عبد النبي بزاز| المغرب

عندما تقترب من عالم الشاعر والناقد أحمد الشيخاوي، وتحاول مقاربة منجزه الشعري ” عطش الفصول ” تنتابك هيبة غامضة، وتَحَفُّظ جسيم لأنك تستشعر حجم المغامرة بالتورط في كمين متن شعري مبهر ومدهش.
فمجموعة “عطش الفصول ” تزخر بنزعة جمالية تستشري في نصوصها، ويشيع وهجها وتوهجها في كل مقاطعها وتفاصيلها، بحيث تتوالى الصور المتشابكة، واللوحات المتداخلة داخل نسق يصعب مواكبة امتداداته، والخوض في تموجاته مع توالي التعابير المجازية بأشكالها وعناصرها؛ من تشبيه مُنَوَّع: ” بيضاء / بياض الثلج في يوم صيفي ” ص28، الخالي من الأداة، والمقترن بها( الكاف ) في: ” كقصيدة لم تولد بعد ” ص28، و(مثل ): ” إذ يطير / مثل عصافير الضوء ” ص31، هذا التشبيه المثقل والمُوَشَّى بعناصر جمالية موحية ومعبرة.
وصور متعددة، مثل: ” أن تغويك خاصرة الريح ” ص 18، فتغدو للريح خاصرة ، وللجنون سماء: ” تفتح متاهات في سماء الجنون ” ص 20، وتتم مناغاة العفاف وهدهدته كطفل صغير: ” تناغي العفاف/ تهدهده ” ص20، واخضرار البكاء، وزغردة الجرح: ” اخضرار بكاء / زغاريد جرح ” ص 34، وصور تنضح مجازية وجمالية: ” لم أك ــ يا صاحبي / لأعتصر الخوف / في جب أعينك البريئة ” ص 14، وما تحفل به الصورة من دلالات وأبعاد رمزية تتمثل في اعتصار العنب، بما يحيل إليه من شراب مسكر، ووصف الأعين بجب ( بئر متسعة ) يعتصر بين جنباتها ، وفي عمق قيعانها الخوف.
ورغم غنى المجموعة بتعابيرها المجازية، وأساليبها البلاغية من تشبيه، واستعارة فضلا عما لم تتم الإشارة إليه من إيقاع داخلي وخارجي … فإنها تناولت موضوعات مختلفة كالقضية الفلسطينية تلميحا حينا: ” عار وصفاقة أن تصفقوا ” / لرؤية قوافل الشهداء ” ص 8، وتصريحا أحيانا: ” تلقننا درسا / نكابد تحاشيه / درسا في الوفاء./ عن فلسطين المتروكة وحيدة ” ص 26، في تصوير لما تعيشه القضية الفلسطينية من مأساة نتيجة تخلي المجتمع الدولي ، وخذلان الأمة العربية بالخصوص .
وهناك عناصر وجوانب أخرى إبداعية بحمولات رمزية لا يتسع حيز هذا التقديم لتناولها. كما لا يفوتنا أن نشير إلى مزاوجة الكاتب أحمد الشيخاوي بين الإبداع الشعري والنقدي، فموازاة مع أشعاره المرهونة لرؤى تتسم بالسعة والعمق، وتعابير تنم عن قدرة بارزة على الخلق والابتكار تبرز قراءاته النقدية الموسومة بالرصانة والحصافة والتمحيص.
ولا يسعنا في هذا التقديم المقتضب إلا الإقرار بما تشكله مجموعة ” عطش الفصول” من إضافة نوعية لمنجزات الشاعر بشكل خاص، وللمتن المغربي والعربي عموما.
عناقيد عناقيد، موقع ثقافي فكري جامع مستقل.