قصص قصيرة وقصص قصيرة جدا

حسين بن قرين درمشاكي | ليبيا


في حارةٍ تئن تحت أنين الفقر المطبق، حيث البيوت تتكدس كتوابيت خاوية، كان الحاج محمود يجلس على عتبة داره المتهالكة، تكسوها غبرة السنين وخيبات الأمل. يجر أذيال خيبةٍ عمقها يضاهي عمق جرح نازف، تتجدد مع كل فجر عيد يلوح. في جيبه بضع ورقات عتيقة، كأنها بقايا أحلام بالية، لا تكاد تسد رمق يوم يصارع فيه الجوع، فكيف بها أن تشتري أضحية تتوق إليها أرواح صغاره الأبرياء، الذين يحلمون بفرحة تتسلل إليهم كطيف بعيد من نوافذ الجيران المزهرة؟
تثقب نظراتهم البريئة روحه، فتحيلها إلى رماد صامت، وتساؤلاتهم التي لا تجد جوابًا سوى الصمت المرير: “متى نذبح يا أبي؟ متى نفرح كبقية الناس؟” يختنق صوته في حلقه، كعصفور حبس في قفص اليأس، فلا يملك إلا أن يلقي بنظره إلى السماء، وكأنما يستجديها أن تنزل عليه بعض عدل من جور واقع طحن كرامته وأحالها إلى حطام. لقد أفنى عقودًا في خدمة وطن لم يتوانَ لحظة عن العطاء له، فما ذنبه اليوم أن يصبح لقب “متقاعد” مرادفًا لـ”منسي” و”مهمش”؟
تلفحه نسمات الصباح، تحمل معها شذى شواء يتسلل من بيوت الجيران كهمس الشوك في القلب، ورنين ضحكات الأطفال التي توقظ فيه جرحًا غائرًا لا يندمل. تتوهج في ذاكرته مشاهد لمسؤولين يتراقصون على بساط المليارات المخصصة لصناديق تزينها أسماء براقة كأضواء خادعة، بينما هو لا يجد قوت يومه، أو دواء يشفي علته التي نخرت عظامه، أو أضحية تطفئ لهيب الحرمان في قلوب صغاره.

لقد استنزف المرض جسده الواهن، وحين لجأ إلى مستشفيات الوطن، وجدها هياكل خاوية تعج بالوجع، وأطباء يحملون أعباء تفوق طاقتهم. أما القطاع الخاص، فبابه موصد بأقفال من ذهب، إلا لمن يملك مفتاح المال. ليس هذا مجرد تقصير، بل تجاهل صارخ لفئة طالما سقت أرض الوطن بعرقها، واليوم تترك لتذوي في صمت مطبق، يتجدد ألمها مع كل مناسبة، ويزداد إحساسها بالتهميش كوصمة عار على جبين الزمن.
يغلق الحاج محمود عينيه، ويستحضر صور أيام العطاء، حين كان الوطن يراه ابنًا بارًا، لا عبئًا ثقيلًا. ثم يفتحهما على أمل خافت كشرارة في ليل بهيم، عله يجد بصيص نور في عتمة اليأس. تتراقص في ذهنه صور ما يمكن أن يكون: منحة تكسر قيد العوز، سلفة تداوي جراح العيد، وأموال لا تتبدد في مشاريع وهمية تشبه سرابًا في صحراء قاحلة، بل تعيد الكرامة للإنسان. يتخيل وطنًا ترتب فيه الأولويات لا بناء خرسانة بلا روح، بل رفعة إنسان يتألم.
يتنهد الحاج محمود تنهيدة عميقة، مرددًا في قرارة نفسه: “الوطن ليس خرسانة تبنى، بل إنسان يجب أن يحترم ويكرم. المتقاعدون ليسوا عبئًا على الدولة، بل هم جذورها التي سقتها، وآباؤنا وأمهاتنا وإخواننا. ومن لا يكرمهم اليوم، لن يجد من يكرمه غدًا، ولن يجد سوى مرارة الندم.”


