الموتى لا يحبُّون السّكر

أحمد الشيخاوي | المغرب

[انسكب أيها الشعر نبيذا يأخذني/نا إلى مدارج لذة مركبة لا تقاوم.
اهجر صمتك، رغم حكمته الغميسة،
وكرر الإنشاد
ليرحل الجسد إلى أراضي أقصى درجات الشهوة…].

ويصدق عن الشعر أنّه بصورة أو بأخرى، مجرّد انسكاب مضاد لتيار المألوف في الذات والحياة.
طفرة مسعفة في النّزوع صوب الأفضل، ولعنة نلج عوالمها المفخّخة بأحاجي الجسد والموت، وليس يثقلنا سوى ظمأ الجوارح إلى الحقيقة والجمال والنور.
إن المتتبّع لصيرورة القصيدة المغربية على نحو خاص، والعربية إجمالا، لا يمكنه إلاّ أن يعرّج على التّجارب الألمعية الأكثر رسوخا ومشاكسة وتوبيخا لكل ما يقف وينتصب معارضا لفكرة العبور إلى ضفة المنفلت والمنكسر والهامشي والهش،بغية استنساخ غير مكرور، وصياغات جديدة وجريئة للذات والكونية.
هؤلاء الأعلام قلّة بالتأكيد، يعزب حصر أدبياتهم في بضع أسطر من مقال، نكتفي هاهنا ونستشهد على جودهم المُرسل في تنوير الأذهان وصقل وإذكاء ذائقة التّجاوز، لنجرد البعض من جوانب سيرة رجل آثر أن يظلّ وفيا للغصن المذكور في بلورة خواطر محاصرة الإشكالية الإنسانية والوجودية على حدّ سواء.
هو قامة خجولة جدا، لا تلسع سوى في الظلّ ،ظلّ الكتابة وسرابها المغري الذي على الدوام، يترك للبصيرة مجالات فائضة التأويل، فيما يتعلّق بكون الباقي ظلالا هاربة، وأسرارا تنطوي عليها جدلية الجسْدنة والفناء.
حين خطّ الشاعر المغربي بوجمعة أشفري، باكورة مجاميعه ” أرنبُ الغابة السوداء” سنة2000،لم يطمح لشيء أكثر قيمة من طموح إيقاظ الوحش الجاثم في أدغال الإنسان العربي المقهور،ليثبت عبر مطاردة رؤى تضجّ انتفاضا وثورية وتفجيرا للكبت، إلى أيّ مدى العزلة الإبداعية يفترض أنّ صلاحيتها انفرطت، فهي لم تعد قادرة على مقاربة راهن الانشطار الذاتي وفيض الانكسارات المهول المغتال ، كلّ حين ، لفسائل النبل والآدمية فينا .بالتالي ، علينا قلب المنظومة، وتعطيل وازع أو سلاح الطّيبوبة فينا، إن نحن أردنا جادّين ، مجابهة عالم مسكون بحمى تقدّمية تسارعية ترجّح كفّة التقنية والهيمنة الآلية، وتضع فوق إنسانية الذات كلّ طموح هدّام وأنوية سقيمة.
أرنب مقابل غاب بقوانينه المتحجّرة المطبوعة بسوداوية هي من حياكة نشاز للطّغاة في حماقاتهم و ساديتهم، كيف يعقل هذا ؟ وأيّة معادلة هي تلك التي في حوزة هذا العربي المخذول؟

[ دائما
كلّما تهاطل المطر
على الدار البيضاء
ترتدي النواحل السواد
يكثر الرّكض
وتمتلئ العيون
بالاشتهاء…]

بعدها صمت مليا، وبقلب مفتوح تماما، قرابة أحد عشر عاما، كي يطالعنا بمولود جديد يحتفي بطاقة الكامن، ويتلمّظ معسول فلسفة تحرير الجسد من قيوده، ويفكّ عنه عقيدة البوم القشيبة المغرقة في تكريس ثقافة الكبت،والمُشرعنة لنواميس الاندساس في طمث المحرّم والممنوع.
كتابة صاعقة، قاصفة بالغرائبي، ومستحضرة للأرواح والموتى، استطاعت أن تثير جدلا واسعا في الأوساط المثقفة، وتطرح الدّسم الذي طالما افتقرت له مآدبنا الشعرية بخاصة.


