سردية قصف التعصّب الديني من قلب التجربة الفنية في رواية” لارين”

أحمد الشيخاوي| المغرب

الأكيد أن أوطاننا العربية تتشابه، من المحيط إلى الخليج، تجور على الحلم المشروع، بل وتذبحه، ما يضطر أهل المواهب والطموح إلى هجرتها وتركها، إلى المهجر وبلاد الاغتراب، هروبا إلى أرض جديدة تنبت داخل حدودها الأحلام وتترعرع، والأغرب أنه كلما تم تحقيق نجاح ما في تلكم البلاد البعيدة والغريبة، كلما اعتبر ذلك نجاحا للانتماء الأصلي، أيضا، بل ما يلبث الحنين يشتعل في الذات المغتربة.. ذلكم الحنين إلى أوطان وأد الأحلام، فتضطرم هواجس العودة إلى الوطن الأم، مع وابل من متمنيات النفس بتغيّر حال البلاد والعباد صوب الأفضل، وتزحزحها عن راهن الذبول والسكونية، وإن قيد أنملة.

بالطبع هذا هو مدخلنا إلى رواية” لارين” للدكتورة الجزائرية سامية غشير القاصة والروائية الدؤوبة والمبدعة، في مشروعها السردي المنتصر على الدوام للمشترك الإنساني والمتماهي مع السريان المخاتل لأفلاكه.

فما أن طالعت لها هذه الرواية الصادرة عن دار خيال للنشر والترجمة، طبعة أولى2024، الجزائر، حتى اقتنعت بها صوتا سرديا استطاع كشف الأقنعة عن جملة من التابوهات، وأدهش حد الإرباك في تعرية واقع مرير ما تنفك تلطخه الإيديولوجيات الحسودة والمتكالبة.

بحيث جاء هذا الصوت مدافعا عن هشاشة الكائن، منتصفا لوجوده الفني، معتبرا العام بأكمله أفقا للحلم الإنساني المشروع، بصرف النظر عن الانتماءات العرقية أو العقدية.

سردية تترنم بتيمة الحب، ثقافة وعقيدة وسلوكا، بما يتيح للذات والعالم، الخلاص المنشود.

الحب القادر على تعليمنا الكثير من الأشياء، وأيضا إيقاظ المارد الكامن في أعماق طينة معينة من البشر، ديدنها الشر والقتل والكيد والكيل بسائر أنواع الخبث والأحقاد للآخر المختلف صلصالا ولغة وعقيدة.

تقول الرواية:

{سأنتقم منهم، سأنادي بضرورة تهجير كل مسلم من فرنسا، لقد نشروا الرعب والذعر في بلادنا، لا أدري لماذا لا يأمر رئيس الجمهورية” هولاند” بترحيلهم.

ــ أمتأكد أنت يا فيليب أن المسلمين هم سبب تلك الهجمات الإرهابية؟

ــ نعم عزيزتي، دعينا من هذا الكلام، أنت أهم من الكلام عن إرهابيين متفجرين، اشتقت لك عزيزتي، ما رأيك أن نرتبط هذا الشهر؟

ــ ماذا؟ لا يمكنني؟

ــ ما بك لارين؟.’ قبل أسبوعين كنت متحمسة لمسألة الارتباط؟

ــ ليس كذلك، تعرف حاليا دخلت مجال الموسيقى، أريد تحقيق حلمي أولا}(1).

طبعا هو حوار ما بين شخصيتين بارزتين في هذه الرواية: لارين والصحفي فيليب، على خلفية أحداث تفجير مقر جريدة” شارل أيبدو”.

ستغير لارين حياتها مائة وثمانون درجة، إثر كل هذا، فهي، على الرغم مما وقع من فجائعية هزت فرنسا بأكملها آنذاك، لم تتعصب أو تحقد على الإسلام والمسلمين، خلاف من تستعبدهم الإيديولوجيات الخبيثة، بل إنها تعقّلت وتريثت في استساغة ما حدث، وحرصت جدا على تبين الحقيقة الكامنة وراء هذه الفعل الإرهابي الذي لا يمت بصلة، لتعاليم هذا الدين الإسلامي السمح عالمي الرسالة، هذا الدين البريء من حثالة مدسوسين عملاء خونة، غرضهم الأول تشويه صورته، ومنح الأعداء ذرائع وضعه في قفص الاتهام.

لارين ستشق مسارا آخر مغايرا، لسوف تعيش تجربة فنية بامتياز، تكشف لها حقائق وجودنا الإنساني الذي لا تهمه لا الأعراق ولا المعتقدات ولا السياسة العمياء القميئة التي ليس تنجب سوى اللصوص والقتلة والحمقى.

ستحب بل تعشق فؤاد أستاذها في الموسيقى ذي الأصول الجزائرية، تصارحه بحبها له، فيرتبطان، الشي الذي سيؤجج غضب وحقد فيليب أكثر، فيقسم على الانتقام منهما.

قصة نجاح فؤاد التي تأسست على رماد الفقد، مثلما تورد ذلك لنا هذه السردية.

وتقول كذلك:

{بعد أسبوع من المكوث بالجزائر العاصمة جاءت أخبار عن مكان والد لارين الذي يقطن في مدينة وهران، كانت فرحة جدا لذلك اليوم الموعود، لقاء انتظرته الفتاة الحالمة طويلا، وربت الأمل في لقاء والدها الذي لم تعرفه ولم تتذوق من نبع حنانه شيئا، ولم تغترف من ظلال روحه أي وشم يذكرها به}(2).

