في مديح القبح: الفن في مرآة الإستتيقا المضادة

عز الدين بوركة| المغرب

  • مدخل: قبح الجسد وقبح الروح

على مر تاريخ الفن ظلّ القبح (la laideur) وجهًا منسيًا في التجربة الإستتيقية (الجمالية)، غائبًا عن اهتمام الفلاسفة والنقاد، وكأنّ الفن لا يليق به سوى أن يتغنّى بالجمال (la beauté)، ويعلي من الجميل، المرادف للنبيل والصالح أو الجيد (le bien) والحسن (le bon)، عكس القبيح (Le laid) الذي تلتزم به صفات الخبيث والسيء[1] ((le mauvais. بينما يُرجع القبح إلى النقص والتشويه أو كأثر بسيط مطبوع بخيبة أو ندم، كأنما القبح لا يستحق مرتبة وجودية مستقلة، بل يُعرَّف فقط من خلال نفي الجميل أو باعتباره حالة سالبة له. في هذا السياق، يُصبح القبح لا شيئًا في ذاته، بل مجرد نقيض بارد للجمال[2]. في وقت يُحتفى بالجمال باعتباره مرادفًا للكمال، والتناغم، والتناسق، (حتى في الإستتيقا الإسلامية[3])، ظلّ القبح يُختزل إلى مجرد نقص، أو انحراف عن المعايير المثالية، أو خلل في التناسب، أو علامة على غياب ما يُبهج ويُرضي، حيث الجميل هو مرادف الخيّر والقبيح لصيق الشرّ. ولطالما هذا الاختزال حجب عنا إمكانية النظر في القبح بوصفه حقيقة جمالية قائمة بذاتها، لا تقلّ عن الجمال عمقًا في الكشف عن الإنسان والعالم، إنما ربما تتجاوزه أحيانًا في قدرته على تعرية الواقع، وخلخلة الذوق، وطرح الأسئلة المؤرقة حول الذوق والمعنى والمعايير.

إذا ما نظرنا إلى القبح من زاوية معيارية، فسنرى أنه يُعرَّف تقليديًا بكونه غيابًا لمجموعة من الشروط الشكلية: التناسب، التوازن، الوحدة، التناغم، أو الإتقان. ففي التمثيل البصري، مثلًا، يُعتبر العمل قبيحًا إذا اختلّ فيه الشكل، أو اختلطت الأساليب بشكل عشوائي، أو غابت عنه البنية الواضحة، أو فُقِد الانسجام بين أجزائه. في هذا السياق، يصبح القبح نتيجة مباشرة لغياب ما يُنتظر من العمل الفني، سواء من حيث وفائه للقواعد أو من حيث قدرته على محاكاة الواقع بمحاكاة دقيقة. غير أن مثل هذا التعريف يجعل من الفن مجرد امتثال لقانون مسبق، ويغفل الطابع الحي والمتغير للممارسة الفنية. بينما حمل صفة القبيح مجموعة من التصاوير الفنية المتقنة تشكيليا وتصويريان بمعايير عصرها، ليس في نقصان مهارة مبدعها أو أي خدلان في تناسق عناصرها، لكن من خلال تلك الوجوه والمناظر والأفضية والأحداث والتمثلات التي عبّرت عنها وصورتها. لهذا قد حاول بعض الفنانين التفرد قليلا، والاستعانة بأساليب “التشويه” أو الغروتيسك (Grotesque)، حيث عمل كوينتين متسيس (Quentin Metsys) على عمله الشهير “امرأة عجوز غروتيسكية” (حوالي 1513)، رسم ساخر يظهر امرأة مسنة بملامح متضخّمة، كناية عن التنافر بين الصورة الاجتماعية وما تحمله من رغبة في الجمال. هذه اللوحة تبشّر ببداية القبح كوجود سيّال وجوهري، غير مقيد بمعيار الجمال الكلاسيكي للجسد.. لكنه يندرج ضمن سياق موضوعاتي، حيث اختيار رسم المرأة هو ضمن ثيمة محددة للفنان، وليس من باب تحدي للمعايير الجمالية الكلاسيكية، حيث إن “الخلط بين قبح العمل الفني وقبح الشيء الممثل فيه، وهو خلط مرفوض منذ العصور القديمة، وقاومته الكلاسيكية من جديد، والرومانسية، والواقعية، ومع ذلك، يتولد من جديد كما تُظهر الاستقصاءات والبحوث اليوم”[4].

لهذا فالقبح ليس دومًا نتيجة عجز أو فشل، إنما قد يكون خيارًا مقصودًا، وأسلوبًا في التعبير، ولغةً خاصة تنقل ما لا يستطيع الجمال التعبير عنه. فالفنان قد يُقرّر أن يكسر القواعد، أو يخرق النسب، أو يدمج ما لا يندمج، ليس لأنه يجهل تقنيات الإتقان، إنما لأنه يريد أن يُحدث صدمة، أو يوقظ الوعي، أو يُفكك تمثّلات سائدة. من هنا، لا يكون القبح مجرد نقص في الجمال، بل لغة بديلة تُعبر عن تجربة الوجود في أقصى توتراتها. إنّه ما لا يُريح العين، ولا يطمئن الحس، لكنه يوقظ الفكر، ويزعزع المسلّمات. لهذا قد اعتبرت مجموعة من المشاهد التي صورها فنانون كلاسيكيون مشاهد قبيحة أخلاقيا، لا فنيا. وهو ما تمثل غالبا في صورة المرأة. حيث إلى القرن السادس عشر، بسطت التقاليد الفكرية اليونانية والمسيحية حكمها على تصوّر المرأة، فعُدُّت البشاعة في جسدها انعكاسًا لفساد أخلاقها؛ ففي فكر أفلاطون، تحمل ولادة المرأة صفة العقاب، وحبُّها دلالة ضعف، إذ يرى أن الروح التي تُعاش عبر الجسد الأنثوي أقلّ صلابةً من الروح الذكورية. وتتفق التقاليد اللاهوتية المسيحية المبكرة مع هذا التوصيف؛ فالقديس توماس الأكويني (Thomas d’Aquin) انطلق من العلم الموسوعي السائد حين عبّر عن أن المرأة إنما هي “رجل فاشل”، ناتجة عن عيب في القوة الفاعلة للمني أو تأثير عوامل خارجية مثل الرياح الجنوبية الرطبة، وبالتالي تُعد تكوّنًا ناقصًا أو “مساحة خالية” ينقصها الكمال الذكوري، غير أن هذا لا يلغي أنها جزء من قصد الطبيعة حسب إرادة الله[5].

