لحسن ملواني| المغرب

قراءة أولية في ديوان ” قصير فستان صبري” للشاعرة ميادة مهنا سليمان
الشعر الحديث شعر التجارب، عالم مفتوح أغنى الشعر العربي حين ابتعد عن قيود الشعر العمودي التي تطوق الشاعر وتضيق عليه دائرة الانطلاق الحر الذي يسع ما تجيش به ذواتنا من مشاعر المودة والعشق والألم والأمل…
وإذا كان الغلو وتجاوز الحدود في الأمور يسيء إليها فإن بعض الشعراء جعلوا أشعارهم الغازا تقرأ ولا تفهم، وتظل طلاسم باسم التجديد، لا قارئ ولا مستمع إليها.
فخير الشعر في اعتقادنا المكتوب بلغة وأسلوب السهل الممتنع، الذي يجعلك تتفاعل معه تفاعلا وكأنك كاتبه. ينطبق ذلك على ديوان” قصير فستان صبري” للشاعرة ميادة مهنا سليمان، وهو ديوان صادر عن دار المتن سنة 2024م. وهو ديوان تتوزعه قصائد كثيرة قصيرة مما حوله إلى حديقة متنوعة الورود الزهرات والشجيرات، ليجد فيه عاشق الشعر فسحة بين عوالم مختلفة ينتقل به بعضها إلى بعض فلا يمل بل يستمتع مسافرا على جناح أخيلة الشاعرة وهي تجول به في ما تنسجه رؤاها وعواطفها وتأملاتها عبر أسلوب اكتسبته باحتكاكها بعالم الشعر قراءة وكتابة. تقول في قصيدة “انتظرتك”:
انتَظرْتُكَ
تَحتَ فَيءِ قَصِيْدةٍ
هزَزْتُ جَذعَ الاشتياقِ
تسَاقطتْ أوراقُ صَبرِي
لمَاذا تأخَّرتَ؟
مرّت سُنونواتُ الصَّباحِ
سَلَّمْنَ عَلَيَّ
غازَلَني عُصفورٌ عَاشِقٌ
ألنْ تَغارَ؟
بِحَقِّ اللهِ.. أينَ أنتَ؟
أينَ قهوةُ الحُبِّ؟
أينَ “صَباحُ الخيرِ يَا حَيَاتِي” ؟
أَدَلَالٌ أمْ رَدَّكَ الكسَلُ
فَنَسِيتَنِي وَنِمْتَ!
قصيدة قصيرة موشاة بعبارات جميلة جعلت منها الشاعرة حقلا حين شكلتها من معجم جله من أجمل عناصر الطبيعة:الفيء، الجذعـ أوراق، سنونوات، عصفور، صباح…
وبذلك تصير القصيدة المعبرة عن انتظار الشاعرة لوحة تشكيلية تضج بالحياة، متفاعلة معها، شاعرة بما تشعر به من لواعج الشوق والحنين مما جعلها تطرح أسئلة متلاحقة عن المنتظر بغية معرف أسباب تماطله وتأخره عن ميعاد توافقا عليه: ألن تغار؟ أين قهوة الحب؟ أين صباح الخير يا حياتي؟ أدلال أم ردك الكسل، فنسيتني ونمت؟؟
القصيدة بهذا النفس قصيرة لكن أبعادها متسعة للتصور والتخيل المفتوح.
إن هذا الاشتياق والشغف بملاقاة المنتظر، يدفعها لتصل هذه القصيدة بقصيدتها الموالية، وكأنها لم تشف ترو ظمأها وتحتاج إلى مزيد من الكلام عن هجران وابتعاد أذاقها نوعا من الحرمان بمنطق التعقل والاحتراز، وهو ما نجده من أوامر وطلبات الشاعر لمخاطبها للاقتراب منها في قصيدة “اقتحمني عشقا”
لَاتَكُنْ هَادِئًا
لَاتَكُنْ عَاقِلًا
مُدَّ لِي يَدَكَ
وَاصعَدْ مَعِي دَرَجَ الجُنونْ
مَا الشِّعرُ تِلميذٌ عَاقِلٌ
وَلَا الحُبُّ طِفلٌ هَادِئٌ
كِلاهُمَا بَحرٌ هَائِجٌ
غَاضِبٌ تَارَةً
وَتَارَةً حَنونْ
كُنْ شَقِيَّاً عَابِثَاً
تَعَالَ نَلعَبُ
فَوقَ رَوابِي اللُغَةِ
يَطيبُ لِيَ القَفزُ
عَلى البَاءِ
يَطيبُ لِيَ الاخْتِباءُ
خَلفَ حَرفِ النُّونْ
مُدَّ لِي يَدَكَ عَبرَ المَدَى
وَاهزَأ بِالمَسافاتِ وَالحَواجِزِ
اُصرُخْ مِن بَعيدٍ:
أُحِبُّكِ..أُحِبُّكِ
دَعْهَا تُعانِقُ الفضاء
تَعَالَ اِقتَرِبْ مِنِّي قَليلًا
دَعنِي أُعدِيكَ
بِأنفَاسِ العِشقِ الثَّائِرْ
تَعالَ اقتَرِبْ مِنِّي قَليلًا
وَخُذْ مَنِّي فيروسَ جُنونِي
سَافِرْ فِي أَحلَامِي
اِهْنَأْ فِي ذَاكِرَتِي
وَاخلُدْ لِلنَّومِ
فِي قَصْرِ عُيونِي
تَعَالَ اقتَرِبْ مِنّي قَليلًا
خُذْ قَبَسَ الشَّيطَنَةِ الشِّعريَّةْ
خُذْ حَفنَةَ فَرَحٍ
وَاغرِسهَا فِي قَلبِكَ
شَجْرَةَ لَوزٍ أَو عِنَّابٍ
أو نَبتَةَ وَردٍ جُوريَّةْ
تَعَالَ كَيفَما شِئتَ!