لارين التي لم تعرف أن لها أب على قيد الحياة، إلاّ حين نبهتها عرابتها أماندا إلى ذلك، وكيف إنه هجر والدتها بعد أن اكتشف خيانتها له في الكثير من المرات، فأمها مجرد امرأة شهوانية، حين هجر والد لارين الجزائر تعرف على هذه المرأة الفرنسية وأحبها وتزوج بها فساعدته على الاستقرار وكسب انتماء جديد، لكنها سرعان ما طعنته في الظهر، وراحت تخفي شنيع أفعالها، ما زرع وهم اليتم في عقل لارين الصغير، كي تشب عليه، إلى أن تصدم بحقيقة أن لها والد لا يزال على قيد الحياة وهو من أصول جزائرية.

تخلص الرواية بناءا وحمولات لتجليات الفقد والمآسي ومشاهد الجنائزية، كي تمرر جملة من الرسائل المحتفية بقيمة الحب كأسمى ما يكون، وكيف إنه يعلمنا التضحية في العديد من المحطات، غير أن كفرنا به، وعدم التسليم بسحره وسلطته وجبروته هو ما دمّرنا ودمر العالم معنا أيضا.

ما أن تكحل لارين الطرف برؤية والدها الخمسيني المصاب بمرض مزمن حتى تفقده للأبد، ينام بين ذراعيها نومته الأبدية والأخيرة، تفيض روحه إلى بارئها جراء الصراع الطويل مع المرض.

لكن الأب يبارك قبيل رحيله ارتباط فؤاد بها، بل ويحثها على الإسراع بمثل هذه الزيجة التي هي توأمة أيضا ما بين تجربتين فنيتين راقيتين.

هنا يحصل الفقد، حسب السياق السردي، فقد سبق أن فقد فؤاد وهو في الجزائر معشوقته التي انتحرت بعد أن رفض والدها الجلف زواجها من فؤاد.

ثم الشاب السوري نزار المفجوع برحيل محبوبته، هو الآخر، والهارب بأحلامه، أيضا، من جحيم الداعشية المندلعة في الشام وهمجية الإرهاب، إلى عاصمة النور باريس، لربما اقتداءا بالصديق والخل الوفي فؤاد.

وثالثا فقدان لا رين لوالدها الذي ما انفكت تجده بعيد شوق كبير، على هذا النحو الموغل في الفجائعية ونذالة الحياة.

ليس هذا فحسب، بل تسترسل الرواية في سردية الموت إلى آخر حرف من فصولها، مستفزة المتلقي، مزلزلة في أقاصيه كمون العذابات ومنتهى الوجع.

تأبى صاحبة المنجز إلا أن تختم بنهاية كارثية، تعكس جحم واقع التعصب الديني الرهيب، فبعد الفقد الرابع الذي فقدت جراءه فارسة الرواية والعشق والفن لارين حبيب الفؤاد فؤاد، وما أن ــ بالكادـــ عادت هذه المفجوعة، إثنية الانتماء، إلى الحياة تحثها على ذلك، تعاليم الخليل المغدور، تغترف من الذاكرة، حتى يتربص بها المجرم فيليب وعصابته المتشبعة بأضرب العنصرية البغيضة والحاقدة، يختطفها إلى مكان ناء ومهجور، وحين يفشل بإقناعها في أن تصير له، وقد رفضت الاستسلام والرضوخ لشهوانيته ونزواته، جملة وتفصيلا، يعمل على تعذيبها وتشويه مكامن الجمال فيها، ولكن من غير فائدة ترجى، كي ينتحر الملعون في النهاية.

أما الفنانة الرقيقة لارين، في أوج انتمائها الإنساني المتعايش والمتسامح، والحالم في كليته، بطلة هذه الرواية النموذجية، هي الأخرى، ستبصم على فقد خامس يسدل الستار عن سردية ساحرة وموجعة وكاملة، تعكس كيف أن الحب إنما هو في العمق، مجرد ضريبة وقربان لوجودنا الإنساني الهش والراقي، أيا كانت طينتنا، وفي أي مكان وزمان كنا.

تقول الرواية كذلك:

{في صباح اليوم التالي انتشر خبر وفاة المغنية العالمية” لارين” عبر وسائل الإعلام المختلفة، وقد تضاربت الأخبار حول طريقة الوفاة، فهناك وسائل أشارت إلى مقتلها من طرف متطرفين دينيين، وهناك من أكدت انتحارها، وهناك من أشارت إلى ظروف غامضة للوفاة}(3).

ختاما نؤكد على أن جميع أبرياء هذه السردية الباذخة، شهداء قيمة إنسانية سامية اسمها” الحب”، ليسوا مجرد أرقام، بل هم سير إنسانية خالدة، وقفت بوجه الظلم، وأحالت على أدوار الفن الكبيرة في تغيير العقليات المتحجرة، واغتيال مردة الشر في أعماق الكائن.

بهذا استطاعت الرواية أن تضرب رعاة التعصب الديني المقيت، من قلب سرديات الروح الخالدة للفن الذي يحاول تجاوز الفوارق كيفما كان نوعها، كي يرسو على معاني المشترك الإنساني الذي يمثل الحب مركزا له.

هامش:

(1)مقتطف من فصل الرواية الأول، الصفحة24.

(2)مقتطف من فصل الرواية الرابع، الصفحة122.

(3)مقتطف من فصل الرواية الخامس، الصفحة158.

بقلم مدير التحرير

شاهد أيضاً

حين تُسكبُ التجربة مع عصارة النرجسي

أحمد الشيخاوي| المغرب ما ينفكّ الشاعر المغربي محمد رشوقي، يسكُب من عصارة نرجسيته، في شريان …

اترك رد