ترسّخت هذه النظرة في الأعمال الفنية، بداية بالعصور اليونانية القديمة حيث صنعت الأواني الخزفية والتماثيل تحيزًا واضحًا ضد امرأة تُجسّد القبح كدلالة على الخطيئة أو الضعف. تشهد على ذلك الأعمال الفنية يعكس إذًا التصوّرات الثقافية والفكرية السائدة آنذاك: المرأة في التصور اليوناني القديم، أقل من الرجل (ولم يختلف الأمر عند بعض الفلاسفة العرب لا الفقهاء فحسب، بمن فيهم الغزالي الذي استفاض وأفاد في مفهوم الجمال والجميل)[6]، وأما صورتها الفنية فتمثّل القبيح أو الغواية أو الشهوة بينما تمثل صور الرجل المثال والكمال والجمال.. والقبيح يُنظر إليه كرمز أخلاقي، وبصفته حكما وجوديا بحد ذاته؛ إذ تُخاطب صور الإغريق والرسومات المُظلِمة في الأواني الخزفية العقل الأخلاقي قبل العين الجمالية. وعبر تحليل فنّي، يظهر كيف أن الفنانين عمدوا إلى تضخيم ملامح الشيخوخة والتجاعيد والبشرة المترهلة لإيصال هذه الفكرة، بدل الاحتفاء بالحياة والأنوثة. وقد عملت أعمال النهضة وقبلها منجزات القرون الوسطى والفن القوطي، على استنساخ هذه الرؤية، وجعل من جسد المرأة -في عريه الدنيوي- تمثيلا على الخطيئة: خطيئة الاغواء.

يبرز لنا ذلك في في لوحة “إغواء القديس أنطوان”، التي أنجزها ياوشيم باتينير (Joachim Patinier) بالتعاون مع كوينتين متسيس (Q. Metsys)، ما بين 1520 و1540، والمستلهمة بوضوح من أعمال جيروم بوش (J. Bosch)، تتجسد إحدى أكثر الصور البلاغية حدة وإثارة للرمزية في الفن القوطي المتأخر: القديس يتعرض لإغواء الجسد والروح من قبل ثلاث نساء جميلات، يتزيّين بثياب فاخرة ومجوهرات باهظة، محاولاتٍ صرفه عن درب القداسة صوب دروب الشهوة والخطيئة. تحيط بالمشهد إشارات كثيفة المعنى، مثل التفاحة التي تحيل مباشرة إلى الخطيئة الأصلية، والمرأة ذات الهيئة الشيطانية التي تداعب عنق القديس، والقرد – رمز الشيطان – الذي يشدّ عباءته في محاولة لتخليعه من إرادته. هذه الأيقونية التي راجت في القرنين الخامس عشر والسادس عشر لا تقتصر على مشهد واحد، بل تعبّر عن رؤية عامة سادت مخيال العصر الوسيط تجاه المرأة، حيث تُصوَّر بوصفها أداة غواية وإرباك روحي للرجال الأتقياء. وقد تبلورت في هذا السياق أربعة نماذج أيقونية رئيسية للمرأة المُغرية: أولها المرأة الثرية التي تسعى، من خلال ثيابها الزرقاء الفخمة وحليّها، إلى إثارة شهوة التملك والدنيا؛ وثانيها المرأة الخصبة التي تجسّد الرغبة البيولوجية والجاذبية الجسدية، حيث تظهر عارية وجميلة وعذراء؛ أما ثالث النماذج فهو المرأة العادية، التي لا تملك أي سمة خارقة أو زينة زائدة، لكنها تحمل الإغواء كامنا في بساطتها، مما يرسّخ فكرة أن الشيطان قد يتلبّس حتى الوجوه اليومية؛ وأخيرًا، هناك المرأة الشيطانية، التي تكشف العلامات الجسدية فيها عن حقيقتها الشيطانية، كالأقدام المعقوفة أو ذات الحوافر والقرون. هذه النماذج، بقدر ما تكشف عن تنوّع التمثّلات، فإنها تؤكّد هيمنة النظرة التي تربط المرأة بالخطر الروحي، وتحمل في طيّاتها خطابًا ثقافيًا دينيًا يستبطن الخوف من الجسد ومن المرأة ككائن يمكنه إحداث الشرخ في مشروع الخلاص المسيحي، وتهديد بنية القداسة بالهشاشة والانهيار.

ولاحقا، بعد زمن فنين سينفتح العالم الغربي على تجربة فريدة، قد يكون لها الفضل، حسب لفيف من النقاد الدور الفعال في التبشير بالحداثة الفنية. ويتضح ذلك في أعماله المتأخرة -وعلى رأسها سلسلة “كوارث الحرب”، أنجزها ما بين 1810 و1815- قد شكلت قطيعة بصرية وجمالية مع النماذج الكلاسيكي، وأسست لما يمكن تسميته بـ”رؤية الحداثة للفظاعة”. لقد سبق لتيتيان (Titien) أن رسم “مارسياس مسلوخًا”، استغرقت منه ست سنوات ما بين 1570 و1576، كما قدّم رمبرانت (Rembrandt) -بعد مئة سنة- لوحته الشهيرة “الثور المسلوخ”، تعود لسنة 1655، وهي من أبرز الأعمال التي تقترب من تصوير لحمية الجسد في هشاشته الدموية. ومع ذلك، فإن غويا تجاوز كليهما في الصدمة البصرية التي أحدثها، إذ لم يكتفِ بإظهار الجسد كموضوع للتأمل أو الرمز، فقد عرضه ككتلة متشظية من الألم والتمزق، لا لغرض أسلوبي، إنما بوصفه شهادة عن رعب الحرب الكامن في تفاصيلها الأكثر وحشية. لقد كان رمبرانت، في عمله المذكور، يُلامس الحافة القصوى للتمثيل المأساوي، محولًا الجسد الحيواني إلى استيهام فني للمعاناة والصمت، بينما يتجاوز غويا ذلك، ليحول الجسد البشري نفسه إلى مسرح للرعب العاري، دون أي مسافة جمالية أو تعال رمزي. فلوحة “هذا أسوأ” مثلًا، تمثل صورة جسد مشدود إلى شجرة، مسلوخًا بطريقة تذكّر ببقر رمبرانت، لكن دون التباس: ليس هنا إلا لحمًا بشريًا، وصرخة كتمها النقش.

