العربي الحميدي| المغرب

حين يصبح التحرير التزامًا فكريًا
حين تحمّلتُ مهمة رئيس تحرير موقع “عناقيد” الثقافي، لم أرَ أن الأمر مجرّد مهمة تقنية، بل رأيتُ فيه التزامًا فكريًا وأخلاقيًا يتجاوز حدود عمل التحرير. إنها مسؤولية طرح الأسئلة التي يتردد صداها في الشارع، وتخنق صدر بعض الأصوات الحية في المجتمع المغربي؛ إنها تلك الأسئلة التي نادرًا ما تنال ما تستحقّه من تحليل وتفكيك.
من هنا، قررتُ أن أفتح ملفات أراها من أكثر القضايا إلحاحًا للطرح في مغرب اليوم، ألا وهي التحوّلات الاجتماعية.
وهنا، لا أروم تقديم أجوبة أو خلاصات نهائية، بل أطمح إلى إثارة الأسئلة التي لم تُطرح بما يكفي من دقة وعمق، أو تلك التي طُرحت ثم تُركت دون ما يلزم من انتباه وتأمّل.
قد يقول قائل: لماذا الآن؟
لأن ما أراه، وأحسّه، وأسمعه يوميًا، يؤكّد لي أن المغرب الذي أعيش فيه سنة 2025، لم يعد هو نفسه الذي كنتُ أعرفه قبل ثلاث أو أربع عقود.
هناك تصدّعات صامتة، وأخرى عميقة وعنيفة، تمسّ الأسرة، وأدوار الجنسين، وصورة الدين، ووظيفة المدرسة، وبنية الحيّ، ونسق القيم.
تبدّلت لغة التعبير، وتغيّرت علاقتنا بأجسادنا وذواتنا أيضًا، وتفكّكت الروابط التقليدية، وولدت أخرى، ما زلنا نعيش دوّامتها ولا نعرف ملامحها بعد.
في قلب هذا التغيّر، يبدو أننا نعيش حالة “خروج من شرنقة” لإعادة التفاوض الجماعي حول معنى العيش المشترك، في ظل سلطتين قويتين (المادة والمعنى) تزدادان غموضًا، وهوية تتآكل، وانتماء يتقلّب، ومستقبل لم نعد نراه كما كنّا في السبعينيات والثمانينيات.
هذا التحوّل طبيعي، لكنه يطرح أسئلة كبرى، نلخّصها في ملف ضخم:
1. الأسرة:
ما الذي تبقّى من حرمة البيت؟ وهل أصبحت الأسرة المغربية بنية هشّة مهدّدة بالانفجار، إن لم تكن قد انفجرت فعلًا؟
2. الشباب:
هل بات “حلم الشباب المغربي” الجديد هو مغادرة الوطن؟
3. المرأة:
هل تنعتق من القيود فعلًا، أم تُعاد برمجتها داخل أقفاص مرقمنة؟
4. اللغة والهوية:
إلى أي مدى ما زلنا نتكلّم بلهجة نفهمها، ونفكّر بلغة لا تخصّنا؟
5. الدين:
هل انتقل التديّن من تجربة جماعية إلى حالة فردية مائعة ومربكة؟
6. الرقمنة:
هل منحتنا حرية أوسع، أم حبستنا في أقفاص التشييء والمراقبة؟
7. المدرسة:
ماذا تبقّى من وظيفة التنشئة في مؤسسات لا تُقنع تلميذًا، ولا تُنتج معرفة؟
8. الفضاء العمومي:
كيف نعيش اليوم في الحيّ، والسوق، والمقهى وباقي الفضاءات؟
9. الفن والثقافة:
هل لا تزال قادرة على تفكيك الواقع وفتح أفق مختلف؟
10. العنف الرمزي:
لماذا تحوّل خطاب الشارع إلى مزيج من التهكّم، والتنمّر، والانفعال؟
كلمتي الأخيرة:
بصفتي رئيس تحرير، وبوصفي مثقّفًا قبل كل شيء، فإن دوري لا يقتصر على متابعة ما يجري، بل يتمثّل في مساءلته، وتفكيكه، والدفع نحو وعي أعمق بما يمسّ نسيجنا الجماعي.
لا أدّعي امتلاك الحقيقة، لكنني أؤمن أن الحقيقة لا تُختزل في صيغة واحدة، بل تُبنى في حقل من الأسئلة الذكية، ومن تعدّد القراءات واختلاف الزوايا.
ما أكتبه ليس تحليلًا نهائيًا، بل دعوة للتأمّل، والتساؤل، وللقلق المشروع.
لأنني أؤمن أن القلق هو شرارة الفكر، وأن سؤالًا واحدًا صادقًا قد يكون أبلغ من مئة جواب متسرّع.
بقلم رئيس التحرير
عناقيد عناقيد، موقع ثقافي فكري جامع مستقل.