الميديا أكبر مُغرِّب للإنسان اليوم

أحمد طايل | مصر

1ـــ كيف غذّت الميديا والوسائط التواصلية، عموما، النزعة الفردية في الكائن، وكيف جنت هذه النزعة على الانتماء الإنساني؟

2ـــ هل من بدائل لاستعادة الهوية المتمحورة على المشترك الإنساني، في غمرة هذا الجنون الرقمي، بما يُخلّص الكائن والمجتمع والعالم من سموم هذه النزعة؟

3ــ اجرد بعض المظاهر الاجتماعية، ما بين الأمس واليوم، تثبت الانقراض الوشيك لمنظومة القيم في خلق توازن ما بين صوت الأنا وروح الجماعة في تدبير مصائر الأجيال والأوطان؟

بداية نحن وأقصد ب”نحن” هنا كل البشرية، نرفض أي نوع من المتغيرات والتطورات شريطة أن تضيف إلى المجتمعات، لا أن تسلب منها، بالنسبة لمسألة السوشيال ميديا والوسائط التواصلية، مثلها مثل أي متغير لها شقين: شق إيجابي وآخر سلبي، ومن أجل أن نتقبل هذا كان علينا أن نتعامل مع الإيجابي وأن نزيد من نسبته وأن نقلص من نسبته السلبية، ولكن الحادث أننا هرولنا وفتحنا صدورنا وأذرعنا وسال لعابنا ترحيبا كبيرا بها دون أن نجتهد بدراستها جيدا من كل زواياها، ما فحواها ومدى قدرتها على تطوير الطقوس الحياتية بشكل ينعكس ويضيف آفاقا جديدة للتعايش، والتصالح مع أنفسنا ومع مجتمعاتنا ومع الآخرين.

 السوشيال ميديا والوسائط التواصلية جعلت منا غرباء، غرباء داخل أسرنا، غرباء في عائلاتنا، في تعاملنا مع الحياة، تحولنا إلى روبوتات تسير وفق برمجة معينة، نزعت صلات الرحم والحوار والتفاهم والعادات والتقاليد والأعراف، صرنا ندور بفلك ليس فلكنا على الاطلاق ولا يشبهنا، وهذا أبعدنا تماما على أن نكون الكل في واحد، ننتمى لقضايانا ونعمل على مجابهاتها، الكل صار يفكر فكرا أحاديا وليس فكرا جمعيا، وبالتالي لا يوجد توافق حول الكثير من الأمور التي تحتاج إلى هذا التوافق.

مؤكد أن لكل إشكالية من البدائل ما يعيدها إلى الجادة والصواب، من وجهه نظري المتواضعة التي تحتمل الصواب كما الخطأ، وهي أن  نعود إلى ما اعتدنا عليه وتربينا عليه قرونا طويلة، أن نعود إلى رشدنا وصوابنا وأن نتمسك بتاريخنا الراسخ، المليء بالقيم والأعراف والأخلاقيات، وبالحوار الجاد بين جميع الشرائح المجتمعية، وأن تكون هناك عادلة بتوزيع الثقافة على كل بقعة من بقاع أوطاننا، أن يعود التعليم إلى أداء رسالته التي تقلصت كثيرا بالعقود الزمنية الأخيرة، وأن تعود الأنشطة الثقافية والتربوية إلى التعليم، لأنها كانت هي التهذيب الحقيقي للنفوس ووضع المصابيح أمامها، وأن يعود دور المساجد والكنائس ترسيخا للمحبة والإخاء، وأننا جميعا أبناء الوطن الواحد الذي لا يقبل الطائفية والنزعات ، أن نؤكد أن لغتنا هي العربية وعلينا تعزيزها بجعل كل شوارعنا وكل محالنا تحمل اللغة العربية تكون الأولى بينما أي لغة أخرى يجب أن تحلّ ثانيا.

 نحن بحاجة ماسة أن نعيد هويتنا وبصمتنا الذاتية على ثقافتنا وأن نكون متبوعين لا تابعين. الثقافة هي الأمن القومي الحقيقي للأوطان والشعوب، إن فقدناها سهلنا على الآخر اختراقنا.

 إذا أردنا علاج ناجعا وفوريا لهذا الأمر، فعلينا الالتفاف حول تاريخنا وهويتنا، والعمل على عودتها وريادتها.

بالفعل هذه السوشيال ميديا والوسائط التواصلية، كانت لها اليد الطولي في انسلاخنا تماما عن الكثير من قيمنا واخلاقيتنا، وعن تماسكنا ووحدتنا حول قضايانا المشتركة، ولكي نخرج من هذا المنزلق والمأزق الكبير علينا بذل جهد كبير من خلال المؤسسات والمفكرين والمثقفين ومن الإعلام للمناداة بضرورة أن ننتبه لما يحاك لنا من مكائد تسعى بكل لحظة لتفرغنا من أصالتنا وهويتنا وأن نتحول إلى عرائس الماريونيت يحركون خيوطها كيفما يريدون، وإلى ما يهدفون لما يخدم مصالحهم، وليسهل لهم اختراقنا من كل الزوايا. يا سادة الاختراق الفكري أكبر غزو وأكبر احتلال، لابد من التصدي له، فهو سرطان يصعب الشفاء منه.

شاهد أيضاً

المسؤولية الاجتماعية في الحج

د. شريف بن محمد الأتربي | السعودية منذ خلق الله سبحانه وتعالى الأرض ومن عليها، …

اترك رد