يمارس غويا بهذا عنفًا مزدوجًا على الذائقة البصرية: من جهة، يُبقي على شيء من اللغة الكلاسيكية، مستلهمًا رموزًا قديمة، لكنه يحطّم بنيتها الجمالية، ويحوّلها إلى تعبير عن الجسد المهزوم والممزق. ومن جهة ثانية، يتقاطع مع رمبرانت في تمجيد الضوء-العتمة (le clair-obscur)، لكن دون شاعرية، إنما لتكثيف الانفعال والوحشية. فبينما استخدم رمبرانت الإضاءة لإضفاء طابع تأملي على الجسد المشوّه، يجعل غويا من الظلال ستارًا للتأزم، ومن النور طعنة ضوء تكشف ما لا يُحتمل. هذا التحول لم يكن تقنيًا فحسب، فقد كان تمردًا فلسفيًا على المفاهيم الجمالية السائدة التي رسخها عصر الأنوار، خصوصًا مع فلاسفة الجمال من أمثال فينكلمان (Winckelmann) وليسينغ (Lessing)، والذين اعتبروا أن الفن هو تمثيل لـ”الجميل” في أكمل صوره. أما غويا، فإنه يُفكك هذه المفاهيم من الداخل، مقدمًا الفن كشهادة مباشرة، لا تعترف بوساطة ولا تطلب إذنًا من الذوق. وكأن “كوارث الحرب” هي نفيٌ تام للفن بوصفه زينة، وإعلانٌ عن الفن بوصفه مواجهة مباشرة مع المأساة، بل تماهٍ معها. وإذا كانت أعمال جاك كالو (Jacques Callot) في “مآسي الحرب الكبرى”، 1633، قد سعت إلى تأريخ الفظاعات في صيغة أخلاقية قانونية، فإن غويا يتخلى عن كل وساطة تفسيرية، ويضعنا أمام العري الجذري للعنف، في لحظة جمالية لا تُراد لها المتعة، إنما الهزّة والانتهاك. بهذا، لا يتأسس القبح في فن غويا بعد تشويها ممنهجا، وخلاف ذلك تجلى بوصفه حقيقة بصرية لا مفرّ من مواجهتها[7].

إن هذا التراكم التاريخي للصور القبيحة، المرتبطة غالبًا بالمرأة، لم يكن مجرد صدفة أيقونية أو انحراف فني، بل هو انعكاس مباشر للبنيات الثقافية والدينية التي ربطت بين الجسد الأنثوي وبين التهديد الأخلاقي أو الانحطاط الروحي. من خلال عدسة هذه التقاليد، أُنتجت تمثيلات قبحية مشحونة بمضامين تتجاوز البُعد البصري، لتصير حُكمًا أخلاقيًا، بل أنطولوجيا (وجوديًا) في حق الجسد المختلف، الخارج عن النموذج الذكوري المثالي. لقد أسهم الفن، من موقعه التمثيلي القوي، في ترسيخ هذه الازدواجية بين الجميل كحامل للخلاص، والقبيح كرمز للخطيئة والانحراف، مما جعل من التمثيل الفني أداة قَولبة للمعايير أكثر منه مرآة حرة للحياة وتنوعها.

لكن هذا المنظور بدأ يعرف تصدعات واضحة، خصوصًا مع ولوج الحداثة وما بعدها، حيث شرعت التيارات الفنية والفلسفية في مساءلة المفاهيم التقليدية للجمال والقبح. لم يعد القبح مجرد تشويهٍ يُفترض تصحيحه، بل تحوّل إلى تجربة حسية وفكرية بديلة، تستنطق ما لا يُقال، وتفتح المجال أمام ما سُمّي في الجماليات الحديثة بـ”الإستتيقا السالبة(l’esthétique négative)، أي تلك التي لا تحتفي بالاكتمال بل بالانكسار، ولا بالجمال المثالي بل بالواقعي الممزق. في هذا السياق، أخذت الأعمال الفنية تُظهر ما كان يُخفى، من ملامح الجسد المُسنّ، والمعاق، والمشوَّه، بل وحتى المَرَضي، كأنها تعيد للجسد الهامشي كرامته الجمالية، وتُضفي عليه قيمة تعبيرية تتجاوز الصنعة إلى العمق الوجودي للإنسان.

هذا التحول لم يكن فقط استجابة فنية، فهو انعكاس لفكر فلسفي جديد يُقوّض البُنى الكلاسيكية للذوق والمعنى، كما عند الفلاسفة مثل تيودور أدورنو (T. W. Adorno) الذي رأى في القبح وسيلة لقول الحقيقة المُرّة عن الحداثة، أو فريدريك نيتشه (F. Nietzsche) الذي دعا إلى تحطيم أصنام الجمال الأخلاقي الزائف. أو ميشيل فوكو (M. Foucault) الذي أعاد الاعتبار للجسد الجنساني والمجنون والمريض.. فالقبح، إذًا، لم يعد يُفهم كنقيض للجمال، إنما بعده جمالا من نوع آخر، جريء، صادم، مُحرّر. ومن هنا، يصبح العمل الفني القبيح ـ إذا ما حمل صدقه التعبيري ورؤيته الجمالية المتمردة ـ ليس فقط مشروعًا فنيا مختلفًا، إنما موقفًا نقديًا من العالم، وتعبيرًا عن الهشاشة العميقة للوجود البشري، وهي الهشاشة التي تحتفي بها الفقرة الأخيرة كأفق جديد للفن القبيح، يمنحه مشروعيته الكاملة في الحقل الجمالي.

من هذا المنظور، يمكن القول إنّ العمل القبيح يكتسب أحيانًا قوته من هذه القدرة على خلق الانزعاج، واستفزاز المتلقي، ودفعه إلى إعادة التفكير في ما يعتبره “جميلًا”. ومن هذا المنظور، يمكن القول إنّ العمل القبيح يكتسب أحيانًا قوته من هذه القدرة على خلق الانزعاج، واستفزاز المتلقي، ودفعه إلى إعادة التفكير في ما يعتبره “جميلًا”. فالجمال، حين يتحوّل إلى نظام مغلق من المعايير، قد يُنتج تواطؤًا بصريًا يُغلف الواقع ويُهذّبه، بينما القبح يملك قدرة نادرة على كسر هذا التواطؤ وكشف تشققات الحياة، وانهيارات المعنى، وجراح الكينونة. من هنا، نجد في بعض الأعمال “القبيحة” أصالة تعبيرية تكشف عن عمق وجودي لا يقل شأنًا عن البهاء البصري.

  • حدود الجمال وجغرافيا القبح

إذا كانت بعض الأعمال تُوصف بالقبح، ومع ذلك تُعترف بها كأعمال فنية، فإن هذا يطرح تساؤلاً حول الخصوصية التي تميز هذه الفئة من الإنتاج الجمالي. فهل يُمكن القول إن للعمل الفني القبيح طبيعة استثنائية تجعله يُدرَك بوصفه فنًّا رغم ما يثيره من نفور أو استياء؟ وإذا كان تقبّل هذا العمل مرتبطًا بسياق زماني أو اجتماعي معيّن[8]، فإن اعتباره فنًّا لا ينفصل عن شروط تلقيه. من هنا تبرز ضرورة التساؤل: ما الذي يُضفي على العمل القبيح طابعَه الفني؟ هل يتعلق الأمر بطبيعة الموضوع الذي يتناوله، أم بأسلوب معالجته التشكيلية والبصرية؟ إنّ هذا السؤال يستدعي مقاربة جمالية وسوسيولوجية تستكشف الحدود المتحركة بين القبح والفن، وتعيد النظر في معايير التذوق الجمالي السائدة.