انتبذت زاوية الوجود؛ كتلة من صمت متكلس، تتشكل من وشائج الألم المتشابكة حول خواء مقيم. كل وشيجة فيها تختزن غور ساعة ابتلعتها العتمة، وذبول دقيقة، وزفرة ثانية خنقها الصمت. كان شعرها المتهدل ستارة حالكة، تسدل خفاءها على محيا لو تجسد، لخطت على سحناته كل خطوط اليأس الساكن. لم تكن تترقب شيئًا معلومًا؛ بل كانت هي عين الترقب المتجسد في هيئة مؤلمة كالجرح الغائر. تُرى، كم من الدهور جثمت فوق هذا الكرسي الوثيد؟ لقد توارت الأزمنة في غياهب النسيان، وتداخلت وقائع الأقدار في دوامة العدم، وبقيت هي، صرخة خرساء تئن في عمق الفراغ.
ثم، في لحظة لم تسجلها تقاويم الزمن، هوى الكرسي تحتها. لم يصدح صوت، لم يتكسر شيء، لم يتبعثر أثر. فقط اختفت هي، الوشائج المتشابكة، والخواء الذي احتواها، والشعر المنسدل كالغربان. خلفت خلفها الفراغ الذي كانت تجثم فيه… كأنها لم تُخلق قط، وكأن الانتظار نفسه لم يكن سوى وهم صاغه عدم ومحاه.


تأرجحت الأنا تتمرّغ بين أجنحة الضوء الزائفة وكهوف الظلمة الموحشة. على ضفاف الروح القاحلة، رقصت أشباح الغضب، وعلا عويل الكراهية المعتّقة. لم ندرك هشاشة الأيام، كقشرة بيضة تُسحق، إلا بعد فوات الأوان. أيّة نشوةٍ عابرة تتضوّع برائحة الدم الموحل! وأيُّ ارتواءٍ زائفٍ يولد من فوهة الحقد القاتل! بقي لنا فقط صهيل الصمت المدوّي؛ يدعونا لغسل النفوس بماء التصالح الزلال، واجتثاث جذور البغضاء من تربة الفؤاد المتعطشة، كي تنبعث نباتات السلام من رماد الحروب، شاهدةً على أنبل غايات الوجود: التعايش المتسامح.
لكنّها كانت مجرد صرخةٍ أخيرةٍ اختنقت بصحراء البقاء العطشى، تلاشت كأثير حلم باهت. فجأةً، تحطّمت كل الأوهام؛ توّجت الكراهية نفسها ملكةً على الأطلال. ونحن، في غفلتنا المُميتة، لم نكن سوى دمىً راقصةٍ تحت وهمٍ كاذبٍ سميناه “تصالحًا”؛ بينما كنا نحتفل، منذ البدء، بخرابنا المحتوم.


صبرًا يا كبدي! غدًا، حين تذوي نِصال الغربان، وتُفنى جُموع الظلام، سترسو روحكَ على شاطئ سرت الزمردي. ذاكَ المعراجُ حيثُ غَزَلتَ وشاحَ البراءة من رُكامِ الثرى، وتَلاعبتَ بقطافِ الأعشابِ كأنها قُبلاتُ الفجرِ. أتذكرُ حُليمةَ اللحظاتِ الهاجعةِ هناك؟!
… لكنَّ سرتَ، يا بني، لم تعُدْ كما عرفتَ، ولا أنتَ. فقد ابتلعتْكَ طرقاتُ الغدرِ قبل أن تلتهم الأوجاع مدينتَكَ، ولم يبقَ إلا رُفاتُ ذكرياتكَ.


