مصطفى أبشر | المغرب

تقديم:
تعتبر المدرسة أساس تحقيق بناء المجتمع وتوطيد هياكله،ويرجع الفضل لها في تكوين وتأهيل أجيال تشد عضد البلاد وتساهم في بناء صرحهِ؛وفعل التعلم داخل المدرسة بصفة عامة له دور أساسي في صقل المعارف والمهارات التي يتلقاها المتعلم،ليبلورها ويستفيد منها في واقعه المعيش،لكن هذا الفعل التعلمي كان ينبني في السابق على التلقين واسترداد المعرفة من طرف المتعلم الذي يبقى همه الحفظ والاِسترجاع لما درسه فقط،وهذا ما ستقطع معه المقاربات البيداغوجية الحديثة التي اِعتمدتها الوزارة الوصية على القطاع منذ سنة 2000م،حيث تبنت المقاربة بالكفايات التي تمنح للمتعلم الحرية والاِبداع في علاقته مع مدرسه وجعلت منه متعلما يستخدم معارفه ويدمجها لحل وضعية مشكلة قد تواجهه داخل محيطه وبيئته،على اِعتبار أن المدرس لم يعد يعتبر المتعلم اِناء فارغا يسعى لملئه ؛بل أصبحت للمتعلم تمثلات جديدة ومعارف سابقة فرضت على المدرس التقيد بها واحترامها.
إن المدرسة الجديدة أصبحت المكان الذي يبدع فيه المتعلم بمعية توجيهات أستاذه ومساندته في اِطار يسوده الاِحترام المتبادل؛من خلال تحفيز المتعلم والرفع من معنوياته،وتشجيعه للمضي قدما في الاِبتكار والتميز،وزرع ثقافة الحرية في الخلق والاِبداع لديه،وهذا ما ركزت عليه تدابير الرؤية الاِستراتيجية للاِصلاح حيث تبنت مجموعة من البنود التي تدعو إلى تحقيق تعاقد بيداغوجي يتأسس على مأسسة اِندماج المتعلم داخل فضاء القسم وفضاء المؤسسة؛وعليه يحيلنا الموضوع إلى طرح اِشكاليات طبيعة هذا التعاقد البيداغوجي الذي تنادي به تدابير الرؤية الاستراتيجية للاِصلاح ؟وهل وضعت خطط محكمة لتجويد هذه التعاقدات البيداغوجية بين مكونات المدرسة وأطوارها ؟وما هو النموذج البيداغوجي الذي تسعى إلى بلورته داخل المنظومة التربوية ؟
وقد تم التوسل في مقاربة هذا الموضوع بمنهج اِعتمد على اِستقراء أهم الأسس التي حددتها تدابير الرؤية الاِستراتيجية في اِطار العلاقة البيداغوجية بين المدرس والمتعلم ،وباقي مكونات المدرسة المغربية،مع تحليل مضامين النموذج البيداغوجي المرغوب تحقيقه،حيث سيسعفنا المنهج في التوصل إلى نتائج هذه العلاقة الجديدة التي تروم تدابير الرؤية الاِستراتيجية الاِشتغال عليها لاِصلاح المنظومة التربوية،وتجويد الممارسة التربوية الصفية ،ومختلف العلاقات البيداغوجية داخل المدرسة المغربية،وذلك لاِزالة جميع الحواجز والعراقيل أمام المتعلم لتحقيق مدرسة الاِنصاف والجودة وتكافؤ الفرص،شعار الرؤية الاِستراتيجية .
المبحث الأول: في المفهوم الاِجرائي للعلاقة البيداغوجية :
تعتبر المدرسة وسطا تتداخل فيه عدد من العلاقات التربوية والبيداغوجية سواء بين التلميذ ومدرسه،أو بينه وبين زملائه ،أو اِدارة المؤسسة،فالعلاقات السليمة تنتج متعلما مبدعا قادرا على التعلم في أجواء يسودها الود والاِحترام المتبادل ،مما سيتيح له القيام بالبحث والاِبتكار والاِبداع بعيدا عن كل أجواء الاِقصاء والتمييز؛”إن تحقيق العلاقة البيداغوجية رهين بجعل الفصل مركزا لكل اِصلاح،وأساس لكل تجويد للعمليات التربوية،يكتسب شرعية أكبر ويفرض حضورا أقوى،وذلك باعادة الاِعتيار لكل ما هو تربوي/تعليمي/ديداكتيكي”.(محمد أيت موحى،سنة النشر2011م).
