هل نحن أمة تحب الوصاية على أفرادها؟

العربي الحميدي| المغرب

في حديثٍ مطوّل مساء أمس حول حرية الفرد واختياراته، وحول معنى أن يبني الإنسان حياته وفق رؤيته الخاصة، يطرح سؤال جد مهم وملحّ؛ هل نحن أمة تحب الوصاية على أفرادها؟

سؤال يبدو بسيطًا في شكله، لكنه في العمق يكشف جذورًا ضاربة في نسيج ثقافتنا الاجتماعية والفكرية والدينية خاصة، ويمتد إلى تاريخ طويل من التوتر بين نزعة الجماعة إلى الهيمنة، ورغبة الفرد في التحرر والانعتاق.

حين نتأمل تفاصيل حياتنا اليومية، نجد أن الوصاية تتسرّب إلى كل المستويات، حتى تكاد تشكل نسقًا مهيمنًا على وعينا:

فالأسرة، التي يُفترض أن تكون ملاذًا للحب والرعاية، تتحول في كثير من الأحيان إلى سلطة تقرر نيابة عن الفرد مساره الدراسي واهتماماته، وأحيانًا حتى شريك حياته. فيغدو الأبناء امتدادًا لرغبات الآباء لا ذواتًا مستقلة.

والدولة، باسم “المصلحة العامة”، تمارس وصاية سياسية وفكرية، وتتعامل مع المواطنين وكأنهم قاصرون يحتاجون إلى التوجيه الدائم، فتختزل الحرية في شعارات أكثر مما تجسّدها في الواقع.

والمؤسسات الدينية والفكرية، لا تكفّ عن فرض تصوراتها الجاهزة حول الصواب والخطأ، وتعمل على حصر العقل الفردي في قوالب ثابتة، وكأنها هي وحدها المالكة للحقيقة.

وحتى العادات والتقاليد، بما تحمله من سلطة صامتة، تتحول إلى رقيب يطارد خيارات الفرد في ملبسه وعلاقاته ومعتقداته، لتجعل من الجماعة محكمة كبرى لا تسمح بالخروج عن “النص غير المكتوب”.

هذه النزعة الوصائية لم تنشأ اعتباطًا؛ بل هي ثمرة تاريخ طويل من المجتمع الأبوي، حيث السلطة تُمارَس رأسيا من الأعلى إلى الأسفل، من الأب إلى الأبناء، من الشيخ إلى المريدين، ومن الحاكم إلى الرعية. ولطالما تخفّى خطاب الوصاية وراء تبريرات براقة: “نحميك من نفسك”، “نرعى مصلحتك”، “نحافظ على هويتنا”. لكن النتيجة واحدة: مصادرة حرية الفرد، وتأجيل نضجه ككائن قادر على التفكير والاختيار.

وللوصاية وجهان متناقضان:

فهي من جهة تعبير عن خوف الجماعة من التفكك، وعن رغبتها في صيانة استقرارها عبر التحكم في خيارات الأفراد. لكنها من جهة أخرى تتحول إلى قيدٍ خانق يقتل الإبداع، ويمنع التجربة، ويحوّل الحرية إلى استهتار لا إلى شرطٍ أساسي للنمو. بهذا، تصبح الوصاية درعًا اجتماعيًا في ظاهرها، وسجنًا خانقًا في باطنها.

والمفارقة الكبرى أن الأمم التي كسرت هذه النزعة الأبوية، وفتحت المجال أمام أفرادها ليقرروا ويجربوا ويخطئوا ويصححوا، هي ذاتها التي تقدمت وأبدعت وأنتجت قيم العدالة والحرية. أما نحن، فما نزال نتأرجح بين خطاب يطمئن الجماعة باسم “الوصاية الأبوية”، وخطابٍ آخر يثير مخاوفها باسم “الحرية الفردية”.

ويبقى السؤال معلقًا أمامنا:

هل سنظل أمة تتغذى على الوصاية، وننظر إلى الفرد كمشروع خطر يجب تقييده؟ أم سنجرؤ على وضع ثقتنا في أبنائنا وبناتنا، ونمنحهم الحق في التجربة والخطأ، ونؤمن أن الحرية وحدها قادرة على أن تُخرج إنسانًا ناضجًا، خلاقًا، ومتصالحًا مع ذاته وجماعته؟

بقلم رئيس التحرير

شاهد أيضاً

اللسان الشعبي المغربي بين الأصالة والانحراف

العربي الحميدي| المغرب تعيش اللغةُ المغربيةُ الدارجةُ اليوم مرحلةً دقيقةً من التحوّل السريع والمربِك. فمنذ …

اترك رد