من شِعريات الفضاء في شعر عبد السلام المساوي

د. عبد العزيز الطوالي| المغرب

أثار انتباهي باعتباري متلق للشعر، ومتتبع لما ينشر على الفضاء الأزرق، مقطع شعري جميل يمثل بجلاء شعرية الفضاء، نشره الشاعر الناقد الأستاذ والمدبر والمربي عبد السلام المساوي يوم الأحد 20 أبريل 2025، على حسابه الفيسبوكي، يقول فيه:

إن شاعرنا الكبير عبد السلام المساوي يخاطب الزمان موظفا عن قصد بدله كلمة “الوقت”، لأن الوقت يدل على زمن محدد معلومة بدايته، ومعروفة نهايته، وإن تكون كذلك فهي مؤكدة ومنتظرة. فقد خاطب الوقت ليلتمس منه التمهل في مضيه كي يتريث، ويخفف من سرعته، وهذا يعكس شعورا عميقا ينتاب الإنسان من حين لآخر، خاصة بعد ما يطوي عقودا من عمره القصير المحدود. إنه شعور بانصرام العقود والسنوات والليالي والساعات واللحظات بسرعة.

فالتمهل الذي يطلبه الشاعر من الوقت هنا بدافع ذاتي يتجلى في رغبته في لملمة ظلال ذكرياته الممتدة أمامه بكل مكان تربطه به قصة أو حدث أو عمل أو لحظة شعرية أو مسحة جمالية أو زقزقة عصفور مغرد في البادية. لما لا؟ وقد كانت حياة الشاعر غنية بالتجارب واللحظات المضيئة، والأمكنة المتعددة، وخاصة ذلك المكان الذي قضى به الشاعر مسيرة مهنية طويلة في تكوين النشء الذي يحمل على عاتقه رسالة التربية والتعليم، حيث كان أبا حاضنا، ومكونا وموجها نصوحا، ومرشدا ومصاحبا لأجيال متوالية من الأساتذة الطلبة. إنه المكان الذي أشار إليه في المقطع بقوله: “ها هنا“، مكررا العبارة ثلاث مرات، منبها المتلقي بقوة بحرف التنبيه “ها“، إذ يقول:

أيّها الوقتُ.. تمهَّل،

ها هنا قلبٌ يُلملمُ ما تبقّى

من ظلالِ الذكرياتْ،

ها هنا مَمْشايَ

وصوتي الذي يَذْرَع

المكاتبَ والفصول

إنه المكان الذي ربط معه الشاعر علاقة حميمية جدا، لم يكن فضاء عمل فقط، بل كان فضاء يملأ حياة الشاعر، ويغمر قلبه، ويسكن وجدانه، فضاء نسج فيه الشاعر المربي علاقات إنسانية، وصداقات راقية، جعل منها ورودا تنبت سامقة بفضاء العمل، فصولِه وجنبات ممراته، وأروقته. كل ذلك أضحى الآن ذكريات منقوشة في ذاكرة الشاعر ومخيلته الرحبة، ذكريات تقفز من الذاكرة كلما انعزل، وتأمل، واختلى. فما أجمل أن تكون لنا ذكريات جميلة نحيا بها، ونستل منها لحظات كلما ضقنا ذرعا من واقع يبعث على اليأس والكآبة، ويشعل فتيل الألم. فالشاعر في هذا المقطع الذي قد وثّق فيه كل اللحظات الجميلة التي قضاها بفضاء العمل، يؤكد أنه كان فضاء مليئا بالبهجة والحلم، إذ يقول:

هاهنا قافيةٌ لضَحْكةٍ

تَركْتُها مُعلَّقةً

على النَّوافذ والْمَمرَّات

ها هنا نَسجْتُ حُلْمي شَوْقاً

يُشبهُ وَهْجَ الْبِداياتْ..

إنه حلم متوهج، مشتعل، قد اكتسح وجدان الشاعر معلنا عن بداية حياة جديدة، حلم شبيه بحلم البدايات، عندما كان الشاعر طفلا بريئا منطلقا بين أحضان الطبيعة بريف تاونات الشامخة، تلهمه وديانها ووهادها وهضابها، وأشجارها الخضراء وطيورها الغناء، قول الشعر، فوقع صريعا في حبها وحبه، وظل يحمل ذكراها معه.

إن هذا النص المساويَّ نص يحتفل بشعرية الفضاء، ذلك الفضاء الذي أبرق في ذاكرة الشاعر قبل خطه حروف هذا المقطع بأقل من يوم واحد، فالإنسان يحيا بالمكان وبه وفيه، هو جزء من وعيه ولاوعيه وهويته.

بقلم نائب مدير التحرير

اترك رد