وفي العلاقة البيداغوجية تتماهى العلاقات بين ثلاثة أطراف مباشرة يتم التفاعل بينهما للوصول إلى نتائج ايجابية،فهي قائمة على عملية حياة وتفاهم كاملين بين معلم ومتعلم،أو بين معلم ومتعلمين،أو بين متعلم ومتعلمين من ناحية،وبينهما وبين المعرفة والمعلومات والمهارات والقيم والاِتجاهات والتكنولوجيا وغير ذلك من جهة أخرى “(عبد الحميد شاهين،سنة النشر2011م)
فهذه العناصر الثلاثة تخلق تفاعلا فيما بينها ينتج عنها تأثير متبادل يساهم في تأهيل جيل قادر على الاِندماج داخل المجتمع المدني،يتمتع بالحرية والمشاركة في خدمة الوطن،والتحلي بمكارم الأخلاق وكذا تأهيلهم لتحمل المسؤولية الشخصية وحثهم على الأخوة والمساواة والعدالة مع دفعهم إلى نبذ العنف والشغب والاِقصاء،والتمييز الجنسي والعرقي والقبلي واللغوي.”(يوسف كرواوي،سنة النشر2019م)
إن العلاقة البيداغوجية تتأثر بعاملين أساسيين؛يتمثل العامل الأول في طبيعة العلاقة التي يقيمها المدرس مع تلاميذه في القسم،ومدى تقبله لاِختلافات المتعلمين النفسية والاِجتماعية والثقافية،واِستطاعته التأقلم مع هذه الأنماط المختلفة،أما العامل الثاني فيتمثل في قدرة المدرس على تقريب المعارف باِعتماد طرق ووسائل بيداغوجية تجعل المتعلم يفهم المادة بسرعة ويستوعبها بسهولة دون ملل أو اِجهاد ،وهذا ما يجعل المتعلم يشعر بسعادة كلما أراد الدخول لحصة المدرس الذي يستطيع تقريب التمثلات إلى المتعلم لأنه يشارك ويتفاعل مع مدرسه المتقن للممارسة التعليمية التعلمية؛وهذا يعني أن التعلم التحرري هو نشاط اِجتماعي يعيد صوغ سلطة المدرس ويعيدها إلى رشدها ويجعلها منفتحة على التغيير،وهكذا يقطع المدرس مع النظام البيداغوجي التقليدي،ويوجه الدعوة إلى تلاميذه لممارسة سلطتهم في بناء معارفهم وذواتهم”(محمد بوبكري ،سنة النشر2000م).ومن هذا المنطلق سنتقصى طبيعة هذه العلاقات في تدابير الرؤية الاِستراتيجية ومدى حضورها لتحقيق الاِصلاح المرغوب.
المبحث الثاني: الرؤية الاِستراتيجية وتدابيرها:
1 – دواعي الرؤية الاِستراتيجية :
هناك شبه اِجماع من الباحثين في المجال التربوي ،على أن جميع الاِصلاحات التي عرفتها المدرسةالمغربية باءت بالفشل وبقيت مجرد حبر على ورق،نتيجة بقاء الوضع كما هو عليه وسيادة التصور التقليدي والأساليب والطرق البيداغوجية التي لا تسعف في تقريب المسافة بين المدرس والمتعلم في عصرنا الحالي داخل العملية التعليمية التعلمية،وفي ذات السياق نجد الاِهتمام بما هو نظري في التنظيرات الديداكتيكية البيداغوجية داخل مجال التعليم مع اِغفال ما هو تطبيقي وهذا ما قد يتسبب في تدهور المنظومة التربوية في المغرب،وذلك بالتركيز على المعلومات أكثر من الاِهتمام بالمتعلم وقدراته التعليمية،ومدى اِكتسابه للقيم التربوية والمهارات التعليمية “(يوسف سالك،سنة النشر2019م).
أمام هذا الوضع أصبح من اللازم اِعادة تغيير كل التمثلات التي لم تول المتعلم أولوية كبرى في التعلم لهذا “يتوجب القيام باعادة النظر في ما يتم تعليمه،بحيث يجب على المتعلم أن يتعلم في اِطار ديمقراطي كيفية اِكتساب المعارف وفهمها والاِستفادة منها وتوظيفها،بالِاضافة إلى الوعي بأهميتها ونسبتها وضرورة تجديدها واغنائها واِستمرارها،في مناخ يتسم بالمسؤولية والحرية في المواجهة وابداء الرأي والاِحترام المتبادل”(التربية على القيم بالمنظومة الوطنية للتربية والتكوين والبحث العلمي،2017م).
