حاورتها نخبة من الصحافة بالجزائر

السؤال: كيف وُلدت فكرة سلسلة “تنشئة الطفل: فن ومهارة”؟ وهل كانت حلمًا قديمًا؟
الجواب:
فكرة سلسلة “تنشئة الطفل: فن ومهارة” انبثقت من قناعة علمية تشكّلت لدي عبر مساري الأكاديمي والبحثي، مفادها أن التنشئة السليمة لا تقوم فقط على المعارف النظرية المجردة، بل تتطلب تكاملًا بين البعد المعرفي، النفسي، والاجتماعي، مدعومًا بفهم عميق لحاجات الطفل في مراحله الأولى.
وقد تأسست هذه السلسلة على رصد فجوة واضحة في المحتوى التربوي المتاح، سواء من حيث ضعف التفاعل بين النظرية والتطبيق، أو غياب المعالجة المتكاملة التي تنظر للطفل بوصفه ذاتًا متفاعلة وليست مجرد موضوع للتلقين.
من هذا المنطلق، جاءت السلسلة كمشروع تربوي يزاوج بين التحليل العلمي والدعوة إلى ممارسات تربوية أكثر وعيًا ومرونة. فهي ليست مجرد مؤلفات متفرقة، بل إطار متكامل لتطوير الفكر التربوي الموجّه لمرحلة الطفولة، مع التركيز على تمكين المربين من أدوات تأملية وعملية في آنٍ معًا، بما يتماشى مع المستجدات التكنولوجية والاجتماعية والثقافية التي تؤثر في الطفل وبيئته التربوية.
السلسلة بذلك، تعبّر عن رؤية شمولية تتجاوز التنشئة بوصفها ممارسة تقليدية، لتقترح نماذج تفاعلية في التربية قائمة على الوعي، التدرّج، واحترام الفروق الفردية والوجدانية لدى الطفل.

السؤال: ماذا يعني لكِ مصطلح “فن ومهارة” في تنشئة الطفل؟
الجواب:
مصطلح “فن ومهارة” في تنشئة الطفل يُعبّر عن تكامل مزدوج بين البُعد الإبداعي والجانب التطبيقي في العملية التربوية. فتنشئة الطفل ليست مجرّد تطبيق آلي لمجموعة من الأساليب أو القواعد، بل هي مسارٌ دينامي، يتطلب حضورًا وجدانيًا، فهمًا عميقًا للنمو الإنساني، وقدرة على التكيّف مع السياقات المتغيرة.
من جهة، يُحيل الفن إلى القدرة على التعاطف مع الطفل، واستيعاب حاجاته النفسية والعاطفية، واختيار اللحظة المناسبة للتوجيه، والتعبير بلغةٍ تتجاوز الكلمات نحو التواصل الشعوري. هو فن قراءة الطفل بعيون القلب، والإنصات لما لا يُقال.
ومن جهة أخرى، تُجسّد المهارة البُعد المهني والعلمي، والذي يستند إلى معارف دقيقة حول مراحل النمو، نظريات التعلم، وطرائق التدخل الفعّال. إنها القدرة على التخطيط، التقييم، وإدارة المواقف التربوية بكفاءة واتزان.
إن الجمع بين الفن والمهارة هو ما يُميز المربي الناجح؛ فالمهارة وحدها قد تخلق مُعلِّمًا ناجحًا، لكن لا تُنتج بالضرورة مُربيًا واعيًا. كما أن الفن دون مهارة قد يُفضي إلى عشوائية أو مبالغة وجدانية تفتقر إلى البوصلة العلمية.
من هنا، أؤمن أن تنشئة الطفل فنٌّ في الحضور، ومهارة في التدبير. هي مسؤولية تتطلب حسًّا إنسانيًا مرهفًا، ومرجعية معرفية راسخة. ولهذا جاء عنوان السلسلة “تنشئة الطفل: فن ومهارة” ليُجسّد هذا التوازن المطلوب بين الوعي، والعلم، والإبداع في بناء الإنسان منذ بداياته.
السؤال: هل تتبعين منهجًا بحثيًا معينًا في بناء كتب هذه السلسلة؟ أم تعتمدين على التجربة والخبرة الشخصية؟
الجواب:
سلسلة “تنشئة الطفل: فن ومهارة” هي مشروع تربوي علمي بمرجعية أكاديمية، يزاوج بين المنهج البحثي الرصين والأسلوب التفاعلي المستلهم من أدبيات التنمية البشرية التربوية. في بنية كل كتاب، أحرص على الجمع بين التأصيل النظري المستند إلى الأدبيات العلمية المعاصرة في مجالات التربية، علم النفس، وسيكولوجيا النمو، وبين استحضار الممارسة الميدانية والخبرة الواقعية التي تمنح النصوص بعدها العملي والوظيفي.
