عناقيد تحاور الأستاذ محمد معطسيم

حوار العربي الحميدي مع الأستاذ محمد معطسيم

مترجم وباحث في التربية والفلسفة

الموضوع: أسئلة حول ترجمة السيرة الذاتية للكتّاب الذين تعاملتَ معهم

يا له من سؤال! يتصدر باقة من أسئلة أخر، إنه دافع على طريقة سقراط التوليدية للتفكير في مشروع سيرتي الفكرية، قارئا محترفا قبل أن أكون شيئا آخر. من صادفت من الكتاب والكاتبات، وكتبت عنهم أو حاورتهم أعرفهم جيدا، وتربطني بهم صداقة فكرية عميقة. وإن أجالسهم أكتشف أنهم قريبون مني، وأنا قريب منهم. ولربما الدرس الكبير الذي تعلمته من مجالستهم ومحاورتهم هو اقتحام عالم الترجمة وعيا مني أن ترجمة كتاب جيد أفضل من تأليف كتاب رديء. ثم حاورتهم من زوايا اختصاصهم، بالعربية والفرنسية. حين أقرأ لهم أكون واعيا بكثير من التفاصيل عن حياتهم، وفرادة أسلوبهم، ومضامين أعمالهم. فالذين يكتبون بالعربية مثل السوسيولوجي مصطفى محسن لا تخفى علي خلفيته الثقافية وعناصر من حياته ومساره العلمي. ولما ترجمت Correspondance ouverte، لغيثة الخياط وعبد الكبير الخطيبي كان الأفق مفتوحا لقراءتها أولا وترجمتها ثانيا وتبين أسلوب الأولى من أسلوب الثاني.

سأعطي نموذجين عن ذلك، وأدع الكلمة لصاحبيهما:

*عبد الكبير الخطيبي:  
“مولدي، أستبقيه طقساً مقدساً. رشفة عسل على شفتي وقطرة ليمون على عيني. بهذه تنقلت باصرتي على الكون وبذلك تنتعش روحي: «وكنتم أمواتاً فأحياكم ثم يميتكم ثم يحييكم» مثنى مثنى، فهل أبصرت النور أعمى عن ذاتي؟

   ولدت يوم العيد الكبير. طقس عريق يشي به اسمي. وتحضرني أحيائاً صورة إبراهيم يذبح ابنه. لا مناص لي: ليس بي هوس الذبح نشيداً، لكن في الأصل كان مني الاسم جرحا. ومن أنين المخاض حتى إرادتي، لا تزال الطفولة تبهر زمني، فكان الكتابة إذ تنجني تعيد صدمة المنطلق عند انعطافة انشطار خفي. لا مناص لي: نفسي طيّعة على الأبدية.

  يسبقني اسمي عند الولاة بين عطر الألوهة وإيقاع الآية. إنني عبد وبي دوار. تشظيني الصور فأنضم الى سؤالي التائه بين الحروف. “ولا رطب ولا يابس إلا في كتاب مبين.”(بطرس الحلاق).

*مصطفى محسن:

“أود ألا يفوتني التذكير بمنعطف هام في هذا المسار، كان له حسب تقديري الخاص دور أساسي في تحديد بعض معالم مستقبلي الأكاديمي والمهني والفكري عامة. فقد قدم إلي المرحوم الأستاذ عبد الرحمان المرمري …مجموعة من الكتب الفلسفية، طالبا مني موافاته بانطباعاتي عنها بعد قراءتها خلال العطلة الصيفية…ولم تمض سوى بضعة شهور حتى أعارني مدرس الاجتماعيات الأستاذ أحمد الأدوزي كتابا… أعتقد أنه كان، على ما أذكر، مدخلا عاما إلى علم الاجتماع، ومن منظور نقدي ثوري بالذات” (تجليات)

كما قلت لك صديقي العربي، من أكتب عنهم أعرفهم، وأكون معهم حيث هم. وما الشخصية في السرد إلا ذريعة لتمرير مواقف الكاتب، أو هي أسماؤه المستعارة كما قيل. قد يحدث أحيانا أن أتفاعل مع كاتب وهو منكب على كتابة روايته قبل صدورها، فيبوح لي بوحا خفيفا بإحدى مسارات نصه الروائي، كما حصل مع الروائي جمال بندحمان في نصه: “محنة ابن اللسان” والروائية غيثة الخياط في رواية: Les pigions égorgés، وسعيد منتسب في “حساء بطعم الورد” وإبراهيم الحريري في روايته “أحلام”… ففي هاته الحالات فإن الذات مهما حاول كل منهم إخفاءها تُعلم. بل إن الذات الكاتبة هي معلومة حتى في الخطاب الشعري لمن قرأت لهم: مصطفى محسن، ومحمد علوط وعثمان بنعليلا… وقد يحدث أحيانا خلط ساذج بين التخييل والواقع، حين قراءة نص روائي. وأنا فوجئت بأسئلة عن رواية “علاقة خطرة” للكاتبة غيثة الخياط: هل الكاتبة هي الساردة عينها؟ وهل ما حدث للشخصية وقع للكاتبة فعلا؟