أمام اِزدياد المطالبة بانخراط المتعلم وجعله محور العملية التعلمية دعت الرؤية الاِستراتيجية إلى التغيير في ظل صعوبات الاِندماج الاِقتصادي والاِجتماعي والقيمي للخرجين،مع محدودية اِنفتاح وتفاعل المدرسة مع محيطها،وذلك راجع بالأساس إلى عدم قدرتها على المواكبة السريعة،وافتقادها للملاءمة مع تحولات محيطها المحلي والعالمي،كما أنها قاصرة على اِدماج المستجدات والمبتكرات التكنولوجية بشكل أوفر ومعقلن(خالد فارس ،سنة النشر2019م).
تتكون الرؤية الاِستراتيجية من أربعة فصول ،كل فصل إلا ويحتوي عددا من رافعات الِاصلاح المرجو ،وعند فرز المشاريع التي تستهذف قطاع التربية الوطنية نجد 26مشروعا يرمي النهوض بهذا القطاع، و06مشاريع بقطاع التربية والتكوين،وقد اِعتمدت مخططات لاِستدراك الاِختلالات وتأخر الاِصلاحات ،منها أهذاف ذات مدى قريب،وأخرى دات مدى متوسط،وأخرى دات مدى بعيد ،وإلى جانب الرؤية الاِستراتيجية جاءت وزارة التربية الوطنية بالتدابير ذات الأولوية والتي تمتد من سنة 2015 إلى 2018م ،من أجل التنزيل الأولي للرؤية الاِستراتيجية،وتتكون من 09محاور ،و23تدبير ،وأهذافها ذات مدى قريب، فكانت الرؤية الاِستراتيجية ذات طابع اِستراتيجي يتوخى الاِصلاح لحدود سنة 2030م،بينما التدابير ذات الأولوية ذات طابع اِستعجالي تروم التعجيل من أجل تأهيل المدرسة المغربية،واِنقاذها من الاِخفاقات المتكررة رغم جهود الاِصلاح الكثيرة؛وقد جاءت في اِطار تسريع تأهيل المدرسة المغربية آخذة بعين الاِعتبار الحالة الراهنة لمنظومة التربية والتكوين،والتي تجمع مختلف التقارير والدراسات التقويمية الوطنية والدولية على وضعيتها المتأزمة ،وعلى حاجتها الماسة إلى الاِصلاح الجذري والتأهيل حتى تؤدي الوظائف المنتظرة منها على كافة المستويات”(اللقاء الجهوي حول التدابير ذات الأولوية، النشر2015م) وقد مكنت الاِقتراحات والتوصيات التي أفرزتها هذه اللقاءات،من جهة ،من اِعداد وبلورة التدابير ذات الأولوية التي تكتسي صبغة اِستعجالية،ومن جهة أخرى سيتم اِعتمادها إلى جانب التقرير الاِستراتيجي المرتقب للمجلس الأعلى للتربية والتكوين والبحث العلمي،لبناء الرؤية المستقبلية 2030″(الرؤية الاِستراتيجية،سنة النشر2015م). وعليه فالتدابير ذات الأولوية صيغة من أجل الِاصلاح كمثيلتها الرؤية الاِستراتيجية ورافعاتها ؛فكلاهما ينشدان مدرسة متجددة ومواطنة .
