خاص بــــ عناقيد: ذاكرة تاريخية مشتركة: المغرب وإفريقيا جنوب الصحراء(من القرن الحادي عشر إلى القرن العشرين)
عبد الرحمن نكايدي | المغرب

نادرا ما يُنظر إلى المغرب(Maroc) و”المغارب” (Maghreb) في بعدها الإفريقي؛ ذلك أن المغرب لا يوجد إلا بالنسبة إلى المشرق وبه، كما يقال، لأن” العرب يهيمنون على الحقل التاريخي لهذه المنطقة منذ الإسلام و”الفتح العربي” الذي شكّل أداته.وسيبتدئ هذا البناء مع الحقبة الاستعمارية التي شهدت تطور العلوم المخصصة للأهالي، وهي علوم مختصة حسب حقول الدراسات والأبحاث التي جزأت الميدان”.{1}
قليل من الإبستمولوجيا{2}.
كتب عبد المجيد القدوري في مقال صدر له في1995: “من بين مائة وعشرون شهادة أو أطروحة تناقش بكلية الآداب بالرباط، هناك خمس دراسات تهم العلاقات بين المغرب وإفريقيا السوداء بشكل عام”{3}. وليس بإمكاني أن أعرف بالضبط كم عدد الدراسات الأكاديمية التي أنجزت في جامعات غرب إفريقيا{4}؛ غير أن ملاحظة عبد المجيد قدوري هذه تكشف عما ينبغي القيام به في مجال البحث في سبيل معرفة أفضل للعلاقات بين المملكة الشريفة(المغارب) بشكل عام وباقي بلدان إفريقيا. لقد ثبت أن العرب بصفة عامة والمغاربة على وجه الخصوص قد عبروا بقوة عن رغبتهم في الوصول إلى ما وراء الصحراء، لا لأسباب اقتصادية فحسب بل لأسباب سياسية واجتماعية أيضا؛ فما وراء الحروب يتعلق الأمر بتاريخ يبنى وعلاقات تنسج ومجموعات بشرية تختلط.
تتقاسم بلدان المغارب مع إفريقيا جنوب الصحراء تاريخا ليس معروفا بما فيه الكفاية، نظرا لندرة الأبحات الكفيلة بأن تمكننا من فهم مختلف الميول التي عرفتها العلاقات بين ضفتي القارة لعدة قرون(إن جاز لنا الحديث عن ضفتين.’). هذا في الوقت الذي تستمر الضفتان في ربط علاقات اجتماعية تاريخية لا يرقى إليها الشك؛ فما وراء القيم الإسلامية المشتركة هناك العديد من الأسر التي استقرّت “بضفتي” الصحراء مفنّدة بذلك فكرة الأرض القاحلة الموحشة المتعذر عبورها؛ وإن تاريخ العلاقات بين المغرب وجزء من القارة الإفريقية يجعل من فكرة”ضعف” العلاقة بين العالمين فكرة باطلة.
أود بادئ ذي بدء أن أعود إلى مسألة أثيرت في هذه الندوة التي مكّنت من تسليط النور على قضايا إبستيمولوجية مهمة يطرح في صلبها السؤال عن دور المؤرخ، لا بصدد اختيار مصادره ومعالجتها فحسب، بل ايضا حول تصحيح هذه المصادر وإرجاعها للفاعلين الذين” ينتج” لهم عمله العلمي{5}. وهكذا يطرح السؤال النظير دوما: لمن نكتب وعلى أي مشروعية نرتكز وعلى أي أساس وثائقي ننتج التاريخ؟ لقد أثار أعضاء المجتمع المدني الحاضرون في هذه الندوة مسألة” اخلاقية” تعترض طريق الباحثين في استعمال المصادر والوثائق التي يعيدون ــ انطلاقا منها ـــ إنتاج رؤى مبتذلة لتاريخهم، تلك الرؤى التي طالما غذتها الاثنولوجيا الكولونيالية.

