العربي الحميدي | المغرب

لا تُآخذني، عزيزي القارئ، إن بدا لك أنني مستفزٌّ بعض الشيء،
أو إن ظننتني متحيّزًا للكتابة الخارجة عن المألوف، تلك التي تُربك وتُزلزل، لا تُطمئن ولا تُساير.
فما هذه الحالة الأدبية إلا نتيجة استفزاز قديم،
زرعه في روحي أستاذُ اللغة العربية، في مرحلةٍ ما من التعليم الثانوي…
وتلك، كما قد تتخيّل، قصةٌ أخرى تُروى في وقتها.
ثمّة شيء في داخلي يرى الكلمات حين تسير على السطور،
كما لو كانت سربَ طيورٍ في مساءٍ خريفي،
يتّجه نحو غروبٍ مُعلن،
يبحث عن دفء يُشبه دفءَ الكلام المرتَّب في صفوف.
لا أحبّ الكتابة التي تبدأ بمقدّمة أنيقة وتنتهي بخاتمةٍ وديعة، وتبحث عن الاستراحة،
كأنّها موظّفٌ إداريّ يطوي أوراق النهار وينصرف.
الفكر الذي يكتب عندي، معولُ فلاح،
يقلب التربة، يكسر الكلس، ويُثير شرارة النار حين يقع رأسه على الحجر.
أحبّ الكتابة التي تخرج من النوافذ الخلفية،
تختبئ خلف ستائر الروح،
تضحك من أمرٍ كنتَ تتوقّعه،
ثم تبكي فجأةً من رائحةِ ذاكرةٍ نسيتَها.
الكتابة العادية تُخبرك ما تودّ أن تعرفه،
أمّا الكتابة الحقيقية،
فلا تُعطيك، بل تأخذك.
تأسرُك إلى حيث لا تعرف نفسك،
تُجلسك وجهًا لوجه مع جُرح القصيدة، ودموع القصة،
تجعل من قلبك مرآةً للمعنى، ومن دموعك مدادًا للدهشة.
لا أحبّ الكتابة التي تُشبه المعلّقة،
تتنقّل بك من بيتٍ إلى بيت، كما ينقلك سلّمٌ خشبيّ إلى سطح المنزل،
بل أفضّل تلك التي تكسر الطبق فجأة،
وتدعوك أن تتذوّق شظاياه بلسان التأويل.
هكذا أنا…
أكتب لأنني لا أُجيد الكلام في حضرة الآخرين،
أكتب لأنني لا أُجيد الشرح حين تُداهمني الأسئلة،
لكنّني أُجيد أن أُربكك، كما يربك وجه المرأة.
أن أُضيعك في تضاريس النصّ،
لتجد نفسك في متاهةٍ جميلة أو حارقة،
تبحث عن مفاتيح الدهشة، وعن لُغزٍ لم يُكتَب بعد.
الكتابة العادية تمشي على الرصيف،
والرصيف صلب، رتيب، لا يُغريك بالانحراف.
أمّا أنا، فأكتب على الهوامش،
على الفراغات البيضاء بين السطور،
وأفتح لك فخّ التأويل،
لتقع فيه، راغبًا أو لا.
بقلم رئيس التحرير
عناقيد عناقيد، موقع ثقافي فكري جامع مستقل.