أحمد الأمين | المغرب

لم يكن نصيب والدي من إرث جدي سوى حقيبة خشبية مملوءة بأدوات النجارة، وُضعت بعناية تحت درج قريب من باب الدار. كنت، في طفولتي، أتناول منها مطرقة أو قطعة كلما خرجت للعب، وأشرع في صناعة أشياء بسيطة بيدي، فتغمرني نشوة غامضة، كأنني أروي عطش طفل يبحث عن معنى أو أثر غائب.
شيئاً فشيئاً، بدأت تتضح أمامي ملامح طريق قادني لاحقًا إلى مدرسة الفنون التشكيلية. كنت شاباً يافعاً، يكتنفه القلق والتساؤل، وأشعر وكأنني أمتطي قارباً هارباً، لا أعرف إلى أين يأخذني التيار، ولا كيف أسيطر على مجاديفي.
تعلمت، إلى جانب زملائي، الأبجديات الأولى للفن، ووجدتني أبتعد عن ضفة الألفة، متوغلاً في عوالم تشكيلية جديدة. شيئاً فشيئاً، بدأت أجني ثمار هذه المغامرة، وكانت أولى محطاتي معرضاً جماعياً لطلبة الفنون، بعت فيه جميع لوحاتي الأربع المعروضة.
ثم عُيّنت أستاذاً للفنون التشكيلية في الدار البيضاء، فكانت المدينة فضاءً بصرياً غنياً ومُلهمًا، لكن رغم تفاعلي مع طاقتها الحية، لم أكن أشعر بالاكتفاء. كنت أبحث عن شيء أعمق. في تلك الفترة، أهدتني الصديقة الكاتبة زهور ڭرام رواية “الضوء الهارب” لمحمد برادة. كان أثر الرواية في نفسي عميقاً، وازداد مع اقتراب نهاية الموسم الدراسي، فقررت الانتقال إلى مراكش، المحطة الثانية في رحلتي.
في مراكش، أقمت ثلاثة أعوام واكتشفت فيها فضاءً بصرياً درامياً مدهشاً. أصبت بحمى الضوء والظل، وأنجزت أعمالاً كثيرة، تُوّجت بمعرضي الفردي الأول في قاعة “باب دكالة”. في صيف العام نفسه، شاركت في موسم أصيلة الثقافي، حيث أنجزت جدارية وشاركت في أنشطة متعددة امتدت إلى عام 1998.
بعدها انتقلت إلى مدينة أزمور، رغم أنني لم أزرها من قبل، ولكن قربها من الدار البيضاء والرباط، حيث تنعقد الملتقيات والمعارض، جعلها مناسبة لمواصلة المسار. هناك تغيّرت ألواني. انتقلت من الاحتفالية والانسياب اللوني إلى درجات أكثر هدوءاً، يغلب عليها الأزرق. شعرت وكأني أستحم بماء بارد يغسل حرارة المرحلة السابقة.
منذ ذلك الحين، وأنا أعمل وفق رؤية شخصية، أبحث فيها عن “ضوئي المفقود”. أطرح أسئلة تتشعب، تارة أجد بصيصاً من الإجابة، وتارة أخرى أتوه وسط المهارة والوجدان والتفكير.
بدأت علاقتي بالرسم منذ التحاقي بمدرسة الفنون سنة 1983، لكنها عادت إلي بقوة في 2006 حين لاحظت تلامذتي منصهرين في حالاتهم أثناء الرسم. دفعني فضولي إلى مشاركتهم اللحظة؛ حملت أدواتي وبدأت أُنجز تخطيطات سريعة لأوضاعهم وحركاتهم. وكأنني أقبض على لحظة حية تتلاشى إن تأخرت.
ثم خصصت لهذه التجربة معرضاً سنة 2007 بالمعهد الفرنسي بفاس، لكنني لم أتوقف عند الوجوه فقط، بل واصلت الاشتغال على مواضيع أخرى. ورغم ذلك، يعود البورتريه إليّ كلما شدّتني صورة أو استدعاني وجه من الذاكرة أو الواقع.
أعتقد أن هناك حواراً سرياً بيني وبين الوجوه. أحياناً أراها، فتخاطبني، وأستجيب. وفي أحيان أخرى، تطمس الذاكرة ملامحها، وتبقى الهالة والهيئة حاضرتين، تدفعانني للرسم كنوع من مساءلة الذات، وكأنني أبحث عني في ملامح الآخرين.
أتذكر، على وجه الخصوص، صورة رجل مسنّ، مستلقٍ على سريره، ينتظر الموت في سكون أبيض ونوراني. هو جدي، الذي تلاشت ملامحه في الذاكرة الطفولية، لكنه يعود إليّ بين حين وآخر، فأرسمه بحثاً عن إجابة ما لم تبرح مكانها.
البورتريه، في عملي، ليس هدفاً في ذاته، بل محطة عابرة تحضر وتغيب بحسب انشغالاتي الفلسفية والجمالية. أنطلق من القواعد الأكاديمية، لكنها تتلاشى تدريجياً لتترك مكانها لتجارب وتلقائيات لا أتحكم فيها دائماً. أقوم لاحقاً بفرز ما أنتجته، وأستخلص منه عملاً قائماً بذاته، وكأني في مخاض فني شاق.
لا أبحث عن التشابه مع الأصل، لأن ذلك يجعلني مجرد ناسخ بارع، وأنا أسعى إلى ما هو أعمق: أن أترك نفسي وإحساسي وتفكيري في اللوحة. الوجه يحمل تعبيرات لا تُمسَك بسهولة، وبعض الوجوه تجذبك دون سبب، كأنها تطلب أن تُرسم.
الرسم عندي كتابة شعرية ملونة. اللوحة هي مرآتي، أكتب بها ذاتي، حتى وإن تجلّت في هيئة غيري. كل تجربة فنية تحمل جديداً، رغم اشتغالي في موضوع بعينه.
الكمال لحظة عابرة أعيشها من بداية اللوحة إلى توقيعها. بعدها، أدرك أنني خضت معركة خاسرة، لكنها ضرورية لاستمرار المغامرة. وما إن تنتهي اللوحة حتى تصبح ملكاً للمتلقي، يقرؤها كما يشاء، ويمنحها معناها الخاص.
احمد الامين
Ahmed El Amine
– فنان تشكيلي
عناقيد عناقيد، موقع ثقافي فكري جامع مستقل.