قُبلات قديمة العهد

نهيد درجاني| لبنان

١

شديدُ الشفتين

قابضٌ

حيث لا حول ولا قوّةَ لأرباع الصوتِ

حين يحتكّ الأنفُ بالانفِ لضيق الأنفاس

والذقن بالذقن لضيق المسافة،

رخويّ الشفتين

صُمغيٌ

لاصقٌ كشريطٍ من العنق الى العنق

متّصلٌ

بالوريد الرّفيع الأزرقِ من المعصم

بإمساك الأصابع

بثنيها كرُكْبَةِ السجدة الأولى

كشدّها

كانهمارِ فمي على قماشةِ فيرونيكا تمسح وجه المسيح

أجعلكها

أمسّدها

أطويها كيلا ينطبعَ فوقه وجهُكِ،

٢

رطبُ الشفتين

لمّاعٌ

مذابٌ

متوهّجٌ

بخاريٌ

أنحدر

أتزحلقُ

لا حجرَ يسندني

لا صخرةً تبُجُّ بي

أنفجرُ تلقائياً فيما كبسولةُ حواسي لا نقرةَ فيها

تتناثر أجزائي

ألملمها

أحشرها بين مِلزمةِ ساقيكِ البرّيتين

أغطيها بعشب خفيف خفيف

أطبطبُ عليها كي تهدأ قليلا،

رطبُ الشفتين كثيرا

متهدّجٌ

مترهلٌ

كحليٌّ مع نكزٍ في سقف الحلق ووخز على راس اللسان،

مُخدّرُ الشفتين

صامتٌ

مبحلقٌ بالسقف البعيد،

نكدتان

شفتاك نكدتان

بالزمِّ بالمطِّ

بخطِّ الطول المُدَقِّ كمآرفِ الحدود بين وطنين سيّدين مستقلّين

بخطوط العِرْضِ في قارَّةٍ واحدة

كالفجر عن يمين شفتك العليا

كالمساء عن يسارها

ماكرتان

ك نَعَمْ لا تقبِّلْني فوراً لئلا تنسى القبلةَ الماضية،

شفتاك العربُ الرحَّلُ

حين تُدَقُّ المهابيجُ

حين يفورُ البنُّ ويزبدُ

حين تتقدّمان كصباح الخير

حين ترتشفان

حين يئنّ الفنجان

حين تلحسين القشوةَ بميوعةٍ،

شفتاك البَلا أصلٍ

بَلا فصلٍ

بلا مربىً

بلا تهذيبٍ

شفتاك العجيبتان

متى تحوّلان لعابَكِ لنبيذ فاخر ببلعة ريقٍ واحدة

متى تخترقان الحشود للمسة تُفقدُني قواي

شفتاك قبل احمر الشفاه

كانتا نكدتان

نكدتان كثيرا،

٣

لا تبدّلي طعمَ الليل

اللآلىءُ لا تنمو في محار معجون الأسنان

والمخمضةُ ستجفّفُ حليماتِ الورقِ من لسانك

مصائدُ المرجان

لوزتاك

حبالُ صوتِك

تطالبُ بي

قولي في الالتحامِ نهيداً

وفي الإطباق حبيبي

وفي الإفلات قبّلْني كعظيم رحمتِك

واطبقي قُزّحيَّتيِّ عينيك كيلا تراني أنفاسُكِ مستعراً

تزوغُ

تتقطّعُ

تتسارعُ

تتلشلشُ

ترتخي كمطاطٍ أسيويّ

لم أمت يوما لاجل قبلة

لم أختنق يوما بقبلة

المداخن لم تقل يوماً هنا الجحيم

أنفاسُك حُوَيْلَ الموقدِ آخرُ الرّماد

تكفيني بصّةٌ لأعودَ مجدداً إلى هذا العالم

من شحمة أذُنِك أعود

من صوّانتها

من صمغها

من ثقب حلقتها

اسمعي صوتَ قبلتي يناديك

من الأعماق

إلى أرنبةِ أنفِك أعودُ

بخورُ الصندل أنا

أطردُ الجانَ بشمشمةٍ خاطفةٍ من حولِك

وأُسمّي باسم الذي خلقَ البرّ والبحرَ والسماءَ وشَقَّةَ عينيك

إلى عينيك أعود

إلى الرّمشِ الذي أزاغَ المرايا

إلى الجفنِ الحاملِ خطايا اقترابي وذنوبَ وصولي إلى جبهتك

يا أمَّ المعارِكِ ارحميني

شفتاي لا تحتملُ الزحفَ كالرقطاء في هذا السهل وفي هذا السهل لم أجدْ غمّازةً تأوي فمي

خدُّك الايمن مصقولٌ

والاستدارة إلى الأيسر بحاجة لوقت طويل

هذه الفوضى تبعثرُني

سوائلُ فمي لا تكفي لربط كلمتين بخيط الشِّعر

سأقبّلُ قصائدَ جسدِك ما حُيِيتُ

فلينزلْ فمي

من الوجع الخلفي تحت جديلتِك

إلى الخَدَرِ حين تلفّين ساقاً حول ساقٍ في لوحة الجدار

إلى كيف لا يُشْمِرُ فستانُك عن نفسهِ،

يا حياءَ العالمِ دعني أقضمُ عشبَ جمالها

لم يبقَ من عاجِ أسناني إلا الصّفار

ولا من صيفِ فمي إلا الدّعاء،

منْ أَذِنَ للأدعية أن تدورَ حولَ هالةِ وجهِك

ومنْ أعطى للصدى حقَّ المبيتِ خلفَ ظهرِك

كلُّ أعقابِ السجائر سألتني منْ مرَّ من هنا

كلُّ حبّةِ لوزٍ

كلُّ ابتسامةٍ وكَشْرَةٍ

ما قضمْتُ شفتيَّ ندماً على ثخانة القواميس

أنا في التوبةِ أقضمُ

إسماً جامداً

حرفاً رخيماً

كلمةً تشبهُ أسنانَ الحليب أضعها تحت مخدّتي لتصيرَ خمسةَ قروشٍ من السُّكَّر

هكذا ادّخرْتُ ذكورتي

رملاً فوق رملٍ محروقٍ نفختُ به الليلَ

هكذا صنعتُ زجاجَ عينيّ،

٤

يا آخر الشفتين

قولي

أحبُّك من دون مرآةٍ،

٥

لا تقولي شيئا

قبّليني فحسب.

شاهد أيضاً

الرواجفة يعاين شعرية النسق الروائي

عمّان- يقدم د.ليث الرواجفة في كتابه “شعرية النسق الروائي” قراءة نقدية معمّقة في علاقة السرد …

اترك رد