صور الاختلاف وانزياحاته في مجموعة “جماجم غاضبة بسبب الطقس البارد “

عبد النبي بزاز| المغرب

رغم طابعها النثري تتميز مجموعة الشاعر المغربي مبارك وساط الشعرية ” جماجم غاضبة بسبب الطقس البارد ” بميزات بارزة من خلال لغتها المجازية ، وما تزخر به من صور ذات أبعاد دلالية موسومة بالاختلاف والانزياح في العديد من سياقاتها التعبيرية ، وأنساق بنائها وتركيبها كما نقرأ في نص ” امرأة ” : ” امرأة تمسح حزن البارحة / عن طاولة فوقها كتاب ” ، وهو تعبير لا يخلو من نفحة جمالية ودلالية يتمثل في إزالة المرأة لحزن محدد بزمن ماض قريب ( البارحة )  من طاولة  فوقها كتاب  يحفل برمزية منفتحة على أفق زاخر بضروب المعرفة والبحث والتحصيل ، وفي ” تجاعيد ” : ” تجاعيد تتدحرج على سطح تابوت / التابوت ينتظر عجوزا ”  والذي يمتح من  معجم موضوعه الموت المقترن بالتقدم في السن ، والمختزل في ” التجاعيد ” كعلامة من علامات الشيخوخة ، والتابوت الذي ينتظر قدوم عجوز يفصلها عن الموت زمن ، وإن لم يحن بعد ، يبدو قريبا وشيكا . وفي نص ” ينفث الصباح أنفاسه ” يرد : ” ينفث الصباح أنفاسه اليائسة / في كأس قهوة أمامي … / لكن الطريق تتشنج … / أشعر أن الطريق أيضا / سيئة المزاج ” مما يضعنا أمام أسلوب مختلف ومنزاح عن السائد والمألوف في الأساليب الشعرية المتداولة بحيث تصير للصباح أنفاس ينفثها في كأس قهوة ، ويصرف الطريق انفعالاته عبر التشنج ، والمزاج  العكر ، وفي ” كأس ” حيث يقول الشاعر : ” يحدث أن أتحدث إليها همسا /  حتى تتشرب كلماتي “، في حديثه للكأس التي تتشرب كلماته وتتمثلها . وتتضمن مقطوعة ” شَعْر القمر” صورة لنمل يلتهم شَعْر القمر : ” لكن نمالا كثيرة / بدأت تلتهم شَعْر القمر ” في تصوير شاذ عن المتبع والمألوف  يصبح فيه للقمر شَعْر تقتات منه ، بنهم وشراهة ، حشرات النمل.

وينحو الاختلاف مناحي عديدة كأن تتحدث زهرة في نص ” رنين ” مخاطبة نفسها : ” زهرة منسية على صخرة / تقول في سرها : أنا لا أخاف ” ، أو يغني الخبز ، وترقص الملاعق في مقطوعة ” معلم نشيط ” : ” ففي المطبخ يغني الخبز / والملاعق ترقص / وتطقطق” ، وما تبديه الصابونة من عتاب في نص ” أطفئ الراديو ” : ” تعاتبني الصابونة / فتقفز فوق الدولاب / وفي جوفها قهقهاتي القديمة / لكنها سرعان ما تعود / وتتمسح بكتفي ” ، بل تتجاوز ذلك ،أي الصابونة فتقفز فوق الدولاب ، وتحتوي في جوفها على قهقهات قديمة للشاعر ، قبل أن تعود لطلب وده ، والتمسح بكتفه مما يثير التعجب من هكذا حركات وإشارات تصدر عن صابونة ، وكيف ذاب نادل  مقهى ، وتم تأبينه من أحد الزبائن : ” كنت جالسا في مقهى / وذاب النادل فجأة / وقف أحد الزبائن / وألقى كلمة تأبين طويلة / في حق الراحل الطيب ” ، وحركة السترة المتمثلة في التربيت على كتف الشاعر ، والذي سرعان ما ضمها إليه في حركة تنم عن حسن  الترحيب : نسيت سترتي معلقة …/ وهاهي تربت على كتفي / بكمها الأيمن / ألتفت وأضمها إلي “.

