اللسان الشعبي المغربي بين الأصالة والانحراف

العربي الحميدي| المغرب

تعيش اللغةُ المغربيةُ الدارجةُ اليوم مرحلةً دقيقةً من التحوّل السريع والمربِك. فمنذ مطلع الألفية الثالثة، ومع تمدّد الفضاء الرقمي ووسائل الإعلام غير المقنَّنة، دخلت إلى الدارجة المغربية موجةٌ من الألفاظ السوقية، والتعابير الغريبة، والمفردات المستوردة، ممّا أفقدها شيئًا فشيئًا صفاءَها الطبيعي وغِناها الرمزي والتعبيري.

ورغم خطورة هذه الظاهرة على الذوق العام، وعلى البنية الثقافية والاجتماعية للمجتمع المغربي، قلّما يلتفت إليها المثقفون والأدباء بالنقد أو التحليل، وكأنّ الأمر لا يعنيهم، أو كأنّ اللغة لم تعد جزءًا من مسؤوليتهم الأخلاقية والجمالية.

– اللغة صورةٌ للهوية

اللغة ليست مجرّد أداةٍ للتواصل، بل هي وعاءُ الوعي وصورةُ الوجدان الجمعي. والدارجة المغربية، في أصلها، ليست لهجةً فقيرة كما يُروَّج، بل هي مزيجٌ فريد من العربية والأمازيغية والأندلسية، شكّل عبر قرونٍ لغةَ حياةٍ وتعبيرٍ وإبداعٍ شفهيٍّ غنيٍّ بالمجاز والحكمة.

لكن مع التحوّلات الاجتماعية والاقتصادية الأخيرة، خاصةً بعد انفتاح المغرب على اقتصاد السوق والاستهلاك، بدأت اللغة تتغيّر تبعًا لتغيّر منظومة القيم، فتحوّلت من وعاءٍ للمعنى إلى وسيلةٍ للتفريغ اللفظي عند البعض، ومن لغةٍ وجدانيةٍ إلى لغةٍ سطحية.

– مظاهر التدهور اللغوي

يمكن رصدُ عدّةِ مستوياتٍ لهذا التدهور:

1. السوقيّة اللفظية: شيوعُ كلماتٍ نابيةٍ أو مبتذلةٍ في الخطاب اليومي، خصوصًا بين فئة الشباب ومرتادي وسائل التواصل الاجتماعي، حيث يُنظر إلى “اللغة النظيفة” بوصفها تكلّفًا تجاوزه الزمن.

2. الضحالة التركيبية: تفكّكُ الجمل وتراجُعُ التراكيب الأصيلة التي كانت تميّز اللغة الشفوية المغربية، مثل الأمثال والتعابير البلاغية التي تحمل حكمةً وتجربة.

3. الابتذال الإعلامي: أصبح الإعلام، وخاصة المنصّات الرقمية، يُكرّس هذه الانزياحات اللغوية في برامج الترفيه والفكاهة بحجّة “التقرّب من الجمهور”، ممّا عمّق الأزمة بدل الحدّ منها.

بقلم رئيس التحرير

***اللوحة عن موقع زمان ــ زمان

شاهد أيضاً

أمام جيل يرفض الطفل الأبوي

العربي الحميدي| المغرب  قراءة في تحولات الوعي والهوية عبر الأجيال تتردّد في أحاديث الشباب المعاصر …

اترك رد