العربي الحميدي| المغرب

ورقة تحليلية في ضوء تجربة القاصة ليلى بارع
“قصة ديك ابيض في محطة سيدي معروف”
من المجموعة القصصية “اليد الخضراء”
في النقد الأدبي المعاصر، تعددت الآراء حول الفرق بين السارد والقاص، وهذا الفرق يتجاوز حدود اللغة ليخترق عمق الكتابة الإبداعية. فليس كل من يكتب سردًا يُعد قاصًا، لأن السرد لا يُختزل في نقل وقائع أو ترتيب أحداث، بل هو فنٌّ يرتكز على الرؤية، الإيقاع، والقدرة على تشييد عالم من خلال اللغة.
الفرق بين السارد والقاص
السارد هو ذلك الكاتب الذي يروي، ينقل، يصف، ويعرض الأحداث أو الحالات؛ قد يكون راوياً خارج النص أو داخله، حياديًا أو مشاركًا، لكنه في النهاية وسيط للتواصل السردي.
أما القاص، فهو مبدع الحكاية، صانع البناء الفني، الذي يتحكم في التوتر، والإيقاع، وتوازن الشخصيات، كما يضفي على السرد حسًّا دراميًّا وجماليًّا، ويمنحه بُعدًا إنسانيًّا وفلسفيًّا.
اذا يعتبر كل قاص، سارد، لكن ليس كل سارد قاصًا. لأن القاص لا يكتفي بأن يقول ماذا جرى؟، بل يتساءل: لماذا جرى؟، كيف جرى؟، ما الذي يعنيه أن يجري؟.

القصة فنّ مركب
القصة ليست فقط تسلسلاً زمنيًا للأحداث، بل بنية تتشابك فيها العناصر النفسية والاجتماعية والفنية، ما يجعل القصة أكثر من مجرد حكاية، بل شكلاً من أشكال الفهم الوجودي للإنسان وللعالم.
وتكمن قوة القاص في التحكم في هذه البنية، بما فيها:
1. المنظور السردي (الزاوية)؛
2. التكثيف والتوتر؛
3. اقتصاد اللغة وبلاغتها؛
4. الوعي باللاّمرئي، المسكوت عنه؛
5. الانحراف عن العادي والمألوف نحو اللامتوقّع.
ليلى بارع: من السرد إلى القصّ
على ضوء ما سبق، يمكنني أن أتساءل: أين تقع تجربة ليلى بارع ضمن هذا التقسيم؟
ليلى بارع، كما يوحي الاسم “بارع” ، كاتبة وشاعرة من بين من يحاولون تحويل السرد إلى قصّ، أو ممن يملكون طاقة الحكي واقتدار القص.
فإذا كانت تكتب من زاوية “السارد”، فهي ربما تملك ما يكفي من الحكي، لكن هل وصلت إلى صياغة فنّ القص بما يتطلبه من وعي بالنسيج السردي والتكثيف الفني؟ وإذا كانت قد تجاوزت ذلك، هل هي قاصة تحمل مشروعًا سرديًّا خاصًّا بها، يترجم التجربة إلى بنية دلالية وشكلية ناضجة؟
هذا يفتح بابًا للنقاش حول مفهوم الاحتراف في القصة:
هل يكفي أن نكتب سردًا لكي نكون قُصّاصًا؟
هل تحتاج القصة إلى موهبة فقط، أم إلى تمرين، ونظرية، وإدراك عميق للأدب والحياة؟
في قراءة القصة القصيرة: “ديك أبيض بمحطة سيدي معروف”
أجدني أمام نص ذكي في بنائه، بسيط في مظهره، عميق في باطنه. يلتقط الحياة اليومية بمفارقاتها، ويلقي عليها نظرة تأملية وساخرة، من خلال عين راصدة حساسة، تختزن وعيًا اجتماعيًا ونفسيًا حاضرًا. وإذا كان النص يحتاج إلى بعض التنقيح الأسلوبي لتقوية التماسك البنيوي؛ كأي تجربة أدبية. فإنه يملك جمالية سردية تستحق التثمين.