المبحث الثالث:العلاقات البيداغوجية في تدابير الرؤية الاِستراتيجية:
لا يخفى على أحد تنامي حدة التواثرات العلائقية داخل الفصول الدراسية في الآونة الأخيرة،وتصاعد وثيرة العنف المدرسي،مع عدم الاِلتزام بالانضباط لميثاق القسم؛ويرجع ذلك إلى تردي منظومة القيم داخل المجتمع والأسرة،بالاضافة إلى رهانات العولمة التي حملت تحديات جديدة على المدرسة،”إن ما يميز فترة الاِنتقال إلى الألفية الثالثة هو كونها فترة التدفقات الغزيرة على المستوى السلعي والاِستهلاكي ،وعلى مستوى القيم الجديدة التي حملتها معها هذه المرحلة”(محمد مكمي، بيداغوجيا الكفايات) ؛ولهذا تميزت تدابير الرؤية الاِستراتيجية بمراعاة أبعاد العولمة والتطورات التي يشهدها العالم في اِرسائها لطبيعة العلاقات البيداغوجية داخل المدرسة ،لذلك رفعت شعار تحقيق مبادئ الاِنصاف والمساواة وتكافؤ الفرص والاِستحقاق في ظل تسارع التقنية وقد اِعتنت تدابير الرؤية الاِستراتيجية بالعلاقات البيداغوجية وسنصنف هذه العلاقات عبر:
-علاقات على المستوى الصفي:
إن العلاقة البيداغوجية في تدابير الرؤية الاِستراتيجة تسعى إلى خلق جسور التواصل الفعال بين المدرسوالمتعلم لتيسير مشاركته الكاملة في التعلم على قدم المساواة مع أقرانه داخل الفصل الدراسي،على اِعتبار المتعلم محور الفعل التربوي وفاعلا أساسيا في بناء التعلمات،وتنمية ثقافة الفضول الفكري،وروح النقد والمبادرة،والبحث والِابتكار لديه”(الرؤية الاِستراتيجية،سنة النشر2015م)،فمن هذا المنطلق أصبح المتعلم شريكا في بناء تعلماته مع مدرسه في جو يسوده اِبداء الرأي والحرية في النقد الاِيجابي لكل ما يتعلق بالمعرفة وبناء التعلمات،مع توفير كل الوسائل التعليمية للمتعلم داخل الفصل الدراسي،من خلال تمكين الفصول الدراسية من اِستعمال الوسائل السمعية البصرية وتقنيات الاِعلام والتواصل”( الرؤية الاِستراتيجية،سنة النشر 2015م). واستفادة المتعلم من اِستدامة التعلم وبناء المشروع الشخصي ؛بمساعدة مدرسه الذي أصبحت علاقته به تقوم على التوجيه والمساعدة لبناء مشروعه الشخصي،ليكون قادرا على اِكتساب ملكة البحث والترتيب والتعامل مع المراجع والمصادر وطرق البحث المختلفة ،وكذا تطوير المهارات الذهنية واليدوية والفنية وتنمية الاِبداع والاِبتكار لدى المتعلمين،حيث “تموقع المدرس كمشرف على التعلمات وميسر لها، ومتفهم لحاجات المتعلمين،ومتكيفا مع مختلف الوضعيات،بما يحقق حافزيتهم واِنخراطهم وتكامل قدراتهم وخبراتهم في التعلم”(الرؤية الاِستراتيجية ،سنة النشر 2015م).
القادر على تصريف العقد الديداكتيكي بين المتعلمين،حيث يحدد مجموع القواعد التي تحدد بصورة أكثر وضوحا ما يتوجب على كل شريك في العلاقة الديداكتيكية تدبيره،وما سيكون موضوع محاسبة أمام الآخر،فمن خلاله يستطيع كل طرف معرفة مستويات المسؤولية الموكولة لكل منهما،ومستثمرا مختلف البيداغوجيات للتعرف على الأعراض التي تتعلق بقصور الاِنتباه،وما يرتبط بالسلوك الاِندفاعي المفرط في النشاط داخل الفصل الدراسي،الذي يستطيع ضبط فصله مع أخذ كل الاِعتبارات التي تؤكد أن هؤلاء التلاميذ يتأثرون بالضبط والتحكم المبالغ فيه،ويعمل على مشاركة المتعلم لأنه محور العملية التعلمية، وجعله فاعلا في اِكتساب المعلومات وليس مستقبلا فحسب لها،والمتأمل لسلوكه ومستواه،ويطور أداءه في ضوء نتائج هذا التأمل المفكر الدائم في البحث عن المعارف،وحل المشكلات واِتخاذ القرارات”(عبد الحميد شاهين،سنة النشر 2011م). وميسرا لعمليتي التعليم والتعلم وليس ناقلا للمعرفة،حريصا على اتاحة فرص التعلم الذاتي والتعاوني لتلاميذه،مراعيا للفروق الفردية فيما بينهم،مع زيادة التواصل في حجرة الدراسة بينه وبين تلاميذه،وبين التلاميذ وبعضهم البعض،الأمر الذي يسهم في بناء مجتمع المعرفة،والسعي لتنمية الجوانب الوجدانية المتعددة،كالحب والاِستطلاع لدى المتعلمين وبث القيم الاِيجابية في التعلم،التي تنشأ عبر التفاعل بين المدرس والمتعلم،من أجل الوصول إلى الأهذاف المسطرة”(عبد الحميد شاهين،2011م).
