سائده البوريني| الأردن

الخيانة ليست نزوةً عابرة ولا لحظةَ ضعفٍ عاديّة، بل هي شرخٌ في الروح، ومرآة مشروخة تعكس داخِل صاحبها أكثر ممّا تكشف عن غيره.
يبحث الخائن عن مبرراتٍ يكسو بها عُريه، فيعلّق فعلته على مشجب الإهمال: لم أجد من يهتمّ بي، فذهبت أفتّش عن الاهتمام في مكان آخر. كأنّ الحب صفقة، والوفاء سلعة تُشترى.
غير أنّ السبب الأعمق يكمُن في عُقدة النقص. فالذي لا يرى نفسه كافيًا يتخبّط في دوّامةٍ من ضعف الثقة، فيمدّ يده إلى السراب علّه يملأ خواءه الداخلي. وما إن تكون المرأة أرفع منه قدرًا في العلم أو الفكر أو المكانة أو الجمال، حتى ينقلب ضعفه إلى سُعار _ لماذا تبقى معي برغم عيوبي؟
وبدل أن يرى وفاءها كرامةً له، يرى فيه لغزًا مريبًا لا بدّ أنّها تخفي سرًّا، لا بدّ أنّها تخون كما أخون.
هنا تبدأ الشياطينُ تنسج خيوطها في رأسه، فتتبدّل صورتها الطاهرة إلى وهمٍ ملوث، ويتحوّل عَطاؤها إلى تهمة، ووفاؤها إلى مؤامرة. وما هو إلا إسقاطٌ نفسي يرمي ما في داخله من دنسٍ على أطهر من حوله، علّه يخفّف وطأة الذنب عن نفسه.
فالخيانة ليست دائمًا خطيئة عابرة، بل قد تكون مرضًا مقيمًا أو نزيفًا أخلاقيًّا في روحٍ مريضة لا تعرف معنى المسؤولية. والفرق بين الخيانة كزلة، والخيانة كمرض كالفرق بين غيمةٍ عابرة وعاصفةٍ لا تنقضي. الأولى قد تُغفر، أما الثانية فهي انحدارٌ لا خلاص منه.
باختصار، الخيانة لا تعكس عجز الشريك البريء، بل سقوط الخائن نفسه. هي ليست جرحًا في قلب الآخر بقدر ما هي شهادة على خواء قلب صاحبها. فالوفيّ يرفع من قدر من يحب أما الخائن فلا يرى إلا قذارته في وجوه الأبرياء.
عناقيد عناقيد، موقع ثقافي فكري جامع مستقل.