العربي الحميدي| المغرب

في حدائق السرد، حيث لا تستقر الأجناس الأدبية على هيئة واحدة، يتقدّم مصطفى لغتيري كاتبًا يسير على حواف الزئبق، حاملاً قلمه نحو مناطق لا يحرسها يقين، ولا تحدّها قواعد صارمة. إنه ليس قاصًا بالمفهوم التقليدي الضيق، ولا روائيًا مأسورًا ببنية السرد الكلاسيكي، ولا شاعرًا يرتدي معطف القصيدة. بل هو كل ذلك معًا. يكتب كما لو أنه يحلم، ويحلم كما لو أن اللغة جسد يتشكّل من حروف الحكاية ونبض المعنى.
منذ مجموعاته القصصية الأولى، بدا لغتيري مخلصًا لاختياراته، غير مهادن في رؤيته الفنية. يتوغّل في التفاصيل الصغيرة، كمن ينقّب في رماد الحياة عن شرارة تضيء العتمة. شخوصه لا يشبهون أبطال الرواية التقليدية، بل هم كائنات متعبة، تجرّ أقدامها في دروب الخيبة، وتحتمي أحيانًا بحلم هشّ أو بارقة أمل. من زوايا الحياة المهملة، تلك التي لا تلتقطها الكاميرات، يستخرج لغتيري نبض الحكاية ويزرعه في قلب نصّه المكثّف، القصير والمُحمّل بالمعنى.
لكنّ القصة القصيرة لم تكن له قيدًا، بل كانت بوابة عبور نحو الرواية. لم ينتقل إليها كتحوّل طبيعي، بل كقفزة في المجهول. في أعماله الروائية، يختلط الواقعي بالمتخيل، وتتحرر اللغة من خطّيتها، فتنساب بين الأزمنة كأنها نهر لا يعترف بحدود. السرد لديه لا يسير في خط مستقيم، بل يتعرّج ويتشعب، كأنّ كل حكاية تنجب أخرى. في رواية رغبات متوحشة، تكشف الحياة عن جسدها السري، عن رغباتها الطافحة من تحت ستار الحظر، فتغدو الرواية مرآة لما لا يُقال، وصرخة في وجه الحقيقة.
وما بين القصة والرواية، لا ينقطع خيط الشعر. إنه ليس زائرًا عابرًا في بيت لغتيري السردي، بل ساكنٌ دائم، يشارك في كتابة المشهد، ويمنح اللغة بريقها. الجملة لديه لا تُقال لمجرد أن تُقال، بل لتكشف شيئًا من الداخل. الشعرية عنده ليست زخرفًا لغويًا، بل طريقة في النظر إلى العالم؛ أن ترى الإنسان كما لو كان سؤالًا، وأن تُصغي إلى الزمن كما لو كان أنينًا، وأن تكتب كما لو أن الحرف خلاصٌ مؤقت من الجراح.
لا يكتب لغتيري نصًا صافياً، ولا يؤمن بنقاء الأجناس الأدبية، بل يُعيد تركيب المشهد السردي عبر خلط الأصوات وكسر الإيقاع. القصة لديه قد تنمو لتصير رواية، والرواية تتقطّر لتغدو قصيدة، واللغة تنصهر لتولد من جديد، في شكل لا اسم له. ولعلّ هذه “الهجنة” هي ما يمنح تجربته نكهتها الخاصة، حيث لا ندري هل نقرأ قصة أم نشهق لرواية، أو نتأمل قصيدة.
في هذا السياق، تُطرح المرأة كتيمة كبرى في عالمه الكتابي. لكنها لا تُروى من الخارج، بل تُستحضر من عمق كينونتها، من وجعها الخفي، من انكساراتها اليومية، ومن قُبلتها المؤجلة على شفاه الحرية. هي ليست مجرد جسد، بل كينونة، سؤال، وجرح مفتوح. إنها الحلم المستحيل، والألم المكتوب بأصابع مرتعشة.
الكتابة عند مصطفى لغتيري ليست حِرفة، بل عبور واختبار وكشف. كل نص يكتبه هو محاولة لفهم ما استعصى فهمه، أو لتسمية ما لم يُسمّ بعد. ربما يكتب لأنه يرى العالم ناقصًا، ولأن اللغة، رغم عجزها، تملك قدرةً سحرية على ترميم هذا النقص، ولو بجملة تمشي على حافة الجنون.
هل يمكن الإمساك بمفتاح هذا العالم السردي المتشظي؟ ربما لا. وربما في هذا اللايقين يكمن سره، في أن يبقى مفتوحًا على الاحتمال، على الغواية، وعلى الحلم الذي لا يكتمل.
عناقيد عناقيد، موقع ثقافي فكري جامع مستقل.