فأغلب التدابير بالخصوص الرافعة السادسة تحث على اِيلاء أهمية كبرى للمدرس الكفء والمجدد،وهذا أيضا ما أقرته الرافعة التاسعة التي دعت إلى الحرص على اِنتقاء أجود الكفاءات،والاِختيار الأمثل للأجيال الجديدة من المدرسات والمدرسين؛من خلال اِعتماد معايير محددة لولوج المهنة تتمثل بالأساس،في توفر المترشحين على الجاذبية للمهنة،والاِستعدادات النفسية والمعرفية والقيمية،مع ضرورة تمكنهم من البيداغوجيات اللازمة في تعاملهم،لذلك أولت التدابير لتأهيل المدرسين وتمكينهم من مختلف البيداغوجيات الحديثة تفصيلا مسهبا يقوم على قدرته في تنويع أساليب التعلم واِستخدام البيداغوجيات الحديثة في العملية التعليمية التعلمية”(الرؤية الاِستراتيجية،سنة النشر 2015م).
تحظى القيم بمكانة جد رفيعة في تدابير الرؤية الاِستراتيجية التي تسعى إلى أن يكون المتعلم على درجة كبيرة من الاِلتزام بالقيم الأخلاقية،وهي من بين أبرز المؤشرات التي يقاس بها مستوى الرقي والتحضر لاِرتباطهما بالسلوك البشري ككل”(يوسف سالك،سنة النشر2019م)،من هذا كله تظهر قيمة هذا المفهوم وأهميته في العملية التعلمية ،ومدى اِبراز مكانته لبناء مجتمع متماسك ومتقدم نحو الافضل. إن العلاقة البيداغوجية في التدابير تهتم بتبني اِستراتيجيات جديدة للتعلم والتمكن من قدرات التعلم الذاتي،وتعلم التعلم،والتعلم مدى الحياة،والاِكتشاف والمبادرة،من خلال اِعتماد برامج ووسائط رقمية وتفاعلية،وتكوين مكتبات وموارد تربوية اِلكترونية،وتوسيع الفرص في هذا المجال”(الرؤية الاِستراتيجية ،سنة النشر 2015م). فعلى مستوى الممارسة الصفية للمتعلمين تسعى التدابير الاِصلاحية إلى الاِرتقاء بالنبوغ والتفوق لدى المتعلمين والاِهتمام بهم ضمن برامج مشروع المؤسسة باعتباره عنصرا ذا صلة مباشرة بوظائفها التربوية والمعرفية والثقافية والاِجتماعية ،واِعتماد آليات وبرامج للاِستكشاف المبكر للنبوغ والتفوق لدى المتعلمين داخل المدرسة”(الرؤية الاِستراتيجية،سنة النشر 2015م)،وتكريم ومكافأة المتعلمين المتميزين بجميع المستويات،مما سينعكس على العلاقة بين المتعلم ومدرسه؛من خلال “وضع رهن اِشارة كل متعلم وجميع الفاعلين ميثاق المتعلم يحدد حقوق المتعلم وواجباته”(مشروع القانون الاِطار،سنة النشر2018م)،مما يجعل من المتعلم شريك داخل المدرسة يعي كل حقوقه وواجباته وتعاملاته مع أساتذته داخل الفصول الدراسية،وتوجيهه بعد رصد تعثراته نحو المجالات التي يحتاج فيها إلى تقوية درجة التحكم في معارفه واِطلاع الأسر على مواطن القوة ومواطن الضعف فيما يخص التحصيل الدراسي لدى أبنائهم، عبر بيان وصفي للتحصيل وضع لذلك،قصد تمكينهم من الاِسهام في تذليل صعوبات هذا التحصيل وتدبير تعلماتهم”(دليل المدرس والمدرسة،سنة النشر 2019م).
إن التدابير ذات الأولوية في محورها الثامن المعنون بتخليق المدرسة دعت إلى محاربة العنف والغش والممارسات السيئة وتشجيع تلقي القيم الجيدة بالمؤسسة التعليمية واِدماج الأخلاقيات في المناهج الدراسية،مع اِعداد ميثاق القيم بالمدرسة من طرف التلاميذ سنويا،والدعوة إلى خلق مرصد وطني للقيم والأخلاقيات والاِرتقاء بالبحث العلمي في الميدان،وكذا القيام بمبادرة وطنية لتخليق المدرسة ،من خلال شبكات جمعوية ومنتديات وندوات حول ترسيخ القيم الاِيجابية داخل المدرسة،وتحفيز الاِرتقاء بأنشطة واِنتاجات التلاميذ حول مسألة النزاهة،مما يساهم في تنمية العلاقات الاِنسانية بين مختلف المتدخلين في الحياة المدرسية،مع وضع اِجراءات لمحاربة العنف في الوسط المدرسي،حيث أعطيت منذ الموسم الدراسي لسنة 2015/2016اِنطلاق العمل بميثاق القيم بالمدرسة واِعلانها سنة النزاهة بالمدرسة”(اللقاء الجهوي حول التدابير ذات الأولوية،سنة النشر 2015م).
