ما الفن؟

العربي الحميدي | المغرب

سؤال قد يبدو بسيطًا في ظاهره، لكنه يخفي في جلبابه دهشة الإنسان الأولى، حين شاهد ظلّه منسحبًا على الرمل والصخر، ورأى وجهه منعكسًا على صفحة الماء. وحين رسم كفّه على جدار الكهوف، علامة أراد لها أن تحمل دلالة ما، أو أن تخلّد حضورًا خفيًا في الزمن.

الفن ليس زينة للحياة، بل هو الحياة وقد لبست قميص المعنى.

إنه ذلك الفيض الضوئي الذي لا يمكن القبض عليه، وتلك الحاجة العميقة إلى التعبير حين تعجز اللغة، وحين تضيق المفاهيم.

هو العالم الحر، الذي لا تحكمه قوانين السوق، ولا تخضع رؤاه لسلطة العُرف، بل يمضي نحو تخوم الذات، حيث تسكن الرغبة في القول المختلف، في الابتكار، في كسر السائد وإعادة تشكيل الممكن… واللاممكن.

الفن التشكيلي، على وجه الخصوص، هو لغة الصمت.

الرسم ليس مجرد تمرين على التناسق البصري، بل هو انخراط وجودي في صيرورة الأشياء، محاولة لإعادة تركيب العالم كما يُرى من الداخل، لا كما يُفرض من الخارج.

الخطوط والألوان ليست أدوات تزيين، بل تعابير في جمل لا تُقال، بل تُرى وتُعاش.

في اللوحة، ثمّة وقتٌ آخر، كثافةٌ خاصة، اختلالٌ محسوب، وصدقٌ لا يحتمل التزييف.

إنها لحظة تواطؤ بين الفنان وذاته، بين ريشته والمساحة البيضاء التي تُعلن استعدادها لاستقبال المجاز، والمحو، والبدء من جديد.

الفن، بهذا المعنى، فعل مقاومة؛ مقاومة للنسيان، للسطحية، للزوال.

وهو أيضًا فعل حب، لأنه يعيد للأشياء قيمتها، ويعيد للإنسان مركزه الإنساني؛ لا كمستهلك، بل ككائن شاعر، يرى ويشعر ويتأمل.

ما يُرسم ليس فقط ما يُرى، بل ما يُحس، وما يُفتقد، وما يُراد له أن يكون.

الفن مراوحة بين الذاكرة والحلم، بين العالم كما هو، والعالم كما ينبغي أن يكون.

لذلك، فإن “صفحة ريشة” محاولة لفتح نوافذ تطلّ على تجارب مختلفة، أصيلة، وصادقة، تسبح ضد التيار، وتتواطأ مع الحلم دائمًا.

هي مساحة لتبادل الرؤى، لاحتضان الخطأ بوصفه خطوة نحو الاكتشاف، وللسؤال بوصفه أكثر شرعية من الإجابة.

في صفحة “ريشة”، أومن أن كل عمل فني هو جهد لفهم الذات ومحيطها والعالم، وأن كل فنان هو رسول صغير، يحمل بشارته على ظهر لوحته… ويمضي.

                                                                بقلم رئيس التحرير

شاهد أيضاً

اللسان الشعبي المغربي بين الأصالة والانحراف

العربي الحميدي| المغرب تعيش اللغةُ المغربيةُ الدارجةُ اليوم مرحلةً دقيقةً من التحوّل السريع والمربِك. فمنذ …

اترك رد