قراءة في ديوان “مراثي القمر” 

عبد الغني أيت بن ادرى| المغرب

          تستمد التجربة الفنية في ديوان مراثي القمر  بواعثها ونسغها من صلب عالم التصوف، وتستجيب لنداءات الواقع المتأزم للشاعر المكلوم؛ إذ نجده يسيح في حياض الخيال الصوفي كلما اكتوي بأتون نيران الواقع المغترب. وسنسعى للقبض على السراب الملازم لصورة “الحلاج/ الولي” في المنظر السادس (متاهات الحلاج … سيد العارفين) من أجل إبراز فرادة السمات والتحولات التي وسمها بها الشاعر، ومن تم استخلاص مكامن شعرية التصوف فيه.

يقع المنظر السادس (متاهات الحلاج: سيد العارفين) في الجزء الأخير من الديوان، ويحتجن خمسة قصائد هي: الكرامات، جاهدي يا نفس، أتسمعني؟، عهد الجهل، هكذا حدثني يسوع.

ويتجلى من العناوين أن النفس الصوفي ميسم المنظر، ابتداء بعنوانه، الذي يحتفي بالصوفي الجندي الحسين بن منصور الملقب بالحلاج، مرورا بالعناوين : الكرامات، وجاهدي يا نفس.

إن القارئ المتمعن في لغة القصائد، والمحاور لبعض رموزها يدرك أنها تجليات لمواضيع الشعر الصوفي المختلفة ( الشكوى، الخوف، الورع، المحبة، العشق…) . فـ -القصيدة الأولى- الكرامات تصور شاعرا مغتربا في قشب ولي تعس فقير، أنهكته مآسي وهزائم الواقع، لكنه لم يستسلم، وإنما آمن أن “الكرامات للأولياء” فسعى حثيثا آملا بلوغها، وهاجر وهو يتمتم:    

ملتحفا رداء الولي التعس

سافرت

هجرت القرى، والناس ومددت يدي

إليكم كي تمدوا أيديكم

بلا أثر

وتكررت لفظة الولي في القصيدة ثماني مرات، حتى أنهك من مشاق السفر، ليدعو رفافة:

وليستريح الولي صاحب الكرامة

المنعم بالندامة

فوف عباءته المسوح

ولما تنبه الشاعر ركون النفس للراحة، دعاها مناديا – في القصيدة الثانية-  جاهدي يا نفس، حينما أوقظ بوخزة ضمير ذكرته بحادثة الحلاج، ويستحضر يوم أحد مطلا علينا في زي المتصوف العابد:

بين الجبال

يوم أحد

في معركة

القتال

وتارة أخرى في سلو العاشق:

إن الحبيب

جلو المعاشر

في إسار

وبين صليل السيوف بين العابد والعاشق، وانغراز  رماح العشق في قلوب المألوه، تخطر للشاعر صورة الحلاج مكلوما في جبينه مأسورا، يحكي لسان حاله:

العين تبصر من تهوى وتفقده == وناظر القلب لا يخلو من النظر

إن كان ليس معي والذكر منه معي == يراه وإن قد غاب عن بصري

ويخال الشاعر نفسه أمامه، وهما ينشدان في زمن واحد ومكانين مختلفين :

قلوب العاشقين لها عيون == ترى ما لا يراه الناظرون

وحينما لا تخمد النار الملتهبة في النفس المأسورة، ينادي الشاعر في القصيدة الثالثة مناجيا الولي المختفي في نفسه:

أتسمعني

ياولي

يا من رقدت… هنا

في مضجعك

قبر الزائرين

أتسمعني

يا ولي

التعساء

البؤساء

المرتحلين

إذ نجد الشاعر يخاطب شبحا لا يصغي إليه، فيدرك متأسفا، أنه في عهد الجهل –القصيدة الرابعة- يلفى فيه الولي:

مضجرا كان

وكان الولي يحمل اسما واحدا

يأخذ من الراحة… من النوم

قسطا وافرا

لقد استكان للراحة، واستلم لواقع الجهل حتى تسرب اليأس لنفس مريديه، وقام إليهم مجهدا ليحدثتهم حكاية أخيرة هي: هكذا حدثني يسوع –القصيدة الخامسة- متمردا على صفات الأولياء:

أنا شيخ المارقين

هكذا حدثنا

ويردف قائلا:

معذرة أنا عرفت الشيطان

جالسته

وأخذت عنه الأمنيات

وطريقته في التفكير

نادمته

ناديته

فلا تأخذوا عني شيئا

ولا تسمعوا عني شيئا.

هكذا ساير الشيطان أمانيا وتفكيرا، باستدعاء عيسى وقصة الصلب، لإبراز مآسي الولي الحلاج.

مما سبق أمكننا تلمس التوظيف المتميز لصورة الولي، وشعرية التصوف، في الرحلة التي قطعتها شخصية الولي في قصائد المنظر الأخير، عبر التحولات التالية:

  • الولي التعس
  • الولي المهاجر لسد الفاقة
  • الولي المغترب في زمن الجهل
  • الولي الآمل في الكرامة
  • الولي التائه
  • الولي المرشد للمحتاجين
  • الولي صاحب الكرامة (تحقيق الرؤيا)
  • الولي الغاوي
  • الولي الشاعر

نستنتج مما سبق أن الشاعر في  منظر سيد العارفين، من ديوان “مراثي القمر” وظف قناع الحلاج –كغيره من الرواد السابقين كعبد الوهاب البياتي، وصلاح عبد الصبور-. وتمكن أن يفعل بنا ما صنعه به الحلاج.

ما حيلة العبد والأقدار جارية == عليه في كل حال، أيها الرائي؟

ألقاه في اليم مكتوفا، وقال له == إياك، إياك أن تبتل بالماء؟

الكلمات المفاتيح: الشعرية، التصوف، الشعر الصوفي.

شاهد أيضاً

الرواجفة يعاين شعرية النسق الروائي

عمّان- يقدم د.ليث الرواجفة في كتابه “شعرية النسق الروائي” قراءة نقدية معمّقة في علاقة السرد …

اترك رد