-على مستوى الحياة المدرسية:
اِحتلت الحياة المدرسية ضمن تدابير الرؤية الاِستراتيجية حيزا مهما إلى جانب الاِهتمام بالمتعلم وتحصيله المعرفي وعلاقته مع مدرسه،هذه العلاقة المبنية على اِحترام ميثاق التعلم ونبذ العنف والغش والتربية على الاِختيار،ولا شك أن الحياة المدرسية تساهم في خلق تفعيل أدوار المدرسة لتكون فعالة وفاعلة،تقطع مع الوظيفة التقليدية للمدرسة،التي تكتفي بشحن المتعلم بالمعلومات والمعارف فقط،وهذا ما جاءت به تدابير الرؤية الاِستراتيجية خصوصا في الرافعة السابعة التي دعت إلى تحقيق مدرسة ذات جدوى وجاذبية وذلك بتفعيل الحياة المدرسية،من أجل اِنخراط المتعلمين في النوادي المختلفة داخل المدرسة،ومنها النادي الرياضي بتوفير المستلزمات الرياضية ومرافقها،بالاضافة إلى تحفيز المؤسسات للمشاركة في المسابقات الثقافية والفنية وطنيا ودوليا وتوفير شروط التفتح الفني والاِذاعة المدرسية وتنويع أنشطتها،بمراعاة ميول المتعلمين وقدراتهم،وتشجيع اِبتكاراتهم في مجال التفتح لأن اِنتاجاتهم في حد ذاتها اِبتكارات تحتاج إلى التوجيه والتشجيع،مع اِعتماد وسائل التكنولوجيا والاِعلام والاِتصال مما يجعل من المتعلم مواكبا للعصر في مجال البحث العلمي والاِبتكار،وتحبيب المتعلمين في أنشطة النوادي ،من أجل الاِنخراط بايجابية في جميع أنشطتها،ومن المعلوم”أن المتعلم الذي ترعرع في أحضان هذا النمط من الحياة المدرسية ستبنى شخصيته بناء سليما في أبعادها التربوية والمعرفية والمهاراتية والوجدانية مما يؤهله للاِندماج الفاعل في الحياة الاِجتماعية والثقافية والاِقتصادية،ويكون بالتالي قادرا على مواجهة كل الظواهر السلبية التي أصبحت تعج بها سائر المجتمعات ،كالاِنعزال والعنف والتطرف والاِنحراف”(يوسف كرواوي،سنة النشر2019م) إن العلاقة التي تنشأ بين المدرس والمتعلم داخل أنشطة الحياة المدرسية تساهم في زيادة اِحترام هذا الأخير وتقديره لمدرسه على مجهوداته في الأنشطة الموازية،كما أن المدرس يحاول دائما جذب أغلب متعلميه للاِنخراط في هذه النوادي ليتمكن من اِحتوائهم من السلوكات المشينة وكذا تجنبهم لمختلف طرق الاِنحراف”(محمد مكمي،2003م).
