على مسؤوليتي الخاصة

شمس صهباني | المغرب

تقول الفنانة التشكيلية Shams Sahbani

أحيانًا، تراودني فكرة غريبة، إنها هاجس يتكرر بإلحاح في أوقات نشغالي بالتحضير لمعرض أو فعالية فنية. أفكر، لا لشيء سوى من باب الحلم الوقائي، في تنظيم معرض مغلق لا تفتح أبوابه إلا بكلمة مرور مشفّرة، أو مسح شبكية العين، أو ربما عبر بصمة القلب ذاته، إذ أن بعض الحضور لا يمكن الفرار من ظلّهم الثقيل، مهما أُغلقت النوافذ أو خُفّضت الأضواء.

أتحدث، وليس من باب التعميم، عن فئة من الصحفيين لا يزال حضورهم في الفضاء الثقافي والفني يثير من الأسئلة أكثر مما يقدّم من الأجوبة. إنهم أولئك الذين ارتأوا، بمرور الزمن، أن الصحافة ليست فقط مهنة نقل الحقيقة، بل وسيلة دبلوماسية ناعمة لالتقاط “المظاريف”  تلك التي تتسلل من اليد إلى اليد كما تتسلل النية المضمرة تحت ستار المجاملة.

لا عجب أن تراهم، في حفلات الافتتاح، يجيدون فن الابتسام المُنمّق، ويُلوّحون بميكروفوناتهم كما لو أنها مفاتيح لبوابات خفية. يظهرون فجأة في كل مناسبة، مدعوّين أو غير مدعوّين ل، وكأن هناك رادارًا داخليًا يرشدهم نحو حيث تُوزَّع الهدايا الصغيرة، أو حيث قد تُكتب عبارة امتنان في نهاية التغطية.

المشكلة ليست في الحضور في حد ذاته، بل في الدافع الكامن وراءه. ذلك الدافع الذي يزيح تدريجيًا جوهر العمل الصحفي النبيل لصالح سلوك أقرب إلى التسوّل المقنّع، أو ما يمكن وصفه بـ”الضغط الناعم”، ذاك الذي لا يصرّح، لكنه يُلمّح، ولا يطلب، لكنه يُشعر. وما إن يُقال لهم، بصدق خالٍ من التزويق، إن الحدث لا يتضمن أي تعويض مالي، حتى يتبدّل الودّ جفاء، وتتقشّر الابتسامات عن وجوه عابسة، كأنما انطفأ فجأة وهج الحماسة المهنية.

بعضهم يُبرر هذا التحوّل بعبارة صارت دارجة: “هذا أقل شيء، يا سيدتي، إنه من أجل الجهد.”

لكن، عن أي جهد يتحدثون؟ هل الحضور وحده، دون إعداد أو قراءة أو فهم، صار يستحق مقابلاً؟ هل صارت الكلمة الصحفية تُكتب على أساس العائد لا على أساس الوعي؟ وهل فقدنا البوصلة إلى هذا الحد، حتى بتنا نُقيم الكتابة بميزان الذهب لا الفكر؟

اللقاء الفني، في جوهره، ليس مناسبة تجارية، بل مساحة للتلاقي العميق بين الرؤى، للأثر لا للأجر، للمعنى لا للمادة. وهو امتحان حقيقي يفرز من الصحفيين من يقف هناك احترامًا للفن، محاولًا أن يترجم ما رآه وسمعه وشعر به، عن أولئك الذين يدخلون القاعة بأعين تفتش عن الظرف قبل اللوحة، وعن المدعو قبل الموضوع.

وهنا، لا يسعني إلا أن أقول: ليس أكثرهم ضجيجًا هو أكثرهم وعيًا. الصحافة الثقافية، حين تفقد شغفها، تتحول إلى ظلّ باهت لما كان يمكن أن يكون صوتًا مضيئًا. وحين يغيب عنها الالتزام الجوهري، تصبح مرآة مشوّهة تعكس سطح الأشياء، وتغفل جوهرها.

لذلك، ومن هذا المقام الذي لا أملك فيه سوى صدق الكلمة، أقول: المعرض، أي معرض، ليس ساحة مقايضة، بل احتفال بالخلق الإنساني، ومرآة لحساسية الفنان وهمومه وأسئلته. ومن يدخل إليه، عليه أن يخلع نعليه، لا كما يُفعل في المقامات المقدسة، بل كما يُفعل في حضرة الجمال.

شاهد أيضاً

هل الفن التشكيلي لعنة أم خلاص؟

العربي الحميدي| المغرب لماذا يموت الفنانون التشكيليون فقراء؟ من المفارقات المأساوية في تاريخ الفن أنّ …

اترك رد