   يقول الخطيبي متحدثا عن سيرته الذاتية “الذاكرة الموشومة”: “انبريت لتحويل حياتي الخاصة إلى محكي، تخييل-ذاتي…لا أحتفظ في كتاباتي سوى بالخطوط الكبرى لحياتي. فما يمكن أن يجذب الجمهور أو القارئ الممكن، هو، بطبيعة الحال، تفرد الكاتب، وأصالته، لمساته المجنونة، متاه خياله”.

 وإن سمحت لي أعطي مثالا عن ترجمة رواية نور الدين الصائل L’ombre du chroniqueur التي ترجمناها ب: “طيف المخبر” فهي رواية بوليسية جرت أحداثه في طنجة، لما كانت مدينة دولية. لكن الكاتب ظل مختفيا تفضحه فقط مدينته التي ولد فيها…

لعل أبرز القواسم المشتركة لهولاء الذين يؤثتون مكتبتي هي: تيمة الأم، والأب، والأخ، المرأة…ولا بد من توضيح: فالكتاب المعبرون بالفرنسية يقولون ما لا يقوله نظراؤهم المعبرون باللغة –ينطبق هذا الحكم على الأقل على النماذج التي اشتغلت عليها- وجرعات التجاسر تكثر عن الأوائل، وتقل عند الأواخر. فمثلا في كتاب غيثة الخياط: La beauté des vielles femmes, amour et sexualité رغم تصنيفه في الدراسة السوسيولوجية والطبية…فهو لا يشغر من الكتابة عن الذات وقد مسها الكبر. لكن عند ترجمته إلى العربية تبين لي أنه كتاب من رصاص، في مجتمعنا ومشهدنا الثقافي؛ لطروحاته الثورية في مقاربة شيخوخة المرأة وجمالها وجنسانيتها.

    كتب الخطيبي “سفر الدم” وإن كان المؤلَّف يصنف ضمن جنس الرواية، فسياقها قطعة من ألم. ويكفي النظر إلى عتبة الإهداء. وهو لا يسرد تفاصيل حياته إلا إذا كانت متناظمة مع النص الأدبي.

كما حُبر “الاسم العربي الجريح” بلذة نصية كبيرة، مغمورا بحبه لامرأتين في نفس الوقت، هما امرأتان حسناوان وذكيتان، لا واحدة تشبه الأخرى. (حوارات حسن وهبي)

وفي تجربتي الترجمية -على قلتها- هناك مرتكزات تقوم عليها: المعرفة بالسياق، ومعرفة صاحب العمل، والانغماس اللغوي في العربية. ففي ترجمة رسائل في التحاب، وإن لم تكن سيرة ذاتية ولكنها كتابة عن الذات مؤطرة في جنس أدب الرسائل، أسعفني ما قلته سابقا.

   الرواية ديوان العرب في عصرنا. ملتقى الواقع والتاريخ والتخييل. “إلى حدود اليوم، لم نجد أفضل من الرواية في المتخيل الجمعي. وللقارئ أن يتماهى مع إحدى الشخصيات أو أكثر. فيجد فيها مغامرة للحلم في هذا العالم” (الخطيبي). نعثر عند الكاتب والناقد حسن وهبي كلاما قريبا من هذا: “أخيولة الرواية أمست اليوم، تحظى بأهمية كبيرة…هل لأن الرواية تسكن الحالمين؟”

   لا تهمني السيرة الغيرية مثلما لا تهمني الرواية إلا فيما يأتيان به من أسلوب. ألم تكن الكتابة إلا أسلوبا؟. لقد قرأنا كتاب الأيام لطه حسين. لم تستهوني حكايته بل جذبني أسلوبه المتوسل في كتابة الحكاية. صحيح أن الكاتب يلاقيك عاري الصدر. لكن ما جدوى الحكايات إذا لم ترافقها الكتابة أعني الأسلوب. ما أكسبه من الكتابة عن الذات هو إضاءات تبصرني بأعمال الكاتب، وتنير لي مساراتها.  