أربعة عشر عيدًا، وذاك الكرسيُّ الشاغرُ يرتلُ وحشةَ الغياب.
هنا في سرت، انسكبَ العيدُ كوهمٍ شاحبٍ.
باتَ كلُّ فجرٍ لهيبَ شوقٍ أزليٍّ.
كيفَ للبهجةِ أن تُطرِّزَ وشاحَها على روحٍ ذابلةٍ؟
عطشى لِلقاءٍ باتَ سرابًا؟
كلُّ زغرودةٍ تناهتْ، غدتْ نشيجًا خفيًّا في حنايا الضلوع.
كلُّ ضحكةٍ شقّتْ صمتَ الدار، كانتْ نصلًا يُمعنُ في جرحِ الصبرِ الغائر.
حتى رائحةُ الكعكِ، التي كانتْ بالأمسِ عطرَ الفردوس، صارتْ اليومَ أنفاسَ ذكرى مريرةٍ.
تهمسُ: “هنا كان، وهنا رحل، وهنا استبدَّ الفراغُ بملكوتِ الروح.”
يا نبضَ الروحِ المُعلّقِ في المجهول، يا وجعَ القلبِ الذي لا يندملُ!
أيُّ أرضٍ ابتلعتْ خُطاكَ؟
أيُّ سماءٍ حجبتْ سَناكَ؟
أيُّ أيادٍ اختطفتْ فجرَكَ، وألقتْ به في دهاليزِ الصمتِ العتيق؟
صوتُكَ صارَ صدىً بعيدًا، لا يبلغُ أسماعَنا. ومكانُكَ فراغٌ يلتهمُ كلَّ فرحٍ.
مُنذ ذاكَ الحين، العيدُ غربةٌ لا تُبارحُ الفؤاد.
الصخبُ ضجيجُ فراغٍ قاسٍ لا يُحتمل.
دموعُ الأملِ تتساقطُ على أرضٍ لم تُزهرْ قط.
لا يجيءُ العيدُ إلا مثقلًا بوجعِ العجزِ القاهر؛
موشومًا بأسئلةٍ تُطاردُ جفونًا لا تُغمضُ أبدًا.
هو كسلسلةٍ من أشباحٍ عبرَتْ صامتةً.
لا يحملُ إلا مرارةَ الانتظارِ الأزليِّ؛ لوعةَ الفقدِ التي تكوي الوجدانَ حتى النخاع.
لا فرحةَ تُولدُ.
لا بهجةَ تُشرقُ في دنيا غابتْ عنها شمسُ وجودِكَ الساطع.
متى تُشرقُ شمسُ حريتِكَ على وطنٍ تُنخرُ عظامُه بالنزيفِ المقيم؟
متى تُعانقُ الأرواحُ أرواحًا ظمئتْ حتى اليباسِ من طولِ الانتظار؟
وإلى أن تُزهرَ رياضُ حريتِكَ في أرضِنا المُثقلةِ بالوجع، سيبقى العيدُ مرثاةً أزليةً تُعزفُ على أوتارِ الحنينِ المُبكي حتى آخرِ نبض.


تفيض القلوبُ محبةً وخشوعًا في عيدِ الأضحى. دماءُ القربانِ تُزهرُ النفوسَ يقينًا، وتُضيءُ البصائرَ بنورِ الإيمانِ.


في غبار الذاكرة المتقادم، حيث تئن شجون الفقد الوجيعة تحت وطأة النسيان الغاشمة، وعدتك أن نخطو على دروب القبور الموحشة معًا، نعيد إلى رتج الأجداث رفيف الأرواح المعتق، وننثر على القبور ورود الحنين. لكن الأيام الجافية ألقت أثقال القدر، فإذا بي وحدي أقف على عتبة القبر الصماء، وقد كتب عليه: “رحل الواعد، وبقي الوعد اليتيم.”


دحمس الليل. اجتمعت جنازتان. سألت شابةٌ رجلًا عن المرأةِ العجوزِ في إحداهما. قال: “لم أعرفها، لكنني فقدتُ زوجتي في الحادثِ.”
قالت: “أنت زوجي.”
صاح: “أنتِ ميتةٌ، رأيتُ جثتكِ!”
نظرتْ إلى صورته في يده وأنطقت: “أنا أنتَ، النسخةُ التي لم تنجُ.” انهارَ. اكتشفَ أنهُ ميتٌ.


جلست متساندة الصمت، عيناها برقتان من الظلام. تلمعان كنجمتي ليل حالك. فجأة، تساقط شعرها الأسود كأوراق مبللة. دمعتان اندلقتا من عينيها، بينما كان صوتها يرقص كأنغام حزينة. تلاشت ملامح الحياة. ظهرت حقيقة الوجود في ابتسامتها الحزينة.


ليلة حالكة السواد احتضنت النجوم، تتلألأ كدموع الملائكة المتوهجة. فجأة، انقضت نجمة واحدة كشهاب ثاقب، لتشعل قنديلًا من الأمل في قلب امرأة تنتظر على أحر من الجمر. لكنها وجدت نفسها متقدة بلهيب توقعاتها الجامحة، كفراشة سقطت في أتون شغف لا يرحم.