المنهج المعتمد في إعداد هذه السلسلة يقوم على القراءة النقدية للمفاهيم، وتحليل النماذج السلوكية والتربوية وفق مقاربة نوعية. كما يتم توظيف نتائج الأبحاث والدراسات الحديثة بطريقة مبسطة وسهلة الاستيعاب، بهدف تسهيل نقل المعرفة من حيّز النظرية إلى مجال التطبيق.
ومن جهة أخرى، تعتمد السلسلة أسلوبًا تفاعليًا موجهًا للقارئ، حيث لا يُقدَّم المحتوى على شكل عرض نظري جامد، بل يُدمَج بأسلوب تنمية بشرية تربوية، يحفّز القارئ على التفكير، التأمل، والمشاركة الوجدانية. ولأجل ذلك، تتضمن كتب السلسلة:
أمثلة واقعية تُحاكي تحديات الميدان التربوي.
قوائم مرجعية تساعد القارئ على التقييم الذاتي ومتابعة مدى تحقق الأهداف التربوية.
تطبيقات عملية وتمارين إرشادية تُسهّل تحويل المفاهيم النظرية إلى ممارسات فعّالة في الحياة اليومية، سواء في البيت أو المؤسسة التربوية.
بهذا المعنى، لا تقدم السلسلة محتوى معرفيًا فقط، بل تسعى لتكوين وعي تربوي جديد، وتزويد القارئ بالأدوات التي تمكّنه من التفكير، الفعل الواعي، والمرافقة التربوية المدروسة للطفل.
السؤال: ما التأثير الذي تطمحين أن تتركه هذه السلسلة على الأسرة والمجتمع؟
الجواب:
تطمح سلسلة “تنشئة الطفل: فن ومهارة” إلى إحداث أثر عميق ومركّب على مستوى الفرد، الأسرة، والمؤسسة التربوية، انطلاقًا من قناعة راسخة بأن التربية ليست مجرد مهمة، بل هي فن رفيع ومهارة متقنة، تستلزم فهماً عميقًا وإبداعًا مستدامًا.
أولًا، على مستوى الأسرة، تهدف السلسلة إلى إعادة تشكيل العلاقة بين المربي والطفل، من خلال تعزيز الفهم المتبادل، وتحفيز الأهل على الانتقال من التربية القائمة على العفوية أو التقليد، إلى ممارسات واعية ومدروسة، تراعي حاجات الطفل النفسية، وتُبنى على احترام الفروق الفردية، وتوظيف أدوات التواصل الإيجابي.
كما تسعى إلى تمكين الوالدين معرفيًا ووجدانيًا، بتقديم نماذج تطبيقية، وأدوات تقييم ذاتي، تساعدهم على تطوير مهاراتهم التربوية بطريقة عملية تراكمية.
ثانيًا، على مستوى المجتمع، تطمح السلسلة إلى المساهمة في بناء ثقافة تربوية حديثة، تدمج بين العلم والضمير، بين الرؤية النقدية والمسؤولية المشتركة في تنشئة الجيل الصاعد. إذ لا يمكن الحديث عن تنمية بشرية شاملة دون البدء بتنمية الوعي التربوي للأسرة، بوصفها المؤسسة الأولى والأهم.
كما تأمل السلسلة أن تكون مرجعًا عمليًا لفئة المربّين، المعلمين، والمهتمين بالشأن التربوي، من خلال طرح محتوى يُحفّز النقاش، ويقترح حلولًا واقعية، ويسهم في صياغة خطاب تربوي جديد، قادر على مواكبة التحولات النفسية والاجتماعية والتكنولوجية التي تمس الطفل في مجتمعاتنا المعاصرة.
في المجمل، الأثر المنشود هو إعادة الاعتبار للتربية كفنٍّ ومهارةٍ ووعي، وخلق جيلٍ من المربين الواعيين بدورهم، المتصالحين مع ذواتهم، والقادرين على تشكيل بيئة نموّ صحية لأطفالهم، بعيدًا عن الضغوط والانفعالات وردود الفعل اللحظية.
السؤال: كيف ترين تعامل الأسرة العربية اليوم مع مفاهيم الوعي النفسي؟
الجواب:
تعامل الأسرة العربية مع مفاهيم الوعي النفسي لا يزال، في مجمله، في طور التحول البطيء بين نموذجين: الأول تقليدي، يتعامل مع السلوك الظاهري كغاية في حد ذاته، ويُغفل الأبعاد الداخلية للتفكير والشعور؛ والثاني ناشئ وواعد، يُحاول أن يُدمج الفهم النفسي في العملية التربوية، لكنّه يواجه تحديات ثقافية ومجتمعية لا يُستهان بها.