بالفعل لقد لاحظوا وجود بون شاسع بين المقاربة” التاريخية” الحديثة التي تولي الأفضلية للمصادر الأوروبية المشوبة بصور نمطية حول المجتمعات الصحراوية من جهة والمصادر” الحقيقية” التي هي في حوزة الرواة والمحافظين على التقاليد.
إن ذلك يعني أن أعضاء المجتمع المدني في مقاربتهم لتاريخهم يفضلون الرجوع المنهجي إلى المصادر المحلية على حساب ما يعتبرونه منهجا يستلهم المخزون الوثائقي المصفف على رفوف” الخزانة الكولونيالية” التي تنزع إلى جعل واقعهم التاريخي مبهما. فهي في نظرهم تشوه الآليات الاجتماعية ,انماط التقسيم الترابي وكذلك تلك العلاقات المتعددة التي تربط القبائل الصحراوية ببيئتها. باختصار شديد، إنهم يريدون أن يبينوا أنهم لا يعترفون بتلك الصور النمطية العنيدة المبنية على التمييز والتي طالما شكلت شبكة للقراءة واعتبرت” حقيقة تاريخية”{6}. وهكذا يصبح من قبيل الضرورة الملحة وضع حد فاصل بين المقاربة الإيديولوجية للتاريخ ورسالته الاستكشافية التي تجعل خطابه مفهوما.
وإذا كان من نافلة القول إن هدف التاريخ هو عرض حصيلة الماضي الوطني، فإنه من الحكمة أن يؤخذ بعين الاعتبار تاريخ كل الأجزاء المكونة لبلد ما، وذلك ليحتفظ المجموع بديناميته وتماسكه الداخلي. بالنظر إلى تكوين الدول الإفريقية الديموغرافي والبيئي فإنها معرضة منذ القديم إلى محاولات تريد أن تجعل منها كلا متجانسا وتذيب تواريخها في تاريخ وطني يظل نموذجه السائد محتكرا من قبل السادة، بيتما تقع أحداث هامة على هوامش هذه الدول يجدر أخذها في الحسبان. إنه لأمر بالغ الأهمية أن يتم الإقلاع عن الإيديولوجيا الموحدة الأحادية التي تميل ــ من غير قصد ــ إلى محو الاختلافات والمسارات التي بنتها. إن تحليل التحولات الجارية في هوامش الدول{7} بشكل عام ينبغي أن يأخذ بعين الاعتبار الخصوصيات الممكن إدماجها في مجموع متماسك يمكن لأي إطار جغرافي أن يجد فيه ذاته كما يمكن لأي مواطن أن يعتبره جزء من ذاته.
إن التغيرات التي طرأت على بنيات المجتمعات تستجيب للأحداث التي تخترقها إفريقيا أفقيا وعموديا، وحتى إن بدا ذلك من قبيل المفارقات فإن هذين البعدين المكونين لتطور الهوامش الدولتية ملازمان لبناء الأمة، هذا الورش الذي يقض مضجع كل الدول الأوروبية منذ أن غادرها المعمرون. وبهذا المعنى يبدو لنا النقاش الذي أثير في اليوم الثاني من ندوة الداخلة ذا اهمية بالغة على المستوى الإبستمولوجي.
صحيح أن إرادة سياسية خفية تبدو في ردود أفعال هؤلاء وأولئك، وهذا أمر مفهوم. لكأن” الأقلية الذكية” من المجتمع تقبل على الفور عرض الدولة لتثرثر حول مصائبها بالذات. إنها في آخر المطاف لعبة” الفعل ورد الفعل، والسؤال والجواب، والهيمنة والتحاشي، كما أنها لعبة الصراع”{8} بكل المعاني الاسترتيجسة التي يكتسيها مصطلح الصراع.

إن الباحثين في العلوم الاجتماعية والسياسية يجدون أنفسهم أمام مآزق عدة لأنهم مضطرون إلى البحث عن وثائق أخرى غير تلك الوثائق التي يستعملونها أو الفرضيات التي يضعونها، وذلك للإحاطة بواقع اجتماعي يتخذ له أشكال المطالبة بالعدالة، هذا في الوقت الذي ليس الباحث مطالبا بإقامة العدالة بل إنه مدعو إلى التفكير في الحدث لاستشراف آثاره في التطور العام للمجتمع. وبالتالي فقد اضحى الجانب التعليمي( الديداكتيكي) للتاريخ مدعوا ليكون أساس التفكير وذلك للحث على تقدم نافع لكل شامل يواجهمرحلة من” القطائع الحاسمة” في تطور إدماجه ىالفعلي ضمن مجموع مفكر فيه تاريخيا، متماسك ومحدد جغرافيا. ويبدو أن ندوة الداخلة في صميم هذه الانطلاقة التي تهدف إلى التفكير في هذه القطائع التي تحدث في التجمعات السكانية الجديدة بالصحراء المغربية.
يتبع….
عناقيد عناقيد، موقع ثقافي فكري جامع مستقل.