وهم امتلاك الحقيقة وعلاقته بالتخلف الفكري في المجتمعات

العربي الحميدي| المغرب

في كل حدث مجتمعي أو تحوّل دولي، يتجلّى صراع الاصطفاف بين أفراد المجتمع كما بين الدول، إذ يعتقد كل طرف أنه يمتلك الحقيقة المطلقة، ويُسارع إلى فرضها باعتبارها الصواب الأوحد. هذه الظاهرة، التي لم تعد حكرًا على الصراعات السياسية أو الأيديولوجية الكبرى، باتت تطغى على المشهد اليومي، خاصة في ظل انتشار وسائل التواصل الاجتماعي التي تحوّلت إلى ساحات مواجهة مفتوحة. لم يعد الأمر مقتصرًا على النخب المثقفة، بل أصبح يشمل أيضًا شرائح واسعة من الناس، بما فيهم من لم ينل حظًا من التعليم أو التكوين الفكري. وهكذا، أصبح الخطاب السائد خطابًا إقصائيًا، يُقصي الرأي الآخر باسم امتلاك “الحقيقة”، ويغذي الانقسام بدلًا من الحوار، ويكرّس التخلف بدلًا من التنوير.

تُعدّ مسألة “امتلاك الحقيقة” من أبرز القضايا الإشكالية في الفكر الإنساني، إذ شكّلت محوراً أساسياً في الفلسفة، والدين، والأيديولوجيا، والخطاب الاجتماعي. فالاعتقاد بأن فرداً أو جماعة أو أمة ما تملك الحقيقة المطلقة هو وهمٌ خطير، يؤدي إلى الانغلاق، ورفض الآخر، ورفض النقد، بل الى الجمود . والمفارقة المؤلمة أن هذا الاعتقاد يهيمن بشكل واضح على المجتمعات المتخلفة فكرياً، حيث يصبح الإيمان الأعمى بامتلاك الحقيقة هو الحصن الأخير الذي تتحصن فيه العقول ضد محاولة الفهم.

التخلف الفكري لا يعني قلة الذكاء أو انعدام القدرة المعرفية، بل إلى نمط معين من التفكير يتسم بالجمود، والتقليد الأعمى، ورفض النقد، والعجز عن تقبّل التعدد والاختلاف. وهو حالة ذهنية وثقافية تحول دون التفاعل الحر مع الأفكار الجديدة، وتعيق إمكانية التقدم على الصعيدين المعرفي والاجتماعي.

ومن أبرز سماته:

– الجمود الأيديولوجي: التمسك بعقائد أو أفكار موروثة دون مساءلة.

–  الثنائية القطبية: تصنيف العالم إلى خير وشر، حق وباطل، نحن وهم.

–  رفض الآخر: عدم الاعتراف بشرعية الرأي المخالف أو الثقافات المختلفة.

–  الخضوع للسلطة المعرفية: التسليم الكامل لما تقوله النخب أو المرجعيات دون مساءلة عقلانية.

في المجتمعات المتخلفة فكرياً، يتحول الإيمان الذاتي إلى قناعة جماعية مطلقة بأن “نحن على صواب، والآخرون على خطأ”. وهذا الوهم يُفضي إلى نتائج كارثية، منها:

  • احتكار التأويل: حيث تُقدَّم رؤية واحدة على أنها تمثل “الحقيقة الكاملة”، ويتم إسكات أي تأويل بديل.
  • تأبيد الجهل: إذ لا حاجة للبحث أو التفكير ما دامت “الحقيقة” معروفة ومطلقة.
  • -شرعنة الإقصاء: حيث يُبرر رفض المختلف أو حتى قمعه، بدعوى أنه “خارج عن الحقيقة”.
  • العجز عن الحوار: لأن من يعتقد أنه يملك الحقيقة لا يتحاور، بل يُلقّن أو يُملي.

يتغذّى وهم امتلاك الحقيقة من مصادر متعددة في المجتمعات المتخلفة فكرياً، من بينها:

– المنظومات التعليمية التقليدية: التي تُربي على الحفظ لا على النقد، وعلى الامتثال لا على التساؤل.

– السلطة الدينية أو السياسية: حين تُصادر الحق في التفكير وتحتكر “الخطاب الحق”.

– البيئة الاجتماعية المغلقة: التي ترفض الغريب والمختلف، وتُعيد إنتاج القيم نفسها دون مراجعة.

– الخطاب الإعلامي الدعائي: الذي يعزز صورة الذات المثالية مقابل شيطنة الآخر.

تنتج هذه الحالة نمطاً اجتماعياً متقوقعاً، يخشى التغيير، ويُعيد إنتاج العجز. ومن أبرز آثارها:

  • تعطيل العقل النقدي: مما يؤدي إلى عزلة فكرية.
  • نشر ثقافة التقديس الأعمى: للأشخاص، والأفكار، والمؤسسات.
  • فشل في بناء ديمقراطية حقيقية: لأن الحوار والمشاركة يتطلبان اعترافاً بتعدد وجهات النظر.
  • صراعات داخلية لا تنتهي: بسبب غياب ثقافة التعدد وقبول الاختلاف.

للخروج من هذه القوقعة، لا بد من اتخاذ خطوات عملية وفكرية، من أهمها:

– ترسيخ ثقافة الشك المنهجي: لا بمعنى الإنكار، بل بمعنى المراجعة المستمرة.

-إعادة الاعتبار للفكر النقدي: في المؤسسات التربوية والثقافية.

– الاعتراف بالنسبية المعرفية: فالحقيقة ليست ملكاً لفرد أو جماعة، بل هي أفق يُقترب منه ولا يُحتكر.

– تشجيع الحوار والانفتاح: بوصفه أداة لفهم الذات والآخر.

– فصل الدين أو الأيديولوجيا عن السلطة المعرفية: حتى لا يتحول الإيمان إلى أداة قمع فكري.

ليس هناك خطر أعظم على المجتمعات من أن تعتقد أنها “تملك الحقيقة”. فهذه القناعة لا تؤدي إلا إلى التخلف، والجمود، والاقتتال. إن المجتمعات التي تسير في درب الوعي هي تلك التي تدرك أن “الحقيقة متعددة الأوجه”، وأن امتلاكها لا يكون بادعائها، بل بالاقتراب منها عبر الحوار، والنقد، والتواضع المعرفي. وبين التسلّط باسم الحقيقة، والانفتاح بحثاً عنها، يتحدد مستقبل الإنسان، ومصير الشعوب.

بقلم رئيس التحرير

شاهد أيضاً

اللسان الشعبي المغربي بين الأصالة والانحراف

العربي الحميدي| المغرب تعيش اللغةُ المغربيةُ الدارجةُ اليوم مرحلةً دقيقةً من التحوّل السريع والمربِك. فمنذ …

اترك رد