وما تفتأ صور الاختلاف تتوالى في مثل حركة ركل الهواء ، ومشهد تقديم الموتى لعرض مسرحي : ” فجأة بدأ يضحك / وركل الهواء الطلق … / قدم أموات عرضا مسرحيا ” ، وإصابة كرسي بنوبة صَرْع ، وانتشار بثور فوق جلد المدينة :”  لكن كرسيا طويلا / أصابته نوبة َصْرع / وانتشرت بقع داكنة وبثور/ على جلد المدينة ” ، وتمني الشاعر للأفق الشفاء : ” أتمنى للأفق شفاء عاجلا “، و كلها صور تجسد أنماطا من الغرابة في صيغها ودلالاتها . اختلاف يتطور إلى أشكال أخرى كانزياح  بمسوحات  عقدية : ” يمر ملائكة صينيون يجري حصان على قارعة طريق / ويحلم بالجنة ” متمثلا في هوية ملائكة صينيين ، والحصان الذي يحلم بالجنة . وفي تقاطع العنصر المجازي داخل سياق مختلف ومنزاح أفرز صورا شعرية : ” الأفق يرتعش إنه مريض منذ أمس ” ، في مشهد يرتعش فيه الأفق الذي ألم به مرض ، وتنتفض حصى صغيرة : ” حصى صغيرة على الطريق / تنتفض بوهن ” ، وخروج دجاجة في حالة سكر : ” خرجت دجاجة سكرانة ” ، تبتسم  وتلوح : ”  تبتسم وتلوح لي / بأحد جناحيها ” ، وقيام الظلال بكنس للذكريات : ” ظلال تكنس ذكريات ” ، وتدحرج النبوءات في نفق : ” نبوءات تتدحرج في نفق ” ، في تصوير لمأزقية فضفاضة ، غريبة المعالم والأبعاد ، والليل الذي يغمس عظامه في الحبر لتدوين مقطع من بركان : ” ويحل الليل فيغمس عظامه في الحبر / ليؤلف فقرة بركان ” ، وما تحبل به مفردات من قبيل الحبر والبركان من معاني تمتلك عمقا  رمزيا ودلاليا. والتحول أيضا كما ورد في نص ” العاصفة التي … ” حيث تحول عشب الحديقة إلى قطن : ” عشب حديقته / انقلب إلى قطن ” ، وبنزعة لا تخلو من سخرية تحول الأوراق النقدية  إلى أوراق فارغة لا تصلح إلا للف الحشيش : ” مثل أن تصبح الأوراق النقدية التي في حسابي / مجرد أوراق فارغة و رهيفة / تصلح فحسب للف الحشيش”.

ولم تقتصر نصوص المجموعة على ما هو مختلف ومنزاح شعريا ، بل رصدت مشاهد وصور من واقع يعج بألوان العوز والفاقة كآفة اكتوى بنيرانها بعض فئات المجتمع و منهم من يتوفر على رصيد بنكي ورغم ذلك يعيش في ضيق مادي : ” في طريقه إلى البنك تذكر / أن رصيده هو تحت الصفر / فتوقف عن السير / وتنفس الصعداء ” . وصور لمآسي ناتجة عن حروب تخلف ضحايا من جرحى وقتلى ومنكوبين كما في مقطع ” عصفور يحدق ” حيث نقرأ : ” وأنت تتابع على شاشة التلفاز / وقائع حرب / يستضعف  فيها ناس ويقتل أبرياء … / ترى طفلة جريحة / في نزعها الأخير ” ، وهي جزء من مظاهر عنف، وتنكيل ، وتقتيل ، وتهجير تتعرض له شعوب تحت طائلة تصفية عرقية ، أو عقدية  ذات نزعة استعمارية توسعية جائرة.

 ف ” جماجم غاضبة بسبب الطقس البارد ” مجموعة شعرية ذات خاصيات إبداعية وجمالية صادرة عن رؤية ونهج يؤسس لاختلاف وانزياح بما يرسمه من مشهديات ، وما ينحته من صور ولوحات تنأى عما هو سائد ومألوف من ضوابط المتن الشعري ومحدداته.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

ــ جماجم غاضبة بسبب الطقس البارد ( شعر) مبارك وساط. ــ الناشر : جدار للثقافة والنشر / مالمو ـ الإسكندرية 2025 .

شاهد أيضاً

الرواجفة يعاين شعرية النسق الروائي

عمّان- يقدم د.ليث الرواجفة في كتابه “شعرية النسق الروائي” قراءة نقدية معمّقة في علاقة السرد …

اترك رد