عندما تناول الفيلسوف والمنظّر النقدي تيودور أدورنو البعد الاستراتيجي لاستخدام القبح في الفن، خصّص لذلك فصلاً بالغ الدلالة ضمن مؤلفه “النظرية الجمالية” تحت عنوان: “الجانب الاجتماعي وفلسفة تاريخ القبح”. وفي هذا السياق، كتب أدورنو: “على الفن أن يوجه انتباهه إلى ما وُسم في القائمة السوداء بوصفه قبيحًا… لكي يدين، من خلال القبيح، العالم الذي أوجده ويعيد إنتاجه على صورته”[9]. ويستحضر أدورنو هنا أثر الفيلسوف كارل روزنكرانز[10]، أحد تلامذة هيغل، مذكّرًا بعنوان عمله التأسيسي: “جماليات القبح”، ومؤكدًا أن القبيح، مهما بدا منفّرًا أو صادماً، يجب أن يكون قادرًا على أن يُشكّل لحظة جمالية وفنية. إلا أن هذا البعد الجمالي والنقدي للقبح لم يلقَ ما يستحقه من اهتمام في الدراسات الأدورنية المعاصرة، رغم أهميته في فهم التحول الجذري في مفهوم الفن عند أدورنو.

في ضوء هذا التصور، يبدو القبح لدى أدورنو ليس مجرد نفي للجمال أو انحراف عنه، فهو استراتيجية نقدية ووسيلة مقاومة رمزية. إنه انعكاس لتشوهات العالم، وتمثيلٌ صريح لأزمة الحداثة، بما تحمله من اغتراب وتشييء وخراب داخلي. فالفن، في نظر أدورنو، لا يمكن أن يُمارس من موقع الجمال الخالص في عالم مثقل بالقبح الواقعي. بل إن الفن الحقيقي هو الذي يُحيل على التناقض، على القبح المشوّه الذي يُجبر المتلقي على مواجهة الواقع لا تجاوزه. بهذا المعنى، يتحول القبح إلى أداة تفكيك ونقد للمجتمع القائم، ويُصبح الفعل الجمالي ذاته فعلاً سياسياً، يفضح المعيش ويعريه بدل تزيينه. وهنا تتلاقى فلسفة أدورنو الجمالية مع مهمة الفن الطليعي، الذي لا يسعى لإرضاء الذوق، إنما لخلخلته وفضح أسسه.

القبح، إذن، ليس نقصًا، إذ يصير إمكانًا. إنّه يكشف عن حدود الجمال، ويُعيد مساءلته. فما الذي يجعل عملًا ما جميلاً؟ هل هو الوفاء للمقاييس الشكلية؟ أم القدرة على التأثير في المتلقي؟ أم التفرّد والفرادة؟ في سياق البحث عن إجابات لهذه الأسئلة الإشكالية، كان فريديريك شليغل (Schlegel) أول من أشار إلى مسألة القبح باعتبارها مشكلة مركزية في علم الجمال (الإستتيقا)، خاصة في الأدب الحديث؛ فكتب: “القبيح هو الميزة الغالبة والكلية للطابع، للفرد، للمثير للاهتمام، للبحث الذي لا يَقنع ولا يَرضى بأي جديد، للّاذع، وللمذهل”[11].

 وإذا كان الجمال قد ارتبط تاريخيًا بالبهجة، والتناسق، والسلاسة، فإن القبح، في المقابل، يُحرّك مشاعر أخرى لا تقل أهمية، مثل القلق، والانقباض، والدهشة. هذه المشاعر قد تكون أكثر انسجامًا مع زمن مضطرب، متشظٍّ، يعجز فيه الجمال التقليدي عن التعبير عن التجربة الإنسانية المعاصرة بكل عنفها وفقدانها وتفككها. غير أنه “قد تكون بعض الأشياء معروفة جيدًا دون أن تُدرك بالضرورة بمعناها الكامل ونطاقها الكامل. وهذا هو الحال مع القبح. فعلى مدى قرن من الزمان، طورت الثقافات الأوروبية ونشرت على نطاق واسع نظرية الفنون الجميلة وقواعد الذوق السليم وعلم الجمال، لكن مفهوم القبح، على الرغم من أنه تم التطرق إليه في كل مكان، ظل متأخرًا نسبيًا”[12].

في هذا السياق، قد نعيد النظر في العلاقة بين القبح والذوق. فإذا كان الذوق يُعدّ معيارًا جماليًا، فهل يمكن أن يتغير تبعًا لتحولات اجتماعية وثقافية؟ القبح، في إحدى وجوهه، هو تمرد على الذوق الجماعي، وهو ما يجعل بعض الأعمال التي اعتُبرت قبيحة في زمنها، تُعدّ اليوم من علامات الحداثة والتجديد. بالإضافة إلى ذلك، فإن “من خصائص الإنسان أن يصدر أحكامًا ذوقية ذات طابع ذاتي، تُمكّنه من التمييز بين الجمال والقبح. وللتأكيد على نسبية الذوق، يشير هيغل إلى تغير معايير الجمال والقبح تبعًا لاختلاف الأمم: فالصيني يتصور الجمال بشكل مغاير للسوداني، والسوداني يختلف في ذلك عن الأوروبي، الذي قد يرى في أعمال الشعوب المسماة “بدائية” أصنامًا شديدة القبح، وقد يسمع موسيقاهم كما لو كانت ضجيجًا فظيعًا ومزعجًا”[13]. فالذوق، إذن، ليس معيارًا ثابتًا، فهو جهاز حساس يتأثر بالتغيرات الاجتماعية والسياسية والفكرية، ما يجعل من القبح –في لحظة ما– أداةً لتجاوز المألوف، وانبثاق جديد للممكن الفني.

ولعلّ المفارقة الكبرى تكمن في أن “القبح” قد يتحوّل إلى “جمال جديد”، حين تتغير الأذواق، وتتوسع المدارك، وتُعاد كتابة القيم الجمالية. كم من عملٍ فنيّ صُفِع بالرفض أول ظهوره، ثم أصبح لاحقًا موضع احتفاء ونقاش واستلهام؟ إنّ تجربة القبح تُعلّمنا أن الفن لا يخضع لقوانين جامدة، إنما هو مجال للتجريب والانفلات، ومختبر لإعادة تشكيل الحواس، وتوسيع مفهوم الحساسية الجمالية.

