولوجيا، بل في توظيفها لربط الإنسان بأخيه الإنسان، لا لعزله عنه. فالهوية الحقة لا تبنى على حساب الآخر، بل تتقوى بالوعي بأننا جميعا ننجو أو نسقط معا.

بين الأمس واليوم، تتبدى شواهد عدة تنبئ بانقراض وشيك لمنظومة القيم التي كانت تخلق توازنا دقيقا بين الذات والجماعة، بين طموح الفرد ومصلحة الكل. في الأمس، كانت الأسرة نواة الجماعة، وركيزة التربية، حيث الكل يحرص على الكل، وكانت قيم مثل الاحترام، العفة، ونكران الذات تلقن بالفعل قبل القول. في الحي، كان “ولد الجيران” كأنه من العائلة، و”عيب الناس” من “عيبنا”. أما المدرسة، فكانت مؤسسة للقيم قبل المعرفة، تزرع في التلميذ روح الالتزام والانتماء. أما اليوم، فالمشهد ينحو نحو تفكك اجتماعي غير معلن: الأسرة أضحت مجزأة، والعلاقات داخلها تدار كأنها عقود خدمات. أصبح الطفل زبونا في البيت، والتلميذ رقما في الفصل، والمواطن صوتا انتخابيا عابرا. تراجعت سلطة الرموز الأخلاقية لصالح المؤثرين، وتفوقت صورة النجاح الفردي السريع على معاني التضامن والتراكم والبذل الجماعي. كل هذا يظهر خللا عميقا في هندسة المجتمع، حيث غاب التوازن بين الأنا والكل، فاختلت بوصلة المصير المشترك، وصار المستقبل رهينة نزعة لا ترى أبعد من حدود المرآة.

لوحة الفنان المغربي لحسن أوبزي

شاهد أيضاً

المسؤولية الاجتماعية في الحج

د. شريف بن محمد الأتربي | السعودية منذ خلق الله سبحانه وتعالى الأرض ومن عليها، …

3 تعليقات

  1. المهدي لكزيري

    تحية أستاذ حمزة على تطرقك لهذه المقالة التي تحاول معالجة مشكل الهوية و تأثيرها على الإنتماء المجتمعي في زمن الرقمية حيت كل فرد يعيش في عالم إفتراضي بمعزل عن المجتمع و حيث أصبح المؤثر هو القدوة مما أدى إلى إنهيار القيم و الاخلاق

  2. المهدي لكزيري

    تحية أستاذ حمزة لتطرقك في هذه المقالة التي تحاول معالجة مشكل الهوية و تأثيرها على الإنتماء المجتمعي في زمن الرقمية حيت كل فرد يعيش في عالم إفتراضي بمعزل عن المجتمع و حيث أصبح المؤثر هو القدوة مما أدى إلى إنهيار القيم و الاخلاق

  3. تحليل جد رائع أحسنت النشر.

اترك رد