العربي الحميدي | المغرب

في الفضاء الثقافي، يُفترض أن تسود قيم التواضع الفكري، والانفتاح على الآخر، والإنصات إلى نبض المجتمع وهمومه، وإلى الأصوات الشابة التي تحمل بذور التغيير. غير أن ظاهرة مقلقة تطفو على سطح المشهد الثقافي، تتجلى في تضخم “الأنا” لدى بعض المنتسبين إلى هذا الحقل، حتى تكاد تتحول إلى هيكل مقدس لا يُمس، مقترنةً بنزعة نرجسية، قد تكون صاخبة أو مستترة، ترتدي عباءة الثقافة لتخفي هشاشة داخلية، أو نزعة استعلاء وتسلط لا تجد مبررًا سوى في ذاتٍ متورمة.
ليس المقصود هنا المثقف بوصفه فاعلًا اجتماعيًا ومعرفيًا، بل أولئك الذين يجعلون من ذواتهم مركزًا للمعرفة، وينسبون إلى آرائهم صفة العصمة، حتى يبدو الحوار معهم إن حدث؛ ضربًا من المراوغة أمام مرآة مشروخة لا تعكس سوى صورة واحدة مكرورة؛ صورتهم.
حين نتحدث عن تضخم “الأنا” لدى بعض المثقفين، لا نعني بذلك وعي الذات أو اعتداد المشروع بالمعرفة، بل انزياحًا خطيرًا نحو تمركز أناني حول الذات، يُقصي الآخر ويختزله في دور المرآة الوظيفية التي لا تُظهر إلا انعكاس تلك “الأنا”. فالمثقف النرجسي يتحدث عن نفسه أكثر مما يتحدث عن الأفكار، ويكثر من استخدام ضمير المتكلم، وكأن ما يقوله ليس نتيجة لتاريخ من التراكم المعرفي والحوار الثقافي، بل هو لحظة تجلٍّ فردية خارقة. تغدو ذاته نصًّا مقدسًا، ومواقفه الفكرية بيانات نهائية لا تقبل المراجعة أو النقاش.
هذا النوع من المثقفين لا يطيق النقد، إذ يراه تهديدًا مباشرًا لسلطانه الرمزي، لا حوارًا معرفيًا مشروعًا. لذا، سرعان ما يُبادر إلى التقليل من شأن منتقديه، إما بالتشكيك في دوافعهم أو الطعن في كفاءاتهم، ويُحدق فيهم من علٍ، كأنهم تلاميذ في حضرة أستاذ لا يُشق له غبار، أو دخلاء على مملكة المعرفة المحصّنة ضد القادمين الجدد.
النرجسية المقنّعة بثوب الثقافة
النرجسية هنا ليست دائمًا صاخبة أو فجّة، بل قد تتوارى خلف سلوكيات تبدو في ظاهرها نبيلة؛ الدفاع عن القيم، الانخراط في النقاشات العامة، كتابة المقالات وتأليف الكتب. غير أن هذه الأفعال، حين تُدار من داخل بنية نفسية مأزومة، تصبح وسيلة لإشباع نهم داخلي إلى الإعجاب، والتفوق، والتفرد.
المثقف النرجسي لا يكتب من أجل الحقيقة أو من أجل إثراء المعرفة، بل ليؤكد لنفسه وللآخرين أنه الأذكى، والأعمق، والأكثر استحقاقًا للضوء. وهو لا يشارك في الفعاليات الثقافية حبًّا في الحوار أو التفاعل، بل لكي يكون في مركز الضوء، حيث تُسلَّط عليه الأنظار، ويُصفق له حتى قبل أن ينطق. إنه لا يسعى إلى المعرفة، بل إلى جمهورٍ يُصفّق، إلى مرآةٍ لا تعكس إلا صورته.
منابر لا حوارات
ضمن هذا المنطق، تتحول الندوات الثقافية إلى منصات استعراضية، وتغدو المقالات مرايا شخصية، بينما تنقلب الحوارات إلى مونولوجات متواصلة. لا يُنصت المثقف النرجسي إلى الآخر إلا ليُعدّ ردّه، ولا يطرح الأسئلة إلا ليجيب عنها بنفسه. وغالبًا ما يُحيط نفسه بحلقة من المريدين الذين يرددون خطابه ويباركونه، في مشهد أقرب إلى طقس طائفي منه إلى علاقة فكرية حية.
بهذا، يصبح من العسير بل المستحيل أن يُبنى فضاء ثقافي تعددي حقيقي في حضرة هذا النوع من المثقفين. فالنرجسية، بما أنها تمركز حول الذات، ترفض التعدد، وتختنق في حضور الاختلاف. إنها تهرب من الآخر المختلف، لا حبًّا بالوحدة، بل خوفًا من أن تنكشف هشاشتها أمام مرآة لا تزين.
في العمق، كثيرًا ما تكون النرجسية قناعًا يخفي جرحًا عميقًا؛ شعورًا قديمًا بالدونية، أو تجربة تهميش، أو قلقًا وجوديًا لم يُعالَج إلا عبر آليات دفاعية تُعيد إنتاج الأزمة في صورة سلطة رمزية. فبعض من يُبدون نرجسيين قد يكونون الأشد هشاشة من الداخل، يبنون حصونهم النفسية من الكلمات، ويخفون جراحهم خلف أقنعة البلاغة والمكانة الثقافية.
إنها مفارقة موجعة؛ أن يتحول المثقف، الذي يُفترض أن يكون بانيًا للجسور، إلى من يشيد الحواجز؛ وأن تتحول الثقافة، بدل أن تكون أداة تحرر ومعرفة، إلى وسيلة لإعادة إنتاج “الأنا” المتضخمة.
الحاجة اليوم ملحة إلى مراجعة صادقة لأدوار المثقفين، لا باعتبارهم نخبة تعلو على المجتمع، بل فاعلين فيه، ومشاركين في تشكيل وعيه. إن التواضع لا التباهي، والإصغاء لا الخطابة، والتساؤل لا الجزم، هي السمات التي يمكن أن تُعيد إلى الفعل الثقافي صدقه وسموه.
أما أولئك الذين لا يرون في الثقافة إلا وسيلة لتضخيم ذواتهم، فإنهم لا يُضيفون إلى المعرفة إلا الأوهام، ولا إلى المجتمع إلا مزيدًا من التكلس. فالمثقف الحقيقي لا يحتاج إلى مرآة النرجسية، بل إلى عين الحقيقة.
بقلم رئيس التحرير
عناقيد عناقيد، موقع ثقافي فكري جامع مستقل.