وهكذا، لا يعود القبح شيئًا سلبيًا أو غيابًا لما هو جميل، إذ يصبح مقولة إستتيقية قائمة بذاتها، حاملة لمعانٍ وجودية، وقادرة على التعبير عن أبعاد من الحياة لا يمكن للجمال أن يلتقطها وحده. إنّ العمل الفني القبيح -متى ما كان نابعًا من رؤية صادقة وأسلوب متماسك- قد يُحدث أثرًا أكثر عمقًا من عمل جميل يُكرّر معايير مألوفة ويُكرّس تواطؤًا بصريًا. فالقبح، حين يُوظَّف فنيًا، قد يكشف عن قبح العالم، عن تشوهه، عن جراحه، ويُعيد إلينا وعينا الناقد لما حولنا. من هذا المنطلق تحديد تُبرِز أطروحة نيتشه -أحد الفلاسفة المؤثرين في الفن المعاصر- تصوّرًا محوريًا مفاده أن مهمة الفن الأساسية هي “منح الحياة بعدا إستتيقيا” [“تجميل الحياة” -إن بتعبير نيتشه]؛ أي أن الفن لا يُعنى بمجرد عكس الواقع كما هو، إنما يتجاوزه ليمنح الوجود طابعًا أكثر احتمالًا، وربما أكثر سموًا. وفي إطار هذا التصور، يؤكد نيتشه أن الفن يجب أن “يُخفي أو يُعيد تفسير كل قبح”[14]، ما يدفعنا إلى طرح سؤال جوهري: أليس من الأسهل -بل ومن الأكثر صدقًا- أن يُظهر الفن الحقيقة كما هي؟ تعمل نظرية نيتشه الفنية هذه، على منح الإنسان، من حيث امتلاكه لإرادة القوة، القدرة على إعادة اختلاق العالم، ونقد وانتقاد كل ما يعرق تربية الإنسان الفائق المتعالين القادر على تجاوز كل “قبح العالم”.. والقبح هنا ليس بمعنى ضد “الحسَن” و”الخيّر”، فقدر أي هذا الفيلسوف “ما وراء الخير والشر”، لهذا يواصل مقولته قائلا بأن مهمة الفن أن “يُظهر، في ما هو قبيح حتمي أو لا يُقهر، جانبه الدالّ والمحمّل بالمعنى”، ومنه تنمحي الفوارق والحدود بين الفنون الخاضعة للتصنيفات: هذا فن حقيقي، وهذا فن ثانوي؛ فالمنوط به كامن في كون “فن الأعمال الفنية [الذي] الفن الحقيقي [الجوهر]، وأنه انطلاقا من  يجب أن تحسين الحياة وتغييرها”[15]، انطلاقًا من هذا النوع من الفن الذي هو الجوهر وغايته تجميل العالم والإنسان، بإبراز وإظهار وتأويل القبح والقبيح، الذي يتحدى ذاته حدود الفن.

إن فالتفكير في القبح هو في جوهره تفكير في حدود الفن، وفي شروط العمل الفني، وفي طبيعة التجربة الجمالية نفسها. وإذا كان الجمال يُدهشنا بهدوئه وتناسقه، فإن القبح يُفاجئنا بتمرده وقلقه. ولكلٍّ منهما طاقته، ودوره، وأهميته في فهم الفن بوصفه مرآة ناقدة للإنسان، بكل أبعاده المتناقضة، المضيئة والمظلمة، الرائعة والمخيفة، المكتملة والمتكسّرة.

تنكشف هذه الرؤية النتشوية والمرآتية الناقدة لحدود الفن وللإنسان المعاصر وعالم “المشوّه” -بتعبير نيتشه- من خلال مجموعة من المنجزات المعاصرة، من بينها في المعرض “هنا وهناك” الذي نُظّم فيNew Museum بنيويورك، حيث قدّم المصور السوري هرير سركيسيان سلسلة مربّعات الإعدام (Execution Squares)، حيث صور الأماكن التي نفذت فيها عمليات إعدام في سوريا، كأرصفة وشوارع فارغة، تحمل صمتًا غائرًا وتداعيًا عنفًا تاريخيًا. لا تصور هذه الصور أجسادًا، إذ تعرض القبح كفراغّ مسكون بالتاريخ والجريمة، تهيّج الوعي الجماعي للصدمة والفقد، مستحثّة على التأويل والذكرى. والقبح هنا ليس مجرد جسم مشوه، بل غضب اجتماعي مدفوع بالقمع والترويع. يُحوّل الفضاء إلى شهادات بصرية تتحدى التجميل والتجمّل السردي، فتبرز بشاعة الواقع وضحالة الصورة التقليدية. وبالتالي، يحمل مفهوم القبيح ههنا دلالة وجودية وسياسية تعكس قبح العالم ونزيفه.

  • استقلالية القبح أم ميلاد جمالية مغايرة؟: من الغربي إلى العربي

لقد ظلّ القبح طويلًا يُنظر إليه كغياب للجمال، أو بعده عيبا يحجب الجاذبية التي يُفترض أن يُضفيها العمل الفني. غير أنّ التفكير المعمّق في طبيعة القبح يُفضي إلى فهم مغاير، أكثر ثراءً وتعقيدًا، يُبرز أن القبح ليس غيابًا سالبًا، بل حضورًا كثيفًا وفائضًا. فهو لا يُسْتَفَزُّ بما يفتقر إليه، بل بما يحمله من شحنة حسية وأخلاقية ونفسية، تجعله صادمًا، ومثيرًا للانزعاج، إنما وجاذبًا أحيانًا.

في هذا السياق، تظهر لنا استقلالية القبح كمعطى جمالي قائم بذاته، منفصل عن الجمال لا باعتباره نقيضًا بسيطًا، بل كتصور يُعيد تشكيل العلاقة بالمادة والذوق والمعايير الفنية. فحين ننظر إلى منظومة القيم التقليدية التي ربطت بين الخير والجمال والنبل، وفصلت بينها وبين الشر والقبح والدناءة، ندرك اليوم كيف تمّ تجاوز هذه الثنائيات الضدية، مما فتح المجال لتصور كل قيمة على نحو مستقل، وكمكون جوهري في ذاته، لا كظل لنقيضه. هذا الانفصال المفاهيمي أتاح للقبح أن يتحرر من وظيفته “السلبية” ليصبح موضوعًا فنيًا له لغته ومفاهيمه ومقاصده.

لقد تنوعت تمثلات القبح في التجربة الفنية عبر أشكال عديدة: من التشوه وانعدام التناسب، إلى التحلل والمرض والانحراف والوحشية، ومرورًا بمشاهد التشييء، وانسلاخ الجسد من آدميته. هذه الصور، في تعقيدها وعنفها أحيانًا، لا تسعى إلى محاكاة الجمال ولا إلى استنساخه، بل إلى خلخلة الذوق، وإنتاج توتر جمالي يوقظ الذهن ويُحفّز الحواس، وربما يُعيد للمتلقي وعيه بما هو مُستبعد أو مُسكت عنه. إذ غالبًا ما سعى بعض الفنانين المعاصرين إلى كسر تقليد “اللذة البصرية” المرتبطة بالجمال، عبر إدخال عناصر صادمة، تؤدي إلى الإرباك أو النفور، أو حتى الاشمئزاز، كوسيلة لطرح أسئلة جمالية وأخلاقية حادّة.

