أيُّ تكوينٍ ثقافيٍّ للكاتب والقارئ في مجتمعنا؟ وما طبيعة العلاقة بين الأديب والمجتمع؟
العربي الحميدي| المغرب

أسئلةٌ لطالما استوقفتني منذ سنوات، كلما هممتُ بقراءة أعمال أدبية شعرية أو سردية، وكلما تنقلت بين صفحات كتب عمالقة الأدب الروسي، الذين استطاعوا أن يُلامسوا أعماق النفس البشرية بأسلوب أخاذ وفلسفة عميقة. لم أكتفِ بالقراءة وحدها، بل تجاوزتُ ذلك إلى مشاهدة عدد من الأعمال المسرحية الخالدة التي قُدِّمت على المسارح الروسية، بما تحمله من عمقٍ إنسانيّ، ورؤيةٍ فكريةٍ تضفي على روح المتلقي مزيجاً من السكينة والدهشة، بل والقلق أحياناً.
في ظل هذا التفاعل مع تجارب إنسانية مختلفة، وجدتُني أطرح السؤال الذي يراود كل أديب «سوي» في بلداننا: ما موقع الأدب في مجتمعاتٍ تتقاطع فيها القيم والانتظارات؟ وهل لا يزال الأدب يمتلك تلك القوة الكامنة في التأثير، أم أنه بات حبيس الهامش والفراغ؟
يقول الشاعر أدونيس، في سياقٍ ساخرٍ وموجِع في آنٍ:
“الجمهور لا يحب إلا المبتذل، العام، المشترك، الذي لا معنى له في الأخير ولا قيمة له.”
إنّ هذا القول، على قسوته، يعكس أزمة حقيقية في الذوق الجمعي الذي أصبح – بفعل عوامل متعددة – متوجسًا من كل كتابة تنطوي على عمقٍ أو جدّة أو انحراف عن السياق المألوف.
لقد طرحت السوسيولوجيا الأدبية منذ زمنٍ بعيد إشكالية العلاقة بين الحياة الأدبية والحياة الاجتماعية. بل يمكن القول إن هذه الإشكالية تعود إلى جذور الفكر الفلسفي، كما يظهر في أطروحة أفلاطون في “الجمهورية”، حين ساءل مكانة الشعراء في المدينة، وحذّر من أثرهم على أخلاق الجمهور وسلوكهم. لقد كان أفلاطون يرى في الأدب خطراً حين يكون مُضللاً، وفضيلةً حين يكون موجِّهاً نحو الخير والعدل.
ولم تغب هذه التساؤلات عن عصور لاحقة، بل تجدّدت بصيغ مختلفة، في ضوء التحولات الثقافية والاجتماعية. فما الذي يحدث اليوم في عصر “الوسائط” و”الثقافة الرقمية”؟
قراءة في السلوك الثقافي المعاصر
من المعروف أن كل ثقافة تُعيد إنتاج ذاتها في الفرد، وفي شخصية المبدع، وفي طبيعة القارئ. والسؤال هو: ما الذي تنتجه ثقافتنا اليوم؟ هل تربي ذوقاً جمالياً وفكراً نقدياً؟ أم أنها تكرّس التفاهة وتغذي استهلاك المعنى بدل إنتاجه؟
هل لا يزال بإمكان الأدباء والفنانين أن يُطبّقوا أعمالهم على مختلف مناحي الحياة، بما في ذلك الجانب الاجتماعي، كما كان يحدث في التجارب الأدبية الكبرى التي ربطت الإبداع بالسياق التاريخي والمجتمعي؟
وماذا عن مواقع التواصل الاجتماعي؟ هل صارت بالفعل بديلاً للصالونات الفكرية والأدبية التي كانت تنبع من الحاجة للحوار العميق وتبادل الرأي؟ أم أنها تحوّلت إلى “بؤر عزلة جماعية”، حيث يتجمّع الناس دون أن يلتقوا، ويتحدّثون كثيراً دون أن يصغوا لبعضهم، ويمارس الأدباء فيها نوعاً من “التسويق الذاتي” بدل الانخراط في مغامرة الكتابة الخالصة؟
لقد أصبح الأدب، في كثير من الأحيان، تائهاً بين ضجيج الترويج الرقمي، وسطوة الصورة، واختزال الإنسان إلى مجرد مستهلك للمحتوى. فكم من النصوص الجادة تُهمّش، بينما تُحتفى كتابات تفتقر إلى الحدّ الأدنى من الجمال والصدق!
بين الأديب والمجتمع: علاقة جدلية
إن العلاقة بين الأديب والمجتمع ليست علاقة تبعية، بل علاقة جدلية. فالأديب ليس بالضرورة مرآة للمجتمع، بل هو في أحيان كثيرة عينه الناقدة، ولسانه الجارح، وضميره الحي. بيد أن هذه المهمة تتطلب وعياً ثقافياً راسخاً، وتكويناً معرفياً يتجاوز حدود “الموهبة” إلى عمق التجربة واتساع الرؤية.
فالأدب ليس ترفاً ولا متعةً جمالية خالصة. إنه فعلٌ حضاري، ومجالٌ حيويٌّ لمساءلة الذات والواقع، ولزرع الأسئلة داخل ضمير الأمة. ومن هنا فإن الفضائل والمخاطر التي يحملها الأدب لا تنفصل عن طبيعة المجتمع، ولا عن موقع المثقف في صلب معادلة التغيير.
بقلم رئيس التحرير
عناقيد عناقيد، موقع ثقافي فكري جامع مستقل.