استوقفني ما قاله الشاعر والناقد محمد بودويك عن كتابه السيري: “ليس عبورا بل حياة، فصول من سيرة الطفولة والصبا والشباب” وقد استوقفته أيضا قولتان مختلفتان، تخصان السيرة الذاتية: الأولى؛ للروائية فيرجينيا وولف: “أقدر أن السيرة الذاتية هي وحدها ما يمت بصلة إلى الأدب، لا الروايات؛ فالروايات ليست سوى تلك القشور واللحاءات ننزعها قشرة قشرة للوصول في نهاية المطاف إلى أحدنا، أنا أو أنت، ولا شيء آخر”. والثانية؛ للشاعر شاتوبريان: لم أفلح يوما، وأنا أقرأ “اعترافات” جان جاك روسو من أن أتخلص من ذلك الإحساس بالامتعاض والنفور، فكيف للمرء أن يصف العالم كما هو، ويقول الأشياء كما هي. إن ذلك شيء مستحيل”. لكن ألا نجد في الرواية ما لا قد نجده قي السيرة والعكس صحيح تماما؟ فلندعهما يمشيان كلتاهما.

الاعترافات على نحو كتاب جان جاك روسو، الحقيقة محاصرة برقابة ذاتية وبين الإفصاح والبوح والتمويه والتكم يشتغل الكاتب في منطقة يتقاطع فيها التخييل والواقع. وهي حالة الكاتبة غيثة الخياط-قارئة محترفة لروسو- كيف نتبين خيط التخييل من خيط الواقع؟ فهل الكتابة بلسان فرنسي تسعف أصحابها على الإفصاح الفاضح؟ غير أن في تجارب أخرى كان فيه الإفصاح الفاضح بلسان عربي: الخبز الحافي وبرهان العسل لسلوى النعيمي…

   ما يخفيه الكاتب أو يتستر عليه لن يصمد طويلا أمام الصحفيين الملحاحين والقراء الفضوليين والنقاد المدققين وهذا ما حصل في إهداء عبد الكبير الخطيبي  Marie-Charlotte (سفر الدم). وقد يلجأ الكاتب للإخفاء تحفظا كما في مذكرات بعض القادة السياسيين. لكن الإخفاء قد يكون مدمرا حينما يقبر الأثر. فالخطيبي كتب الذاكرة الموشومة بعد أن مزق أوراقا حبرها. هل التمزيق والإتلاف هنا إخفاء وتستر؟ ربما حياء أوخوفا…

   الكتابة عن الذات في تقديري تقول الشيء أو لا تقوله. نحن مطبعون مع العهر في الفضاء العمومي وما إن يتحول إلى مادة للكتابة حتى تبدأ المهاجمة والممانعة ويظهر حراس شداد غلاظ. ما درجة التخييل في النص السيرذاتي؟ في الرواية التخييل والواقع متخاصران. لكن التأويل في السيرة الذاتية والمذكرات والنصوص الرحلية وأدب الرسائل، وإن كانت مقومات السيرة الذاتية واضحة جلية فإن بعض عناصرها تتوارى في نصوص لا تصنف في جنس السيرة الذاتية، أعطي مثالين من نصوص عبد الكبير الخطيبي: حج فنان عاشق، و “متحول في مملكة السحر” Féerie d’un mutantе ففي هذين النصين لا يظهر الجانب السير الذاتي مثلما عليه الأمر في الذاكرة الموشومة.

في الرسائل المتبادلة بين الكاتبتين الزهرة رميج وعايدة نصر الله تفاصيل عن حياتهما، ذكرتها كل منهما، لكنها لم تنشر كلها ليقرأها عموم القراء.

قلبي متدثرا، لا عاريا عريا بودليريا.

الأستاذ محمد معتصم، لكم خالص الشكر وعظيم الامتنان على ما تفضلتم به من حوار صادق، أجبتم فيه على الأسئلة المطروحة بكل سعة صدر وعمق فكري.

كما لا يفوتني أن أعبّر لكم عن اعتزازي الكبير بجهودكم القيّمة في ترجمة السيرة الذاتية والرواية، وهو عمل يتطلب حسًّا أدبيًا رفيعًا، وفهمًا دقيقًا لجماليات اللغة، وهو ما تجلى بوضوح في ترجمتكم إلى العربية بروح مخلصة ومبدعة.

إن مساهماتكم في هذا المجال تُعدّ إضافة مهمة للمشهد الثقافي.

مع وافر التقدير والاحترام،

شاهد أيضاً

الرواجفة يعاين شعرية النسق الروائي

عمّان- يقدم د.ليث الرواجفة في كتابه “شعرية النسق الروائي” قراءة نقدية معمّقة في علاقة السرد …

اترك رد