يمكن أن نُلاحظ أيضًا أن القبح، من خلال ارتباطه بالمخيف والمرعب، يلامس مفهومًا آخر في الفكر الجمالي، هو “الجليل(le sublime). هذا المفهوم، الذي يُحيل إلى الجمال المقرون بالرهبة، يجعل من القبح تجربة جمالية حادة، لا تُطمئن الذوق بل تفجّره. فقد يتحول الرعب، حين يُحتوى فنيًا، إلى مصدر بهجة غامضة أو فتنة مربكة، كما أشار العديد من المفكرين. وهنا يتقاطع القبح مع مفاهيم فلسفية وفنية عميقة ترتبط بما هو وجودي في الإنسان: التوتر، الألم، النهاية، والمأساة. وقد اتضح في عمل جيروم بوش (Jérôme Bosch) “جنة النعيم الأرضي”، أنجزها حوالي 1500، حيث يجسد مشهدا عبثي وفوضويا ما ورائيا للجحيم يحتوي وحوشًا غريبة وأشكال تمثّل القبح عبر التناقض واللانظام. تدعيم قوي لفكرة القبح كوسيلة لإثارة الانزعاج، وكأداة روحية أو أخلاقية تعيد تشكيل العلاقة مع الواقع.

غير أن هذه الاستقلالية للقبح لم تنشأ من فراغ، بل نبتت في تربة ثقافية وتاريخية سمحت له بأن يُطلّ برأسه كموضوع فني مشروع. لقد ساهم تطور مفاهيم الفردانية، والتمرد على الأعراف الجمالية الكلاسيكية، في فسح المجال لتجارب فنية تُبرز ما هو هشّ، مريض، معطوب، كجزء لا يتجزأ من الكينونة. هذا التحول الجذري اقترن بتحولات اجتماعية ومعرفية وجمالية، خاصة في المجتمعات الصناعية حيث لم يعد الجمال حكرًا على الفنون، بل صار هدفًا فرديًا متاحًا، تجسده الوجوه والأجساد والموضات والصور، بالإضافة لما عرفه العالم من صراعات حديثة تولدت عنها الحروب الأهلية المعاصرة والحرب العالمية، في هذا البعد أنجز بابلو بيكاسو لوحتها الهامة “غيرنيكا” (Guernica, 1937) وهي لوحة ضخمة تمثّل قبح الحرب بوضوح تصويري مع تشويه للحيوانات والبشر، لولا جمال الشكل، لكنها تحمل قوة فنية عظيمة بصفتها احتجاجًا وتعبيرًا أخلاقيًا. مثال مركزي على القبح كجمالية احتجاجية ذات استقلالية عالية.. بهذا قد خرج الجمال من دائرة المقدس، ليتحول إلى أداة استهلاكية، مما دفع الفن إلى البحث عن بديل أكثر “أصالة” من الجمال المتداول تجاريًا، ووجد ذلك في القبح بوصفه أداة لكشف الواقع الإنساني العاري.

وهكذا، أصبح القبح وسيلة للكشف عن تلك الجوانب المسكوت عنها من الوجود: المرض، الشيخوخة، القذارة، التشوه، الانحطاط. فبدلًا من محاكاة الجمال، سعى الفن إلى ملامسة أصالة الوجود في هشاشته، لا في كماله. وجاءت أعمال بعض الفنانين المعاصرين مثل لوسيان فرويد (Lucian Freud) وإيغون شيلي (Egon Schiele) وفرانسيس بايكون (Francis Bacon) لتُجسد هذه النزعة، عبر تصوير أجساد مترهلة، وجراح مكشوفة، وتعابير قاسية توغل في الألم والضعف والتشظي. لقد تحولت هذه الأجساد إلى مادّة فنية تنبض بالقلق والحقائق المزعجة، بل أصبحت “أجسادًا وجودية” تمثل الحياة كما هي، بلا رتوش ولا تزويق. يتضح ذلك في عمل لبايكون “دراسة عن صورة البابا إينوسنت العاشر لفيلاسكيز” (1953)، وغيرها من اللوحات البورتريهية “البابوية” التي أنجزها هذا الفنان في أواسط القرن الماضي، وقد مثلت هذه الوجوه المشوهة القلق الوجودي والانهيار النفسي، ونقدا للمؤسسة الدينية. فيها استخدم الفنان إستتيقا القبح هنا كوسيلة للمقاومة الانفعالية والتفكيك الداخلي، ليكون مثالًا لاحقًا على ولادة جماليات القبح المعاصرة كخيال تعبيري. بينما يعد تصوير لوسيان فرويد رسما بشريا مكشوفا، يعرض الجلد الرديء واللحم المترهل والتعبير النفسي الداخلي، على نحو لا يكتفي بالتشويه الخارجي إنما يكشف أصول القبح داخل الجسد والحالة النفسية. هذه الأعمال تعزز في النص فكرة أن القبح صار ذا حضور وجودي حقيقي، لا يلتصق فقط بالشكل. بينما يستعين إيغون شيلي بجسده وأجساد أخرى في نحافتها واضمحالاها، للتعبير عن القهر والعنف الداخلي، حيث يتحول الجسد إلى تجسيد حيّ للصراع النفسي في تعارضه مع القهر الاجتماعي المعاصر.

في المقابل، اختار بعض الفنانين التشكيليين أن يُقحموا القبح في العمل الفني بطريقة أقرب إلى التحدي، بل الاستفزاز، كما لو أن تجاوز الجميل والسخرية منه أصبحا غاية في ذاتهما. فاللحم المكشوف، الأعضاء المبتورة، البراز والإفرازات البشرية، الشعر المتساقط، والسوائل الجسدية، كلّها مكونات اشتغل عليها فنانون أمثال ديفيد هيرست (David Hirst) ودافيد نيبريدا (David Nebreda)، وروبرت جوبر (Robert Gober)، وجويل بيتر ويتكين (JoelPeter Witkin)، لتفجير التابوهات الجمالية والاجتماعية، وكشف علاقة الجسد المعاصر بالسلطة، بالرغبة، بالموت، وبالآخر. حيث لا يعرض نيبريدا نقصًا إنما وفرةً من القبح: الجلد المترهّل، الجراح المفتوحة، الأنسجة الممزقة والموت المكتنف للجسد. في إحدى صوره الشهيرة، جسده الهيكلي يشكّل شاشة للموت، بعد عمليات جراحية عُدّت طقسًا تطهيريًا. هذه الصورة تمثّل القبح كحضور صارخ، يرفض اختفاء الذات، ويُعلن وجودها في أقصى تصادم مع المادة. ويُقدم ويتكين صورا ملتقطة (فوتوغرافية تشكيلية) تظهر تشوهات جسدية، موتى، تشويهات نفسية، تحفل بإنهاك وقلق وجودي. هنا القبح يتحوّل إلى مادة فنية مستقلة، تحمل عنف الحياة والوجود البشري في أقسى درجاته.

