الفنُّ كنتيجة للتّهيّب من القبح

العربي الحميدي| المغرب

في كلِّ ميلادٍ للفنّان، ثمّة لحظة ارتجاف أولى لا تشبه غيرها؛ لحظة يرتجف فيها الداخل كما لو وُضع في محكمةٍ الجنايات، يتنازعه سؤالان متناقضان:

هل أملك شيئًا يستحق أن يُرى؟ أم أخشى أن يراه الجميع؟

ليس الخوف من أن يصبح الإنسان فنانًا خوفًا من الشهرة، ولا من الحكم، ولا من التقييم. إنّه خوفٌ أعمق من ذلك بكثير؛ خوفٌ من أن يواجه الفنان نفسه، وأن يرى ذاته في المرآة بكامل تجريدها، وعريها دون أقنعةٍ اجتماعيةٍ أو أخلاقية.

الفنّانُ لا يولد حين يُقال له: أنت مبدع، بل حين يجرؤ على الاعتراف.

أنا ذلك الكائن الذي يرى أكثر مما ينبغي أن يُرى، ويشعر أكثر مما ينبغي أن يُشعَر.

الخوف بوابةٍ للفنّ

الخوفُ الأصيل ليس عدوًّا للإبداع، بل هو دائمًا نقطة البدء.

فالطفل حين يرسم أول خطّ على الورقة، لا يفعل ذلك بدافع الثقة، بل تحت وطأة الغموض؛

ماذا سيحدث؟ ماذا سيظهر؟ ما هذا الذي سينبثق مني؟

نعم يخاف الإنسان أن يكون فنانًا لأنه يعرف أن الفنّ يُعرّيه.

أن كل ضربةِ فرشاة ليست سوي جرحًا يكشف شيئًا من الداخل.

وأن كل لوحةٍ هي اعترافٌ غير رسمي.

هذا أنا، وإن لم أُسمِّ اسمي.

هل الفنُّ نتيجة الخوف من القبح؟

اعتقد لو كان العالم جميلاً بما يكفي، لما احتجنا الفنّ.

ولو كانت الحياة واضحةً بما يكفي، لما احتجنا الشعر والفلسفة والحلم.

بل إنّ الفنّ يظهر    كردّة فعلٍ على النقص، على القبح، على اللااكتمال.

لكن ليس القبح هنا قبحًا بصريًا أو تشوّهًا شكليًا.

إنّه القبحُ الوجودي؛

قبحُ الفراغ، قبحُ المعنى المهدّد بالغياب، قبحُ الصمت، قبحُ العدم.

الفنّ إذن هنا، ليس تغطيةً على القبح، بل محاولة لترويضه، للتعامل معه دون الإنكار.

الفنّان لا يهرب من القبح، بل ينظر فيه حتى النهاية، ثم يُعيد صياغته جمالياً ليقول:

حتى في العتمة، ثمّة ضوءٌ خفيٌّ يستحق الاكتشاف.

وهنا تتجلّى مفارقة الفنّ؛

إنّه ابنُ الألم، لكنه صانعُ البهجة.

مولودٌ من الخوف، لكنه أكثر أشكال الشجاعة صفاءً.

مُستخرجٌ من القبح، لكنه يَخلُق الجمال.

الفنّ كتحريرٍ داخلي

من يخاف أن يصبح فنانًا، يخاف في الحقيقة من أن يتحرّر.

لأن الفنّ حين يكون صادقًا  يجعل صاحبه حرًا خارج كل السجون؛ خارج سجن الماضي، خارج سجن العائلة، خارج سجن المجتمع، خارج سجن اللغة، وخارج سجن الصورة النمطية للذات.

الفنّ ليس زينةً للصالونات ولا نشاطًا جماليًا منفصلاً عن الوجود؛

إنّه شكلٌ آخر من مواجهة العالم ومن فهمه،

بل شكلٌ آخر من النجاة.

بين الفنّ والفنّان. الفارق الخفي

قد يكون هناك فنّ بلا فنّان، وفنّان بلا شهرة، وشهرة بلا فن.

لكن الخوف الحقيقي لا يحدث في المعارض، ولا في عيون الجمهور، بل يحدث في تلك اللحظة التي يقف فيها الفنان أمام مساحةٍ فارغةٍ

ويشعر أن عليه أن يملأها بشيءٍ من روحه.

في ذلك الاحتكاك بين الداخل والخارج

يولد الفنّ.

هل كنتُ خائفًا أن أصبح فنانًا؟

نعم.. كما يخاف كلُّ من يقترب من منطقة الحقيقة في داخله.

هل الفنّ هو نتيجة الخوف من القبح؟

هو استجابةٌ له.

إنّه فنّ تحويلِ القبح إلى شكلٍ من أشكال الجمال،

وتحويلِ الخوف إلى شجاعةٍ مرئية،

والنقص إلى اكتمالٍ مؤقت..

رئيس التحرير

شاهد أيضاً

“حكايات من ذاكرة المكان” لبكري العزام.. سرد من وجدان الطفولة

صدر عن “الآن ناشرون وموزعون”، الأردن (2025) كتاب “حكايات من ذاكرة المكان” للدكتور بكري العزام، …

اترك رد