العربي الحميدي| المغرب

حين يخرج الفن الشعبي من الفن الهادف إلى الفن الإباحي كالنار من قمقم الشيطان
يُعدّ الفن الشعبي من أبرز القيم التي تعكس مخيال المجتمع ووجدانه، إذ كان عبر التاريخ حاملًا لرسائل جماعية، ومعبّرًا عن القيم، والهموم، والطقوس، والهوية. لكنه اليوم، في زمن السرعة والاتّجار، يواجه تحديًا يتمثل في انزلاقه من خانة “الفن الهادف” إلى فضاء “الفن الإباحي”، لا بوصفه تعبيرًا حرًّا عن الجسد والحياة، بل كأداة للإثارة الرخيصة ومظهرٍ من مظاهر الابتذال.
هذا الانزلاق يشبه خروج النار من قمقم الشيطان؛ نارٌ تُبهر العين وتُحرق الأخلاق.
تسعى هذه الورقة إلى قراءة هذا التحول من منظور أنثروبولوجي وجمالي، فاحصةً أسبابه، تجلياته، ورهاناته، متسائلة عن إمكانية استعادة الفن الشعبي لأصالته ورسالته.
ظلّ الفن الشعبي، منذ نشأته، تعبيرًا حيويًا عن الذات الجماعية، مرتبطًا بالحياة اليومية للمجتمعات في الأعراس، المواسم، الحقول، وحتى في الجنائز. كان يحمل شفرات ثقافية مشحونة بالدلالات، يعبّر من خلالها الناس عن الأمل، والخوف، والحب، والغربة، والاحتجاج. ولم يكن الفن الشعبي منفصلًا عن القيم؛ بل كان محمولًا على أكتاف الجماعة، ممزوجًا بموروثها الروحي والرمزي.
مع هيمنة الرقمنة وشبكات التواصل، أصبح الفن الشعبي سلعةً تُروّج على نطاق واسع، محكومةً بمنطق السوق. لم يعد المبدع الشعبي ينتج من داخل الجماعة، بل صار جزءًا من آليات العرض والطلب. وهنا بدأ الذوق يتحوّل، إذ صارت الجماهير لا تستهلك ما ينتمي بالضرورة إلى وجدانها، بل ما يقدّمه السوق بوصفه “رائجًا ومثيرًا”. وهكذا بدأت ترتفع أسهم الابتذال، وتُغيّب القيم الفنية والجمالية لصالح الربح المادي السريع.
على مرّ العصور، في الفنون الشعبية التقليدية، كان الجسد يُقدَّم ضمن نسق رمزي في الرقصات الطقوسية، والإيماءات، واللباس، والحركة. أمّا اليوم، فقد انتقل التعبير الجسدي من الرمز إلى العُري المجاني، ومن الإيحاء إلى الإفضاح. وهنا يكمن التحول الخطير؛ إذ لم يعد الجسد معبّرًا عن الحياة، بل صار أداةً للاستهلاك.
لقد أصبح الفنان الشعبي اليوم، في كثير من الحالات، لا ذاك الراوي أو الحكواتي أو الحامل لصوت الجماعة، بل تحوّل إلى منتَج بصري-صوتي هدفه إثارة الانتباه، وجلب المتابعة، وتحقيق الربح. وفي هذا السياق، تشكّلت “نجومية شعبية هجينة” لا تقوم على الموهبة أو الرسالة، بل على القدرة على الصدمة.
إنّ تجارة الفن الشعبي بهذا الشكل قد أفرغت الثقافة الجماهيرية من محتواها، وأسهمت في نشر خطابٍ جسديٍّ استهلاكي يُكرّس صورًا سلبية عن المرأة، والهوية، والذوق. كما ساهمت في إعادة إنتاج التهميش الثقافي، عبر تصوير الشرائح الشعبية وكأنها لا تستهلك إلا المبتذل والرخيص، وهي صورة مجحفة لا تعكس تعقيد الواقع.
ورغم هذا المشهد القاتم، يبقى الأمل قائمًا في بروز تجارب فنية مقاومة، تُعيد للفن الشعبي مكانته الرمزية والروحية، لأنه مرتبط بواقع الحياة المعيشة.
أعتقد أن تحوّل الفن الشعبي من حاملٍ للرسالة إلى أداةٍ للابتذال ليس سوى نتيجةٍ لتحولات معقّدة في الذوق العام، والاقتصاد الثقافي، والبنية الاجتماعية.
ويبقى السؤال مطروحًا: كيف الخروج من هذه الدوّامة الجوفاء؟
عناقيد عناقيد، موقع ثقافي فكري جامع مستقل.