وعربيا لنا مجموعة من الأسماء الفنية التي لامست أفق تجريب القبح بوصفه استراتيجية إستتيقية تعمل على تخطي البنى الجمالية العربية التقليدية، وفي الوقت ذاته استشكال أسئلة الذات العربية والعالم الذي نحيا فيه. وبالتالي، فالقبح عندهم ليس احتجاجاً على المعايير الشكلية التقليدية فقط، وإنما جسدٌ للحقيقة المختفية، يُظهِر أبعاد الواقع الاجتماعي والسياسي بوحشية صادمة. من خلال رصد البعد الجمالي للقبح في النصوص الفنية والرسمية، يتبين أن القبح قد نموذج تصوري وإدراكي يتمتع بسلطة على المتلقي، حيث يحرّك الوجدان ويفتح فضاءات تأويلية لا تعرف ضوابط التجميل التقليدي. وتؤكد النماذج الفنية المعاصرة في العالم العربي هذه القراءة الجدلية. ففي معرض “عقيقة رامبرانت” للفنان المصري عمر جبر (القاهرة 2024)، استهل المعرض بلوحة بورتريه تقليدية، ثم قُدمت وجوه مشوّهة وفوضى لونية كمرآة صادمة داخلية، تُبرز القبح كقوة نقدية تُوقظ الوعي نحو واقع اجتماعي متحوّل. القبيح هنا ليس رفضاً، إذ هو طقس بصري لديه حضور نقدي وجودي. وفي أعمال التشكيلي المغربي إبراهيم بولمينات (مقيم في بلجيكا)، تُعرض أجساد مشوّهة ووجوه بلا ملامح وألوان متنافرة تُعبّر عن اضطراب إنساني، بحيث يكون الألم الجمالي هو الطريق للمتعة الإستتيقية، والقبح ليس ضد الجميل وإنما أحد أنواعه، فيخرج بولمينات من الأثر تجربة إستتيقية ذات أبعاد دلالية متأتية من عملية النبش في تضاريس الجسد الغائر والمتخفي وسط دروب العالم التي “لا تفضي إلى أي مكان”، لهذا فشخوصها كلها بلا ملامح، كائنات سيلويتية أو ظلية تهتم بالمختبئ فينا لا الظاهر، لتبرز القبيح من أجل جعل منه مطية لانتقاد الواقع المرير من حروب وويلات ودمار وصراعات تدمّر البشر والأرض. أما الفنان السوري قيس سلمان، فيُصوّر الوحشية الاجتماعية بسخرية بصرية تكشف عن القبح كصرخة وجودية، تُفجّر السؤال بدل أن تُخفيه، فتكشف عن عنف الواقع دون تواري وراء الشكل أو اللون؛ حيث في تُظهر سلسلة لوحات النسوة كرموز مستلبة -ماركات متداولة- تعكس الإشهار والتسليع بصريًّا، بحيث يصبغ القبح صبغته اللاهوتية ضمن سوداويّة وفوضوية لونية تمر عبر الأسود والرمادي مع ضربات حمراء تعبيرية تنذر بالعنف والتشويه. وفي تجربة السوري حُوّام السيد، تتجسد الشخصيات ككائنات منتفخة ومشوهة تعكس قمعًا سياسيًا واجتماعيًا عبر تحويل القبح إلى رمز سياسي، يعبّر عن هوية المقموعة داخل السلطة. في الوقت الذي تُبرز فيه شخوص المغربي كريم عطار حالة من القسوة والصدمة والرعب المرتبط بالسلطة في أشكالها الرمزية، التي يوظفها الفنان عبر مختلف العلامات التي يستقيها من الثقافة المغربية (الزرواطة (عصي الشرطة)، الكارطة [أوراق اللعب]، الأشرطة الملونة…). بينما تنبعث هذه الشخوص المشوهة (السيمولاكرية) التي تنظر إلينا وننطر إليها من جانب أحادي (البروفايل)، من جو ينطبع بالدلالة على قبح العالم من حيث إن هذه الكائنات، مثلما يذهب الفنان، تصير انعكاسا لنا، غير أنها تحاكمنا في قسوة. وبدوره، يتحول القبح في أعمال السوري سبهان آدم، إلى أداة إستتيقية ناقدة في رؤية ذات غاية نافذة إلى ذهن المتلقي، لا مجرد تمثيل للبشاعة في بعد تبسيطي إستتيقي للمفهوم. إذ يرسم كائنات هجينة مشوهة –رؤوس غريبة، أعين متعددة، أجساد شبه بشرية– بتصميم بصري يشد المتلقي إلى تأمّل مرايا الذات والتوترات الداخلية. هذه الكائنات لا تُعرض لغرض الصدمة فحسب، إنما لتحليل المفهوم التقليدي للجمال، وتحويل القبح إلى لحظة إستتيقية قوية تستفز الذهن. تشريح التشوه يعبّر عن أزمة وجودية إنسانية، توضح الاغتراب الداخلي والصراعات النفسية في وجه عالم خشن. أما في لوحات التشكيلي العراقي غسان فيضي لا نرى “قبحا إستتيقيا” بالشكل المباشر في تصوير الشخوص، بقدر ما نلمس حضورًا بصريًا يستحضر تناقضات الوجود، عبر القبح الإنساني، ليكشف عن أوجاع الحرب والمنفى عبر تجسيد نسوي رمزي هش، تفيض بالحنين والمعاناة على منبتها البصري. يتوارى القبح هنا بين طيات النوستالجيا والذاكرة، حين تمثل الطبيعة المتداعية لمدنه -بغداد، البصرة- في مشاهد نساء جاثمات على دبابة محترقة أو وجوه محروقة مشتعلة في أضواء نارية على سماء بغداد. هذه الصور، رغم ألمها، تنصهر في توليفة لونية هندسية راقصة، تُحلل التشوه والمعاناة لتولّد جمالًا مضادًا: ليس مجرد تمثيل للبشاعة البشرية إنما نقد بصري مفعم بالإنساني.