تَعَالَ غَازِيَاً فَارِسيًّا
تَعَالَ فَاتِحَاً إغريقِيَّا
تَعَالَ اقْتَحِمنِي عِشقًا
خُذْ مِنّي أَكَاليلَ الغَارِ
وَوَحِّدْنِي فِيكَ
فِي قُبلَةِ شَوقٍ وَردِيَّةْ.
وتواصل الشاعرة خطابها إلى المعني به معاتبة إياه واصفة إياه بأجمل النعوت، فهو عبق الورد وطعم الشهد، وسحر الشام…
والشاعرة بتنويع صفات الموصوف الواحد تجعل القصيدة حلوة يسيرة الفهم شفيفة العبارات بعيدا عن التركيبات التي يصعب استحضار ما تنطبق عليه وتحاكيه.
الشاعرة جعلت قصائدها جرعات إبداعية سهلة الفهم تقتحمك فتنخرط في الدوائر التي ترسمها وتشاركها المشاعر التي تدفع بها للبوح وطرح ما يحتدم بين جوانحها. تقول في قصيدة” اسْأَلْ مِرآتِي !”
لَا شَمسَ لِصُبحِكَ
لَا أُنسَ لِرُوحِكَ
لَا قَهوَةَ بَعْدَ الآنِ
لَا بَهجَةَ.. لَا سَلوَى
يا عَبقَ الوَردِ
يا طَعمَ الشَّهدِ
يا سِحرَ الشَّامِ
يا ألطَفَ
مِن نَسْمَةِ بَرَدى
كيفَ يهونُ عَليكَ خِصَامي؟
في بُعدِكَ
جفَّتْ سَاقِيَةُ الأَفرَاحِ
فِي بُعدِكَ
كُلُّ صَبَاحٍ أَضحَى
ظُلمَةْ
كُلُّ مَسَاءٍ طَعمُهُ
دِفلَى
إنْ رُمْتَ وِدَادًا
دَلِّلْنِي..
غَازِلْني..
خَبِّئْ لِي
في جَيبِ فُؤادِكَ
بَعضَ سَكَاكِرِ
أو شُوكولَا
أو عُلبَةَ حَلْوى
فأنَا فِي عَينِكَ
قَدْ أَبْدو أُنثَى نَاضِجَةً
لَكِنْ… فِي عَينِ المِرآةِ
أنَا جِدًّا
أنَا جِدًّا طِفْلَة!
وتتميز قصائد الشاعرة بالتكرار في الأمر والسؤال، والعتاب، وهي في ذلك تنسج خطابا مباشر لا يخلو من جمالية التعبير على بساطته، مما جعلنا ننعت أسلوبها بالسهل الممتنع الذي هو حسب معجم المعاني :السَّهل الذي لا يمكن تقليدُه أو مضاهاته، ما يحتاج إلى رويَّة وتدبُّر
” وهو حكم نقدي يدل على كون الشاعر أو الكاتب تعدى دائرة البساطة إلى العمق الذي يمكن إدراكه من قبل قارئ عادي أو قارئ نخبوي. مما جعل السهل الممتنع يقع في رتبة بين السطحي والنخبوي من الأساليب.
ويلاحظ غلبة هذا الأسلوب على قصائد الديوان بلا استثناء، تقول الشاعرة في قصيدة “مُزَارِعٌ فَاشِلٌ فِي بُستَانِ الحُبِّ”
كُنتَ فِي قَلبي
الآخِرَ وَالأوَّلا
أيَا مُزارِعًا فاشِلًا
فِي بُستَانِ الحُبِّ
تَشكُوكَ
شُجَيرةُ لِقائِنا المُتيَّمة
يَشكُوكَ
النَّدى وقُبُلاتُنا المُبلَّلة
يَشكُوكَ
فَرَاشُ الاشتِياقِ
تَشكُوكَ
زُهُورُ عِناقِنا المُدلَّلة
ألَسْتَ مَنْ وَأَدَ البسمَةَ
ألَسْتَ مَنْ سَبَى الفَرحَةَ
ألَسْتَ مَنْ ذبَحَ الحُبَّ
فِي رُوحِي وَحَلَّلا؟
فبِاللهِ يَا ظَالِمي خَبِّرنِي:
مَنْ زرَعَ الأشوَاكَ
فِي بُستانِ قَلبي
وَهَلَّلا
أَيَحِقُّ لهُ أنْ يعجَبَ
إنْ لمْ يقطِفْ مِنهُ يومًا
قَرَنفُلا؟!
الديون مفعم بقصائد العشق والرومانسية عبر بث المشاعر المتدفقة من قبل شاعرة تتذوق العبارة، وتكتوي بسحر الشعر في أبعاده الوجدانية والتخييلية والجمالية، وتجربتها تجربة فريدة من حيث قدرتها على التعبير المبني على استعارات ومجازات وتشبيهات قريبة منا من حيث استيحائها من البيئة التي تعيش فيها الشاعرة والتي تتقاسمها مع قرائها وقارئاتها في كل البقاع.
عناقيد عناقيد، موقع ثقافي فكري جامع مستقل.