النرجسية في عالم الأدب والفن

العربي الحميدي| المغرب

قال لي ذات يوم الصديق الأستاذ والباحث كمال فهمي عبارة ظلّ صداها يتردّد في ذهني: “الأدباء والفنانون نرجسيون”. لم تكن هذه الجملة مجرد انطباع عابر، بل أثارت في نفسي سلسلة من التساؤلات التي أخذت تتعمق كلما التقيت أديبًا أو فنانًا، أو تحاورت مع أحدهم:

هل تمثل النرجسية سمتًا غالِبة على شخصية المبدع؟

هل هي شرط خفي للإبداع، أم أنها أثر جانبي لمسار نفسي وفكري يتسم بالانكفاء على الذات؟

أم أنّها مجرّد إسقاط اجتماعي قائم على نظرة أفقية متعالية إزاء هذه الفئة؟

ثم، هل أحكامنا على “النرجسية” في الوسط الإبداعي أحكام عادلة، أم أنها وليدة تصورات نمطية وسوء فهم لطبيعة الحساسية الجمالية والانفعالية لدى هؤلاء؟

تسعى هذه الورقة إلى مقاربة الإشكالية من أبعاد متعددة: نفسية، وأنثروبولوجية، واجتماعية، بغية استجلاء صورة النرجسية في الوعي والممارسة الإبداعية، والتمييز بين ما هو ادّعاء فارغ، وما هو ضرورة وجودية.

أولًا: مفهوم النرجسية بين التحليل النفسي والتداول العام

في الاصطلاح النفسي، تحيل النرجسية إلى شخصية تتمحور حول الذات، تبحث عن الإعجاب وتستدعي الاعتراف المستمر. إلا أن هذا المفهوم يتوزع على مستويين متباينين:

1. النرجسية المرضية: وهي اضطراب يتميز بشعور مفرط بالأهمية الذاتية، وحاجة مَرَضية إلى التقدير الخارجي، مع انعدام التعاطف مع الآخرين.

2. النرجسية البنّاءة: وهي مكوّن طبيعي في بنية الأنا السوية، يعبر عن احترام الذات والثقة بها، ويؤدي دورًا محفزًا على الإنجاز.

ومن ثمّ، يلزم التمييز بين النرجسية التي تمثل وقودًا داخليًا للإبداع، وبين تلك التي تُمارس بوصفها لعبة مرايا تستهدف الاستعراض لا الإنتاج.

ثانيًا: النرجسية كتجربة وجودية في الوعي الإبداعي

الفنان، في حقيقته، كائن منخرط في أعماق ذاته، لا بدافع الغرور، بل بحثًا عن المعنى. إنّه يغوص في الباطن ليستخرج من مادته النفسية ما يقدّمه للعالم. وهذه العملية تفترض قدرًا من النرجسية الإبداعية، تتجلى في:

الإيمان بفرادة التجربة الذاتية: فالمبدع لا يتحرك إلا انطلاقًا من قناعة بأن ما يراه أو يشعر به يستحق أن يُمنح للآخرين.

الجرأة على التعبير والانكشاف: وهي صورة من الإيمان الراسخ بالذات، تنطوي على قدر من تمجيدها.

التحرر من أنساق الجماعة: وهو ما يضعه في صدام محتمل مع السائد، فيُفسَّر اجتماعيًا بوصفه تمركزًا حول الذات.

ثالثًا: المجتمع وتمثّلاته للنرجسية الإبداعية

في المجتمعات التقليدية أو ذات النزعة الامتثالية، يُقابَل الفنان بريبة، ويُنظر إليه كغريب أو متمرّد، وربما متعالٍ. وتُفهم الحساسية المفرطة، والجرأة في الإفصاح عن الذات، والانغماس في الألم أو الجمال، على أنها أعراض نرجسية. غير أن هذه السمات قد لا تعكس تمركزًا أنانيًا بقدر ما تعبّر عن حساسية وجودية فائقة أو عن قدرة مضاعفة على إدراك العالم.

رابعًا: البعد الأنثروبولوجي؛  الفنان ككائن طقوسي

في المجتمعات القديمة، كان المبدع  شاعرًا أو حكّاءً أو رسامًا  يؤدي وظيفة رمزية تماثل وظيفة الكاهن أو الساحر. كان الناطق باسم الماوراء، والمجسّد لصوت الجماعة، والمتنبئ بمآلها. وقد كانت له منزلة مخصوصة تكتنفها المهابة والغموض، وكانت ما نسميه اليوم “نرجسية” جزءًا من هذه الوظيفة الرمزية. والسؤال هنا: هل نخلط في حاضرنا بين السلطة الرمزية للمبدع و”النرجسية” بالمعنى السلبي؟

خامسًا: الإبداع بوصفه فعلًا شفائيًا

يبدع كثير من الفنانين والأدباء في لحظات النزيف الداخلي والصراع النفسي. وفي هذه الحالة، يغدو العمل الفني أو الأدبي طقسًا علاجيًا يعيد بناء الذات. وهذا المسار العلاجي يتطلب عودة متكررة إلى الداخل، وتأمل الجراح، وصياغتها في لغة خاصة؛ وهو ما قد يُترجَم اجتماعيًا إلى نرجسية، لكنه في جوهره فعل تطبيب للروح.

سادسًا: متى تتحول النرجسية إلى خطر على المبدع؟

تصبح النرجسية عائقًا حين تتحول من طاقة دافعة إلى عبء نفسي، وذلك في حالات:

البحث المحموم عن الاعتراف الخارجي بدل استمداده من الداخل.

الغرق في الذاتية حدّ الانفصال عن العالم.

الانشغال بصورة الذات أكثر من الانشغال بالفعل الإبداعي نفسه، فتصير الذات صنمًا يُعبد لا أداة خلق.

عند هذه المرحلة، تتحول النرجسية إلى قيد يهدد الإبداع، وربما يجهز عليه.

ليس كل فنان أو أديب نرجسيًّا، ولكن لا مبدع حقيقيًّا إلا ويعبر بوابة الذات ليصل إلى العالم. فالنرجسية – إن وُجدت – ليست دائمًا عِلّة، بل قد تكون وقودًا لرحلة مضنية في أعماق النفس. ويبقى السؤال مفتوحًا: هل نعاتب الفنان لجرأته في التعبير عن ذاته، أم نحاسبه حين يفقد زمام السيطرة على “أناه”؟

بقلم رئيس التحرير

شاهد أيضاً

اللسان الشعبي المغربي بين الأصالة والانحراف

العربي الحميدي| المغرب تعيش اللغةُ المغربيةُ الدارجةُ اليوم مرحلةً دقيقةً من التحوّل السريع والمربِك. فمنذ …

اترك رد