تكاسل الشباب وهجْر الكتاب في ظل هيمنة التكنلوجيا

كان لي حوار شيق مع كاتب مغربي، أبان عن علو كعبه من خلال مولوده الروائي الذي حمل اسم “هواجس الضياع”.

كاتب استقبلني وأسئلتي بعطف وصدر رحب، في سبيل الغوص في حياته الأدبية، والتشرب من جميل تجاربه.

طبعا الحديث كله عن الكاتب “الحسين أيت بها”.

_ في البداية، أود أن أشكرك عزيزي عثمان، على هذا الاهتمام، وانا أشجعك على المواصلة في هذا المجال.

الاسم: الحسين ايت بها من مواليد مدينة زاكورة سنة 1990، ولدت بقرية بني زولي وأتممت فيها دراستي الثانوية، ثم التحقت بكلية الآداب، جامعة القاضي عياض بمدينة مراكش، حصلت فيها على الإجازة في الادب العربي، فالإجازة المهنية من المدرسة العليا للأساتذة الرباط. واشتغل الآن أستاذا للتعليم الثانوي التأهيلي، لمادة اللغة العربية منذ ثلاث سنوات.

-يمكن لي أن أقول لك بأن “هواجس الضياع” انطلقت من تجارب مأساوية، وهي بالأساس تهم مجانين القرية، غير أن مخيلتي حملت هي الاخرى جنونا مضاعفا، لكنه جنون الوحدة والحزن والكآبة، فأسئلة الوجود التي طرحت في هذه الرواية همت بالأساس الجانب الميت فينا، الذي يحمل كل معاني الضياع، لذلك يمكن القول بأن تيمة الضياع والتيه هي التي لخصت كل معاني الرواية، كما أن شخصية “الهداوي”، بطل الرواية فهم واقعه بشكل مبالغ فيه مما عرضه للتلف والضياع والتيه، فخلق لنا جوا مشحونا انعكس على فصول الرواية.

_ بالفعل فالنزعة الفلسفية كانت حاضرة في الرواية، والسبب هو أنني كنت أفكر منذ سنوات في كتابة رواية تعبر عن مأساتنا نحن أبناء الجنوب، وكذلك قصة مجنون أثر في وجعلني أبكي لأجله، فطبع طفولتي، التي تحمل عنوان الضياع والاستيلاب، ومما ساعدني على ذلك قراءتي العميقة لمؤلفات الفلاسفة، وخصوصا رواد الفلسفة الوجودية كسارتر، واليونانية كأرسطو، ومؤلفات محمد عابد الجابري وغيره، غير أنني اكتشفت بالصدفة فيلسوفا كبيرا جعلني أعيد تشكيل العالم من منظوره، هو فريدريك نيتشه، هذا الفيلسوف ساعدتني أفكاره كثيرا في كتابة الرواية، ذلك أنني اعتمدت على بعض أفكاره في إبراز شخصية “الهداوي” المتمردة والمتكبرة.

نيتشه فيلسوف عظيم يبحث عن ما وراء الحقيقة، فيصطلي بنار الحقيقة لينير الآخرين.

-كنت أتمرن على الكتابة منذ ثلاث سنوات، فاكتب بعض الفقرات والعبارات وأحتفظ بها، لكن هذه السنة حينما عدت إلى بلدتي حضرتي ذلك الحنين، فجمعت تلك العبارات؛ والتي شكلت شذرات للبداية، ثم بدأت الكتابة، لكن الفصل الأول لم يكتب له النجاح فقمت بتمزيق صفحاته، كنت أكتب آنذاك سيرة ذاتية، فتعذبت في ذلك كثيرا، لكن سرعان ما عدت للكتابة من جديد وقد ساعدني عامل نقد النصوص الأدبية في ذلك، فقد تمكنت من التعرف على عدة أساليب، ثم بدأت تكبر الفصول وتزداد، حينما اطلع اخي عليها نصحني بنشرها، وبعض الأصدقاء والروائيين كانوا ايضا يعطونني ملاحظات ساعدت الرواية على الاكتمال، بعد ذلك أرسلتها لصديقي الشاعر “نور الدين الوادي” الذي أعجب بها ووافق على نشرها.