على شرفة القصر الشامخة، وقفت الملكة تحاكي الشمس بابتسامتها المتوجة بالبهاء. لم تستبن أن الظلال كانت تتراقص بخبث، تحاكي خيانة متربصة في أعماق قلوب وزرائها المتكالبين. عندما التفتت، وجدت نفسها ملكة على عروش من رماد متناثر، وعرشها يتهاوى تحت وطأة الغدر المميت.


أمواج البحر الصاخبة عصفت، كقلب رجل تمور فيه أحزانه الغائرة. فجأة، انبثقت سمكة ذهبية تتلألأ كالجوهر، ناطقته بلسان ملهم: “ابحث عن كنزك الداخلي الدفين”. عندما غاص في لجة أعماقه السحيقة، وجد كنزًا من الندم المتراكم، كأطلال ماضٍ لم يُعالج.


غرفة العزلة الصامتة احتضنت الكاتب، يقاوم صمته الجاثم. فجأة، دلفت عليه قطة سوداء كالحبر الدامس، قالت له: “الكتابة ليست ملاذًا للهروب، بل مواجهة جريئة”. عندما رفع قلمه، وجد أن الكلمات كانت تنزف دمه الزكي، كجروح روح كُشفت على الملأ.


في كهف الصقيع، استسلمت روحي للزوال. دفنت أحلامي في عمق لا نهاية له. صرخت، لكن صمتي كان أشد صوتًا. تلاشيت في الظلمة، ولم يبقَ مني سوى ذكرى متجمدة. وفجأة، انفتح الكهف على ضحكة طفل صغير يكتشف هيكلي المتجمد.


اهتزت الروح في غياهب الظلمة، محتضنة صمت التراب وزمهرير الكفن. عبثًا حاول الصراخ؛ خانته الحنجرة المكلومة. لقد سبقه الموت، وبات القبر عرشًا أبديًا.


في أطياف منزل لم تطأه قدم، تجلت صورته. وشم تحته يمزق الفؤاد: “قبل مولدي”. أي أزل تراءى فيه وجهه؟ وأي كابوس نسج وجودًا لم يبدأ؟


مزق جوف الليل أنين طفله المفقود. هرع الوالد، وقلبه يتصدع رعبًا، ليجد المهد كهفًا باردًا. وما هي إلا هنيهة، حتى ارتجف الفضاء بصوت غائر: صوت دفن يبتلع الفراغ.


على صفحات مذكراته البالية، خطت أنامله المرتجفة آخر الكلمات: “لست بمجنون”. شهادة لروح معذبة، ترتعد بين حقيقة تتهاوى وهاوية من الجنون.


عند عتبة غرفة الطبيب النفسي، تجمدت الأوصال. قرأت العينان اللتان ارتاعتا نقشًا على الباب: “المريض رقم 13: أنا الطبيب”. فتهاوت الحجب، وانصهرت الحدود، وبات الوهم وحده حقيقة.


تتشابك الظلال مع همهمات الذكريات في غياهب الليل، ترفرف روحي كطير قريح يبحث عن موطن الدفء في ثنايا الذاكرة المكللة بالوجد. لكن لا شيء سوى الصدى يجيب، ويظل الدفء حلمًا بعيدًا.


تتساقط الذكريات كمنثور أوراق الخريف الذابلة بين طيات الغياب، وتظل روحي عالقة على أغصان الألم، تستشرف عودة الريح المحملة بالصبابة. لكن الريح لا تحمل سوى بقايا النسيان، وتذرو ما تبقى من رجاء.


مدادًا في ليلة مدلهمة غائمة، أضيع في دياجير الوحدة، وأبحث عن بارقة نور في عينيك، كمن يستقصي نجمة في سماء حالكة. ويظل الليل يلفني، فلا نجمة تظهر ولا بارقة تلوح.


أمواج العدم العاتية تتلاطم على شواطئ الذاكرة، وتطفو ذكرياتنا كقوارب مهجورة، تستجدي مرافئ الحنين المفقودة. فلا ترسو إلا على شاطئ الصمت، حيث تبتلعها رمال النسيان.