في كثير من البيئات الأسرية، لا تزال الصحة النفسية للطفل تُختزل في مفاهيم مثل “الهدوء”، “الطاعة”، أو “التفوق الدراسي”، بينما تُهمَل الأسئلة الأعمق حول احتياجاته العاطفية، شعوره بالقبول، صورته الذاتية، وطريقة تعبيره عن الانفعالات. ويعود هذا جزئيًا إلى الإرث التربوي القائم على السلطة والانضباط، مقابل ضعف ثقافة الحوار والتفهم.
ومع ذلك، لا يمكن إنكار أن السنوات الأخيرة شهدت تزايدًا ملحوظًا في الوعي، بفضل الانتشار التدريجي للمعرفة النفسية عبر وسائل الإعلام، والكتب، والدورات التربوية، ما جعل كثيرًا من الأسر تبدأ بإعادة النظر في ممارساتها، وتسعى لفهم “لماذا” خلف “كيف” في سلوكيات أطفالها. وهذا التحول بحد ذاته مؤشر إيجابي على قابلية المجتمعات العربية لتبنّي منظور أكثر إنسانية وشمولية للتنشئة.
لكن التحدي الحقيقي لا يكمن فقط في توفر المعلومات، بل في تحويل هذا الوعي إلى ممارسة يومية، تتجسد في أساليب التواصل، أسلوب وضع الحدود، والتفاعل مع الانفعالات الطفولية دون إنكار أو قمع.
وبالتالي، فإن تعزيز الوعي النفسي داخل الأسرة العربية يتطلب جهدًا تربويًا مستمرًا، ومصادر معرفية مبسطة وعميقة في آنٍ معًا، وهو ما تسعى سلسلة “تنشئة الطفل: فن ومهارة” لتقديمه، من خلال خطاب يُوازن بين العلمية والواقعية، ويخاطب الإنسان في المربي، لا فقط دوره الوظيفي.
السؤال: ما أكثر فكرة تربوية شائعة تعتبرينها “خاطئة وخطيرة” على الطفل؟
الجواب:
من أكثر الأفكار التربوية الشائعة التي أعتبرها خاطئة وخطيرة في آنٍ واحد، هي الفكرة التي تُفترض ضمنيًا في كثير من البيئات التربوية، وهي أن:
“الطفل الجيد هو الطفل الهادئ، المطيع، قليل الكلام، الذي لا يُجادل ولا يُعبّر عن رأيه.”
هذه النظرة السطحية تُختزل فيها جودة الطفل في سلوكه الظاهري، وغالبًا ما تُكافأ الطاعة العمياء أكثر من التفكير النقدي أو التعبير الذاتي. والخطورة في هذه الفكرة أنها تُعزّز لدى الطفل نزعة الكبت بدل الوعي، وتُشكّل وعيًا زائفًا بأن القيمة مرتبطة بإرضاء الآخر، لا بصدق المشاعر أو الفهم الذاتي.
مثل هذه الفكرة تُنتج جيلًا “مُطيعًا” ظاهريًا، لكنه ممزق داخليًا، متردد، خائف من الخطأ، وغير قادر على المبادرة أو اتخاذ القرار. كما أنها تضعف مهارات التواصل والذكاء العاطفي، وتفصل الطفل عن ذاته الحقيقية تدريجيًا.
التربية السليمة لا تُقاس بمدى “هدوء” الطفل، بل بمدى وعيه بذاته، وراحته في التعبير عنها ضمن حدود واضحة.
من هنا، تدعو سلسلة “تنشئة الطفل: فن ومهارة” إلى تجاوز هذا النموذج التقليدي، نحو تنشئة قائمة على الاستماع، احترام المشاعر، وتعليم الطفل كيف يُفكّر، لا فقط كيف يُطيع، لأن الطفل الواعي اليوم هو البالغ السويّ غدًا.
السؤال: ما الدور الذي يجب أن يلعبه الكاتب التربوي في مجتمعه برأيك؟
الجواب:
الكاتب التربوي ليس مجرد ناقل للمعرفة، بل هو فاعل تربوي واعٍ تقع على عاتقه مسؤولية مزدوجة: المعرفة والتأثير.
ففي ظل التحولات الاجتماعية والثقافية المتسارعة، وما يرافقها من أزمات قيمية وتربوية، يُصبح من الضروري أن يتجاوز دور الكاتب التربوي حدود التأليف النظري، ليُصبح طرفًا فعّالًا في صناعة الوعي الجماعي وتوجيهه.
أول أدواره أن يكون جسرًا بين المعرفة الأكاديمية والممارسة اليومية، أي أن يُترجم المفاهيم والنظريات التربوية بلغة مبسطة، قريبة من القارئ غير المتخصص، دون إخلال بجوهرها العلمي. فالمجتمع لا يحتاج فقط إلى كتب مرجعية، بل إلى كتب تُرافق المربي في تفاصيله اليومية وتحدياته الواقعية.