” الموتى (لا) يحبون السّكر”.

[ رغبة غامضة تراودني لملاحقة المنفلت والعابر في لحظات السّكر والغواية.رغبة متوحشة تشبه هيجان وحيد القرن، تحاول أن ترسم ملامح بورتريهات عابرة تكره التّجسس عليها.
رغبة لا تطلب العقل بقدر ما تطلب الاندساس بين نهود المانيكانات وجميلات الشاشة الكبيرة.
رغبة تذهب للسهرات الليلية عارية من الأخلاق كي تلتهم الأجساد الراقصة دونما رحمة ولا شفقة.
رغبة تمتلك شراهة نمر وخفة غزال، لا تفتأ تحاصرني كلما دعوت امرأة أو دعتني هي لمعاشرتها.
الأجساد محشوة بالرغبات، فحذار من الخروج قبل ممارسة الالتهام.]

ومضت سنة لا أكثر، ليعاود الشاعر دغدغة الكبت فينا، عبر ديوانه الجاذب: جمهورية كاليغولا،كي يمنحنا حياة الاستئناس بطقوس تمرّد اللون في القصيدة، ويترع كؤوسنا المتوقفة على أولويات الاستثنائي والمغاير، ويطفئ شغفنا وينقع التطلّعات، في معسول أسلوبية فضح الأعياد الزائفة ،متكئا على ميكانيزمات قِناعية ناقلة للمعنى ضمن خارطة البكارة،من تجاعيد الإجحاف بحقّ الشاعر والقصيدة، إلى حيثيات الطّعن في تعاليم الجمهورية المزعومة كامتداد وصوليّ لمدينة أفلاطون ” الفاضلة”.
أخيرا وليس آخِرا ،توقيع ديوانه” ميتافيزيقيا تتسكع في خمّارة بدون سراويل”،ولسوف نسوق كالآتي نزرا من فصول الإصدار الواقع في 44 صفحة، الهيمنة فيها للمطوّلة المتغزّلة ثرثرة بذاكرة المكان ،وكمّ تجليات رموزه وكائناته بشقيّها: الحلمي والواقعي، مثلما تمليها سراديب عاصمة النور باريس.


[«هنا في خمارة «بدون سراويل» لا طريق إلى «لاسين» سوى رائحة إبط غجرية خارجة للتو من قبو حصن «لاباستي»،

وخاصرة باريسية لم يتمكن منها قاتل العطر «غرونوي»:
عطر المرأة موتها…»].

………………
[ يكاد الضوء لا يخفت، وعتبات خمارات زقاق «دولاب»، عند أول انعراج في شارع «لاروكيت» من جهة ساحة «لاباستي»، مشرعة على عيون يمتزج فيها النبيذ بأديم الرغبة].
………………
[ وخاصرة باريسية لم يتمكن منها قاتل العطر «غرونوي»:
عطر المرأة موتها…].

وإذن… هي كتابة صافية تستكنه بياضات السّحيق والغائر في الإنسان والعالم، بقدر ما تنأى في لبوسها الإيروتيكي عن أن تلوك الموروث المداعب لتفاصيل الجسد، أو تجترّه ،متفادية بذلك التنميق والكلفة، في إنتاج المواقف الفولاذية المنطلقة من وإلى ينابيع النرجسية المتصعلكة، المتصادية واشتراطات ومواصفات وحساسية جيل ما بعد قصيدة النثر.
تستنفذ المكوّن البصري، و تسافر في الزّمن، راعية للذات شرودها و يقظتها في آن،وتراوح في جغرافية المتاهة لاغتراب الرّوح،ما بين رواسب الذاكرة، واشتراطات الصوت الداخلي المغري بحتمية اجتراح دمغة غيبية، أو قفزة نوعية لصالح الإنسان والقصيدة والعالم.
بوجمعة أشفري..
للرجل عليّ دين، طالما تحيّنت فرصة الغوص في بحبوحة هذيانات مشروعه التعبيري الباذخ، المثمر نهدا لكل عاشق، وقصيدة لكل صعلوك نبيل.

بقلم مدير التحرير

شاهد أيضاً

حين تُسكبُ التجربة مع عصارة النرجسي

أحمد الشيخاوي| المغرب ما ينفكّ الشاعر المغربي محمد رشوقي، يسكُب من عصارة نرجسيته، في شريان …

اترك رد