سواد الظلمة يلفني، أنتظر شروق الشمس. وعندما تنبثق، أجدني قد أصبحت روحًا مظللة، أبحث عن الحياة في عينيك، كمن يتلمس قطرة ماء في صحراء قاحلة مجدبة. وعلى الرغم من الشروق، يظل ظلي يلاحقني، ويروي قصة عطشي الذي لا ينتهي.


عُشٌّ بُنيَ بفيضٍ من الشغفِ، تمنّتْ فيه العصفورةُ دوامَ الألفةِ. بعثرَ عصفُ الرياحِ عصافيرَها، تاركًا العُشَّ الفارغَ يَئِنُّ بلوعةِ الفقدِ.


حاولتِ البذرةُ اختراقَ صخورِ الأسفلتِ، فأزهرتْ وردةً ضئيلةً. ذبلتْ سريعًا في غمرةِ وحدتِها الموحشةِ.


عبرَ غرفةٍ خَبَتْ فيها أصداءُ الألفةِ، تلاشتْ ضحكاتٌ، مبتلعةً أنينَ بكاءٍ ينفطرُ له الفؤادُ.


ظلَّ البابُ مواربًا على بصيصِ أملٍ. وعند إيابِه، وجدَ مفتاحًا عتيقًا أغلقَ سُبُلَ الرجوعِ إلى الأبدِ.


تراءى محيا طفلٍ بِكْرٍ في مرآةٍ، ثم انقلبَ المشهدُ لوجهِ شيخٍ هَرِمٍ، نُحِتتْ عليه تجاعيدُ الدهرِ.


وسطَ صخبِ الحواضرِ، صمتتْ ساعةٌ واحدةٌ؛ لتوقظَ إحساسًا مفاجئًا بتوقفِ عقاربِ الزمنِ.


أُلقيتْ رسالةٌ في لُججِ البحرِ، حالمةً بشطآنٍ قصيّةٍ. علِقَتْ في كثبانِ الرمالِ المتاخمةِ.


تمنى النجمُ السامقُ أن يضيءَ الأرضَ ببَهائهِ. هوى من كبدِ السماءِ، واحترقَ بلحظةٍ؛ ليختفيَ في الخضمِّ الأسودِ.


رافقهُ ظلٌّ غريبٌ في كلِّ خطوةٍ. امتدَّ وتطاولَ كالقدرِ، تاركًا صاحبهُ وحدَهُ في وضحِ النهارِ.


ارتوت وردةُ العمرِ سنينَ غَدَقٍ، متوهّمةً البقاءَ. لكنّها هوتْ في غياهبِ الفناءِ لحظةً؛ أقربَ إليها من ماءِ الحياةِ.


سقطتْ قطرةُ مطرٍ على صحراءَ جَدْباءَ. ابتسمتِ الأرضُ برهةً، ثم ابتلعتها الرمالُ، وعادتْ لظمئها.


ابتلع الظل النور. علت كلمة الظلم. صمت الجميع. فكان الطاغية هو الحقيقة الوحيدة.


تشبث الجبار بالسلطة. انهارت المدينة تحت وطأة الطغيان. انفجر الشعب بالبكاء.


اُضرِمتْ شرارةُ السخطِ، انهمرتْ حممُ الثورةِ. اِهتزتْ الأرضُ، اِنبترَ الطغاةُ.


تآمرت الأقنعة؛ عَوَّرت عَوراتها.


تأجج الظلم؛ خمدت الرحمة.


تحصن بجهله؛ انهار عرشه.


سكن الإدراك؛ نطق الصمت.


ماتت في عينيه؛ نطقت قبله الدموع… ثم ابتسم.

***اللوحة للفنان المغربي لحسن أوبزي

شاهد أيضاً

الرواجفة يعاين شعرية النسق الروائي

عمّان- يقدم د.ليث الرواجفة في كتابه “شعرية النسق الروائي” قراءة نقدية معمّقة في علاقة السرد …

تعليق واحد

  1. حسين بن قرين درمشاكي

    وافر الامتنان وغامر الود لسخاء النشر وبهاء التوثيق..دمتم منارة للإبداع وعنوانًا للتميز..

اترك رد