بالرغم من الاِكراهات التي تحول من مشاركة المتعلمين واِنخراطهم الفعال داخل الحياة المدرسية سواء منها ما يتعلق بنفور المتعلمين من الأنشطة الموازية ،أو ما يتعلق باكراهات المدرسين،وكثرة مهامهم أو اِنعدام الوقت بسبب جداول حصصهم،أو لغياب تكوينات في مجال التنشيط،وتدبير الأنشطة ،أو ما يتعلق باكراهات أولياء الأمور الذين يرون في أنشطة الحياة المدرسية مضيعة للوقت ،وتخوفهم من مشاركة أبنائهم لمتعلمين منحرفين.لكن رغم كل الاِكراهات تبقى الحياة المدرسية المتنفس الوحيد للمتعلم للاِبتعاد عن جدران القسم وتنفس جو جديد يساعد في تكوين شخصية واثقة من نفسها،مستعدة للتعلم الدائم،وعليه فإن هذه الاكراهات التي تمنع تحقيق مساعي الحياة المدرسية،ترجع بالأساس إلى ضعف المشرفين على هذه الأنشطة المدرسية وعدم قدرتهم على توضيح فلسفتها ومدى أهميتها واِرتباطها بالمنهاج الدراسي،بالاضافة إلى عدم فهم حقيقتها وأهدافها المتواخاة منها”(يوسف كرواوي،2019م)
من طرف جل المتدخلين لهذا يجب أن تنهض هيئة التدريس في كل مؤسسة ببرنامج ناجح يساهم في اِنخراط المتعلمين في الأنشطة الموازية،من خلال تكوين أندية منفتحة على محيطها،مع تحفيز الأساتذة المتميزين القائمين على هذه الأنشطة وتكريمهم وتمكينهم من آفاق أوسع لاِستثمار كفاياتهم،سواء تعلق الأمر بالاِجتهادات التربوية ،والمبادرات والمشاريع البيداغوجية ،مع العمل على التعريف بالمبادرات والممارسات الناجحة ،وتشجيعها والنظر في اِمكانية تعميم الاِستفادة منها”(الرؤية الاِستراتيجية،2015)
المبحث الرابع: النموذج البيداغوجي المرغوب
ركزت تدابير الرؤية الاِستراتيجية على عدة أبعاد بغية تحقيق مدرسة الاِنصاف والجودة والاِرتقاء واِرساء مدرسة ذات جدوى وجاذبية،وذلك باعتماد ما يلي:
1-بالنسبة للمدرسين:
– اِحداث آلية للمصاحبة لفائدة المدرسين للرفع من مستواهم البيداغوجي،عبر احداث الأستاذ المصاحب والرئيس قصد تتبع اشتغال المدرسين وتوجيههم لتجويد ممارساتهم الصفية. – تمكين المؤسسات التعليمية من العدة البيداغوجية والديداكتيكية اللازمة.
ــ تنظيم تداريب تكوينية لفائدة المدرسين لتمكينهم من التعامل مع التكنولوجيا الحديثة وادماجها في التعلمات.
–تحسين كفاءة المدرسين الجدد،ونهج تكوين مستمر ومؤهل مدى الحياة المهنية.
– اِعتماد المقاربات البيداغوجية التي تستهذف التمكن من مختلف المعارف والكفايات اللازمة لكل مستوى دراسي أو تكويني،والحد من الاِعتماد على التلقين والشحن.
– تحلي هذه المقاربات البيداغوجية بالمرونة،بما يحقق النجاعة،ويكفل المزيد من الاِستقلالية البيداغوجية لعمليات التدريس والتعلم والتكوين”(الرؤية الاِستراتيجية،سنة النشر2015م).
– تعزيز اِدماج التكنولوجيات التربوية في النهوض بجودة التعلمات،واِعداد اِستراتيجية وطنية جديدة لمواكبة المستجدات الرقمية،والاستفادة منها في تطوير مؤسسات التربية والتكوين والبحث،وخاصة على مستوى المناهج والبرامج والتكوينات منذ المراحل الأولى من التعليم،بادماج البرمجيات التربوية الاِلكترونية، والوسائل التفاعلية،والحوامل الرقمية في عملية التدريس أونشطة التعلم والبحث والاِبتكار(الرؤية الاِستراتيجية،سنة النشر2015م) – اِعادة النظر في الاِيقاعات الزمنية وتدبير الزمن الدراسي،والتخفيف من كثافة البرامج ومن طولها وتضخمها،واِدماج الثقافة وأنشطة الحياة المدرسية والجامعية وحصص الدعم التربوي في صلب المنهاج التعليمي والبرامج البيداغوجية والتكوينية،وملاءمة الاِيقاعات المدرسية مع محيط المدرسة في المناطق النائية وذات الوضعيات الخاصة والظروف الصعبة”(الرؤية الاِستراتيجية،سنة النشر 2015م).
2-بالنسبة للمتمدرسين:
– الرفع من مستوى التحكم في اللغات الأجنبية،وتحسين مردودية الغلاف الزمني المخصص لتدريس اللغات الأجنبية ،مع توفير المزيد من فرص الاِحتكاك مع اللغة عبر اِبرام شركات مع مراكز اللغات ،والمعاهد الأجنبية.
–فتح أقسام للمسالك الدولية للباكالوريا المغربية بغالبية المؤسسات التعليمية العمومية.
–تحسيس التلاميذ منذ التعليم الاِبتدائي بأهمية الأنشطة المهنية ،والتكوين المهني.
–الدمج بين التكوين المهني والتعليم المدرسي لفتح آفاق جديدة في وجه التلاميذ ذوي الميولات المهنية والتطبيقة.
-تحفيز التفتح واليقظة عند التلاميذ وتشجيعهم على اِبراز مواهبهم.