-لا لم أفضل نشرها في دار أجنبية، وقد سبق وأرسلتها لإحدى دور النشر في المغرب، لكن صاحبها مشغول وكثير السفر، فاضطررت إلى ارسالها لدار الدراويش للنشر بعد الإذن منه، ما يعجبني في دار الدراويش هو هذه الأغلفة الجميلة والتي تتميز ألوانها بالثراء، وتتراوح بين الأسود والأبيض، وقد ذلل الصديق نور الدين الوادي مصمم الغلاف كل الصعوبات، وقد عثرنا على لوحة الغلاف؛ رجل الأهوار الجنوبي للفنان إحسان جيزاني، معا، فكان ذوقنا متشابها في أنها تصلح لدلالة العنوان.

-قرات للعديد من الأدباء العرب، خصوصا الرواد مثل نجيب محفوظ، طه حسين، وعباس محمود العقاد ويحيى حقي، في المغرب عبد الجبار السحيمي، ومحمد برادة وعبد الفتاح كيليطو، ومحمد عابد الجابري وعبد الله العروي، فتأثرت بنظرتهم النقدية والفكرية واعتدالهم في تناول قضايا الأدب، وهمومه، أما بالنسبة للروائيين الحداثيين فقد قرأت للكثير، لكنني تأثرت بروايات الأستاذ عبد الكريم جويطي، وهي ذات نفس سردي ممتع، وقد أنجزت حول كتاباته مقالات جيدة نشرت في الاتحاد الاشتراكي.

-في الحقيقة أنا لا أقف على كتاب معين، فقد كانت لي تجربة طويلة مع الكتب، لقد أمضيت أربع سنوات في الكلية وأنا معتكف في الخزانة والمكتبات، فقرأت الكثير من الكتب في مختلف المجالات؛ الفكر، اللغة، الادب والنقد والفلسفة والتصوف؛ لكن كتاب: قصة الفلسفة لوولديورانت أثر في كثيرا، فقد أشبع ميولاته الفكرية والفلسفية، وجعلني أعيد قراءة العالم بشكل مختلف.

 ـــــــــــ الالتزام بقضايا المجتمع هو رهاننا، فنحن نعيش في مجتمع يعاني فكريا وإنسانيا، ونحن امتداد لهذه المعاناة، وقد حضرت في روايتي تيمة الجنون، وهي قضية مجتمع؛ غير أنني أنطلق من ذاتي ومن الذاكرة والتاريخ لسرد الأحداث التي كونت مواضيع روايتي.

-صورة الغلاف هي لوحة للفنان العالمي “إحسان جيزاني”، وهي صورة ملتقطة في بلاد الأهوار العراق، للرجل الطيب الذي ينتمي للقديم، عليه خطوط تجاعيد أرض الأهوار العراقية، هذه الصورة تشبه كثيرا شخصيتي “الهداوي” المجنون ابن القرية المطرود، والذي جعل الجميع يدفع الثمن.

-هذه الرواية نالت استحسان الجميع من الناحية الأسلوبية، لكاتب شاب متمرس في الكتابة يكتب بقلبه قبل قلمه، “نوميديا” هي رواية خيالية تعشش في ذهن الكاتب، لتتحدث عن سيرة “مراد” الوعل واللقيط، وتتساءل عن أسباب وجوده، فتكون الرواية عبارة عن متنفس للبطل الذي يحكي قصته “لنوميديا”، الأمازيغية الخرساء، والحقيقة أنني معجب بالرواية وهذا الغموض الذي يلف موضوعها، هي رواية متميزة ورفيعة المستوى.

-في الحقيقة منذ دخولنا في رهان العولمة أصبح الكتاب خارج دائرة اهتمامنا، فالتكنولوجيا جعلت من الشباب مجرد مستقبل كسول، عاجز عن بذل المجهود، فضعف الاهتمام بالكتاب، وتدني مستوى التعليم بالمغرب، وفشل التربية، إلى غير ذلك…

قربنا من أعمالك الأدبية المرتقب صدورها مستقبلا؟

-في الحقيقة لدي أفكار كثيرة، تتراوح بين كتاب نقدي لمجموعة مقالات. ومجموعة قصصية اشتغلت عليها، بالموازاة مع “هواجس الضياع”؛ لم يتسنى لي نشرها، وكذلك رواية تاريخية ما زلت أعمل عليها بحول الله. كل هذه الكتابات تنتظر الوقت المناسب لتخرج للوجود إن شاء الله، بعضها سينشر في المغرب بحول الله.

شاهد أيضاً

الرواجفة يعاين شعرية النسق الروائي

عمّان- يقدم د.ليث الرواجفة في كتابه “شعرية النسق الروائي” قراءة نقدية معمّقة في علاقة السرد …

اترك رد