البنية السردية والأسلوب
1. تعدد الأصوات الداخلية والخارجية:
النص يعتمد على السرد بضمير المتكلم، مما يخلق علاقة حميمة بين القاصة والقارئ، ويتيح للكاتبة أن تُعبّر عن انطباعاتها الداخلية وملاحظاتها الشخصية بشكل مباشر. كما أن الكاتبة تتنقل بين المراقبة الخارجية لما يجري من حركات الشخصيات، الحوار، التصرفات، وبين التحليل النفسي والتأملي، خصوصًا في مواقف مثل تفكيرها في قرار الركوب في “سيارة الأجرة الكبيرة” مقابل “الصغيرة”.
2. الحكي في سياق يومي لكنه موارب:
يبدو أن السرد ينبني على لحظة عابرة: ركوب سيارة أجرة. لكن الكاتبة تحمّل هذه اللحظة معاني تتجاوزها بكثير، لتجعل منها مجالًا للتأمل في مفارقات الواقع، من ملاحظة الفتاة الإفريقية، إلى الحديث عن الديك الأبيض، إلى تساؤلات عن القرارات الشخصية والقدر.
3. اللغة والأسلوب:
اللغة بسيطة من حيث التركيب، لكنها مكثفة دلاليًّا. فيها سخرية مبطنة، تهكم على الواقع، وميل إلى التقاط التفاصيل الصغيرة ذات الدلالة العميقة (مثل الديك الذي يأكل التراب بملل، أو الفتاة التي “شردت طريقتها في الكلام”). تُستخدم بعض الجمل القصيرة بشكل لافت، تُضفي إيقاعًا مميزًا، مثل:
“وجهها لا يأسى على أطلال لحظات.”
“كل شيء ممكن. شخصيًا، لا أثق بسائقي الأجرة الكبيرة.”
البنية الرمزية والدلالية
1. الفتاة الإفريقية والسائق الأبيض:
نلاحظ رمزية في هذا الثنائي، إذ يبدو أن الكاتبة تستحضر تداخلات العرق، السلطة، والمكانة الاجتماعية. الفتاة الإفريقية التي لا تنظر إلى السائق الأبيض، ترمز إلى عالم متشابك من الصمت واللامبالاة أو التحدي. لا يشرح النص علاقة مباشرة بينهما، لكن التوتر الصامت يوحي بتاريخ خفي أو نظام سلطة غير مرئي.
2. الديك الأبيض:
الديك عنصر محوري في النص، رغم كونه تفصيلة “غرائبية”. يرمز إلى الزمن، التكرار، التفاهة واللاجدوى، لكنه أيضًا رمز للذاكرة الشعبية والحضور البصري الفجّ. تطرح الكاتبة وجوده في المدينة (بل في محطة سيارات أجرة!) كعلامة على اضطراب المعايير، وربما افتقاد المكان إلى المنطق.
“الديك يشعر بالملل ويبلع بأكل حبات التراب في مرح.”
هذه الجملة تُختصر فيها حكاية الإنسان المعاصر المرهق بلا هدف، المكرّر لحياته كحركة آلية.
3. السؤال عن القرارات والعبثية:
الجزء الأخير من النص يمضي إلى التفكير في القرارات الشخصية، والعشوائية التي تتحكم فيها. المقارنة بين “سيارة الأجرة الصغيرة” و”الكبيرة” تأخذ أبعادًا رمزية، تُحيل إلى الحيرة الوجودية التي يعيشها الإنسان المعاصر، بين خيارات متشابهة في عبثيتها، متناقضة في نتائجها، لكنها جميعًا خاضعة للقدر أو العادة أو الظروف.
التيمة المركزية
العبث، الغرابة، وسخرية الواقع اليومي.
تظهر التيمة المركزية من خلال توالي مشاهد لا تبدو مترابطة للوهلة الأولى. فتاة تتحدث في الهاتف عن موعد عاطفي، ديك أبيض يسرح في محطة طرقية، سائقون “عوانس” ربما وجدوا في الديك عزاءً نفسيًّا… لكن هذا التشتت الظاهري يخفي رؤية عميقة، فيها تأمل ساخر في العالم الذي نعيش فيه، حيث تفقد الأشياء معناها أحيانًا، وتكتسب العشوائية سطوتها.
عناقيد عناقيد، موقع ثقافي فكري جامع مستقل.