–تبني اِستراتيجية قطاعية مندمجة لتنمية روح المبادرة والمقاولة لدى التلاميذ.
–اِعداد العدة البيداغوجية لتعميم البرامج المتعلقة بتطوير روح المبادرة والمقاولة والتربية المالية.
–ملاءمة التعلمات والتكوينات مع حاجات البلاد ومهن المستقبل،والتمكين من الاِندماج”(الرؤية الاِستراتيجية،سنة النشر 2015م).
– التربية على القيم بالمنظومة الوطنية للتربية والتكوين والبحث العلمي،المجلس الأعلى للتربية والتكوين.
لقد أسهبت تدابير الرؤية الاِستراتيجية كثيرا في تفصيل وشرح مستفيض للنهج البيداغوجي المجمع تحقيقه في أفق سنة2030،وقد اِقتصرنا على بعضها وخصوصا ما يتعلق بالعلائق البيداغوجية التي تربط بين المدرس ومتعلمه،والاِصلاح الذي تسعى إلى تحقيقه.
خاتمة :
تأسيسا على ما سبق اِنصب اِهتمامنا في هذا المقال على مدى حضور العلاقات البيداغوجية في تدابير الرؤية الاِستراتيجية للاِصلاح،حيث توقفنا على أنها أولت اِهتماما كبيرا لدور المتعلم،واِعتبرته محور العملية التعلمية وفاعلا أساسيا يساهم في بناء تعلماته وتنمية ثقافته،في جو يسوده النقد والتواصل الفعال مع أستاذه المتحلي بروح المبادرة ؛هذا المدرس الميسر للتعلمات والمتكيف مع مختلف الوضعيات التعلمية ،المنخرط بكل نشاط بمساندة متعلميه للاِندماج الاِيجابي في الأنشطة الموازية.
وبالنسبة للنمودج البيداغوجي المرغوب فقد قسمناه إلى قسمين الأول مرتبط بالمدرسين والمهام الجديدة المنوطة بهم والمستجدات التي أقرتها التدابير قصد تجويد الممارسة الصفية،والقسم الثاني يتعلق بالمتمدرسين وأهم الاِصلاحات التي تروم التدابير تحقيقها للنهوض بمستواهم المعرفي والثقافي.
مراجع الدراسة :
– خالد،فارس ،اِصلاح منظومة التربية والتكوين ،المفتش العام للشؤون التربوية،المدرسة العليا للأساتدة ،الرباط،فبراير 2019
– دليل المدرس والمدرسة،تقويم المستلزمات الدراسية 2018/2019،مديرية التقويم وتنظيم الحياة المدرسية ،شتنبر2018
– اللقاء الجهوي حول التدابير ذات الأولوية ،الأكاديمية الجهوية للتربية والتكوين،لجهة تادلة أزيلال،20مارس،2015
– المجلس الأعلى للتربية والتكوين والبحث العلمي،الرؤية الاِستراتيجية للاِصلاح 2015-2030،
– محمد،بوبكري،التربية والحرية،من أجل رؤية فلسفية للفعل البيداغوجي،أفريقيا الشرق،الدار البيضاء،ط1، 2000م
– محمد،مكمي،بيداغوجيا الكفايات،والتربية على القيم،منشورات صدى التضامن،مطبعة النجاح الجديدة،الدار البيضاء.
– محمد،مكمي،الحياة المدرسية واشكالية الحداثة والتطرف،مطبعة النجاح الجديدة،الدار البيضاء ،ط2003.
– محمد آيت موحى،العلاقات التربوية :طبيعتها وأبعادها ،منتديات دفاتر التربوية التعليمية المغربية ،14غشت 2011م.
– مشروع القانون الاِطار،رقم51.17،لجنة التعليم والثقافة والاِتصال،الباب الثالث مكونات منظومة التربية والتكوين،2018
– يوسف،سالك ،التعليم ومنظومة القيم،سلك التعليم الثانوي التأهيلي نموذجا،ضمن مجلة باحثون،،ضمن مجلة باحثون ،مطبعة وراقة بلال،فاس،العدد5،سنة 2019
– يوسف،كرواوي،الصعوبات التي تواجه تفعيل الحياة المدرسية وسبل تجاوزها،ضمن مجلة باحثون ،مطبعة وراقة بلال،فاس،العدد5، سنة2019
تاريخ الكتابة:2020-07-22
إخطار:
الصور نقلا عن:
le360
عناقيد عناقيد، موقع ثقافي فكري جامع مستقل.