  • استراتيجيات الإستتيقا المضادة

إنّ هذا التحول في التمثلات يقودنا إلى تساؤل عميق: هل أصبح القبح شرطًا جديدًا لتأسيس جماليات مغايرة، أكثر انفتاحًا على التجربة الإنسانية الحقيقية؟ وهل أدى تحلل المعايير الكلاسيكية إلى انبثاق “جماليات القبح” كبديل عن جمالية مثالية متعالية؟ يبدو أن الجواب بالإيجاب، خاصة حين نتأمل في الأعمال التي لم تعد تتعامل مع الجمال كقيمة معطاة أو هدف نهائي، بل كموضوع جدلي، قابل للنقد والتفكيك.

ثمّة إذًا انزياح واضح في تاريخ الفن: من الجمال كمعيار سامٍ يُلهِم، إلى القبح كأفق يكشف ما هو مُقصى أو مخفي في التجربة الإنسانية. لقد فقد الجمال سلطته المطلقة، وبات عنصرًا من بين عناصر متعددة في تشكيل الذوق المعاصر. في المقابل، كسب القبح شرعيته الجمالية بفضل طاقته التفكيكية، وقدرته على مساءلة ما يُعتبر طبيعيًا أو جميلًا أو لائقًا.

وإيجازا، إذا عدنا إلى الأسس الفلسفية القديمة، سنجد أن القبح ارتبط دومًا بالمادة، وبكل ما يُعطّل اكتمال الشكل، سواء عبر التشوه أو الوحشية أو التنافر. لكن هذا الارتباط، الذي بدا سلبيًا في الموروث الكلاسيكي، قد أعيدت قراءته اليوم بوصفه إمكانًا جماليًا. فحين يتمكن الفنان من تحويل هذا “النقص” إلى مادة فنية، ويُعيد تشكيله عبر تقنية ووعي نقدي، لا يعود القبح علامة على الانحدار، إنما يصبح مرآة للواقع، وأداة لتفكيك الزيف، ومنفذًا إلى أعمق ما في الإنسان من تناقضات.

إن استقلالية القبح ليست نهاية الجمال، فهو امتداده في اتجاهات غير مألوفة، تكشف عن الوجه الآخر للإنسان، وتُعيد تشكيل الأفق الجمالي برمّته. فبدل أن نُصنّف الفن إلى “جميل” و”قبيح”، علينا أن نقرأه باعتباره فضاءً متعدد الأصوات، يضم الحُسن والبشاعة، الوضوح والتشظي، البهاء والتعفّن، صمن استراتيجيات الإستتيقا المضادة. فكل هذه الأضداد، في تماسّها وتوترها، هي التي تصنع حقيقة الفن، وتُعمّق من معناه في زمن تلاشت فيه اليقينيات الجمالية.

*****خاص بموقع عناقيد الثقافي


مراجع:

[1] راجع الشذرتين 4 و5 من الفصل الأول “الصالح والشرير، الحسن والقبيح”، من كتاب: فريدريك نيتشه، جينيالوجيا الأخلاق، ترجمة محمد الناجي، أفريقيا الشرق، الدار البيضاء، 2006، ص. 22-25.

[2] أنظر:

Umberto Eco, Histoire de la laideur, éd. Flammarion, Paris, 2007.

[3] أنظر: ابن سينا، الشفاء، الإلهيات، تحقيق الأب قنواتي وسعيد رايد، وزارة الثقافة والإرشاد القومي، الجمهورية العربية المتحدة، القاهرة، 1960، ص. 368-370.

[4] أنظر: آن سو، “القبيح/القبح”، ضمن: إتيان سوريو، قاموس علم الجمال، ترجمة بسّام بركة وعلي نجيب إبراهيم، المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، قطر، 2022، ص. 1354.

[5] للمزيد أنظر في هذا الصدد:

Claudine Sagaert, Histoire de la laideur féminine, éd. Imago, Paris, 2015.

[6] يقول أرسطو: ” من الأفضل أن يحكم البشر جميع الحيوانات الأليفة، لأن هذه هي الطريقة التي يُحافظون بها على حياتهم. وبالمثل، فإن العلاقة بين الذكر والأنثى بطبيعتها هي أن الذكر أعلى والأنثى أدنى، وأن الذكر يحكم والأنثى تُحكم/ أولئك الذين هم بعيدون عن الرجال الأحرار كما يبعد الجسد عن الروح، أو البهيمة عن الإنسان […]، هم عبيد بطبيعتهم؛ وأن يحكمهم سيد أمر جيد”*. وأما عند الغزالي فيقول “قيل شاوروهن وخالفوهن، ويجب على الرجل الفاضل المتيقظ أن يحتاط فى خطبة النساء وطلبهن، وليُزوِّج البنت، لا سيما إذا بلغت، لئلا يقع في الغدر والعيب ومرض الروح وتعب القلب، وعلى الحقيقة كل ما ينال الرجل من البلاء والهلاك والمحن فبسبب النساء.”** أنظر كل من:

*Aristote, La politique, trad. de Champagne, éd. Lefèvre, Paris, 1843, 1254 b, § 10-14. (بتصرف)

**الغزالي، التبر المسبوك في نصائح الملوك، دار الكتب العلمية، بيروت، 1988، ص. 131.

[7] راجع:

Roland Béhar, « Goya : le corps profané, ou la rupture du modèle classique », Atlante [En ligne], 6 | 2017, mis en ligne le 31 mars 2017, consulté le 01 juillet 2023. URL : http://journals.openedition.org/ atlante/9580 ; DOI : https://doi.org/10.4000/atlante.9580.

[8] Yves Michaud, Critères esthétiques et jugement de goût, éd. Hachette littérature, Paris, 1999, p. 36.

[9] Theodor Wiesengrund Adorno, Théorie esthétique, Trad. par Marc Jimenez, éd. Klincksieck, Paris, 1974, p. 67.

[10] راجع:

Karl Rosenkranz, Esthétique du laid, trad. Sibylle Muller, éd. Circé, Belval, 2004.

[11] ذكره إدغار موران في:

 Edgar Morin, Sur l’esthétique, éd. Robert Laffont et La maison des sciences de l’homme, Paris, 2016, p. 24.

[12] Karl Rosenkranz, Esthétique du laid, op cit., p. 42.

[13] Florence Bancaud, « L’esthétique du laid, de Hegel à Rosenkranz Une « esthétique de la résistance » ou de la résignation aux ‘’arts qui ne sont plus beaux’’ ? », in Études Germanique, n° 64, 2009, 4, p. 902.

[14]  فريدريك نيتشه، إنسان مفرط في إنسانيته، كتاب العقول الحرة، ج. 2، ترجمة محمد الناجي، أفريقيا الشرق، الدار البيضاء، ط. 2، 2010، ص.59.

[15] المرجع نفسه، الصفحة نفسها.

شاهد أيضاً

النقل الديداكتيكي في التجربة الصفية مفتاح النجاح

يوسف اسونا |المغرب يمكن الجزم أن العالم المعاصر منذ مطلع القرن العشرين ،يعيش تحولات جذرية …

اترك رد