ثانيًا، يجب أن يُمارس دور الناقد البنّاء، من خلال مساءلة بعض الممارسات التربوية التقليدية، وفتح النقاش حول الأساليب التي أضحت موروثة أكثر من كونها فعّالة. فالمجتمع بحاجة إلى من يُعيد تشكيل الوعي التربوي على أسس إنسانية مرنة، تراعي الطفل ككائن نامٍ، لا ككائن يجب تشكيله بالقوة.
ثالثًا، من واجب الكاتب التربوي أن يكون صوتًا للطفولة المغيّبة، أي أن يُدافع عن حقوق الطفل النفسية والعاطفية، ويُسهم في بناء بيئة حاضنة تُقدّر كينونته وتدعم نموه المتوازن، لا من خلال الشعارات، بل من خلال نشر الثقافة، وتقديم البدائل العملية للأسر والمربين.
وأخيرًا، يُنتظر من الكاتب التربوي أن يكون قدوة في خطابه وأسلوبه وقيمه، وأن يُمارس ما يكتبه على أرض الواقع التربوي، لأن التربية ليست تنظيرًا فقط، بل موقفٌ وضميرٌ والتزام.
كيف تناولتِ العلاقة بين العاطفة والحدود في تنشئة الطفل؟ وهل من أمثلة عملية تضمنها الكتاب؟
الجواب:
في كتاب “فن تشكيل الوعي النفسي عند الناشئ بين العاطفة والحدود”، تناولت العلاقة بين العاطفة والحدود كعنصرين تكامليين في بنية الشخصية النفسية للطفل، وليس كقطبين متضادين. فالخلل التربوي غالبًا ما يحدث حينما يُقدَّم أحدهما على حساب الآخر: الإفراط في العاطفة دون حدود يؤدي إلى ضعف في البناء النفسي والانضباط الذاتي، بينما التركيز على الحدود دون احتواء عاطفي يُنتج شخصية مضطربة، قلقة، أو خاضعة بشكل مرضي.
اعتمدت في المعالجة على تصور أن العاطفة هي الأرضية التي ينمو فيها الإحساس بالأمان والانتماء، بينما الحدود هي الإطار الذي يتعلّم فيه الطفل احترام الذات والآخر، وتنظيم سلوكه ضمن بيئة تحفّز نموه، لا تكبحه.
وقد تضمّن الكتاب أمثلة تطبيقية متعددة تُجسّد هذا التوازن، منها:
🔹 مثال في التفاعل مع نوبات الغضب: بدل قمع الطفل بالصراخ أو الإهمال، يُقترح نموذج يجمع بين الحضور العاطفي (“أنا معك وأفهم أنك غاضب”)، وتقديم الحد (“لكن لا يمكننا أن نرمي الأشياء أو نؤذي أحدًا”).
🔹 مثال في وضع القواعد المنزلية: طُرحت آلية تشاركية لبناء قواعد يومية مع الطفل، مع احترام خصوصيته وتشجيعه على المشاركة في صنع القرار، ما يعزز انضباطًا نابعًا من القناعة لا من الخوف.
🔹 قائمة مرجعية: “ميزان العاطفة والحدود في العلاقة التربوية”، وهي أداة تساعد المربي على تقييم ممارساته اليومية، وتعديلها تدريجيًا باتجاه توازن صحي بين الاحتواء والحزم.
الكتاب بذلك لا يقدّم العاطفة والحدود كمفاهيم نظرية فقط، بل كمهارات يمكن تنميتها، وتطبيقها، وتقييمها من خلال مواقف الحياة اليومية، بما يُسهم في بناء وعي تربوي مرن، متوازن، وإنساني.
السؤال: ما الذي يميز هذا الكتاب عن كتب التربية النفسية الأخرى الموجودة في الساحة؟
الجواب:
ما يُميز كتاب “فن تشكيل الوعي النفسي عند الناشئ بين العاطفة والحدود” عن غيره من كتب التربية النفسية، هو أنه لا يكتفي بتقديم معلومات أو نظريات، بل يُقدّم رؤية تربوية متكاملة تضع الطفل في قلب العملية التربوية ككائن متفرد له نبضه النفسي الخاص، واحتياجاته العاطفية والسلوكية التي تتطلب فهمًا مرهفًا أكثر من مجرد تقنيات تعامل.
الكتاب لا يُنظّر من بُعد، بل يكتب من داخل التجربة التربوية، بأسلوب يجمع بين الأصالة الأكاديمية والروح التفاعلية المستلهمة من منهجية التنمية البشرية التربوية. ومن أبرز ملامح تفرّده:
- الطرح الفلسفي النفسي المتوازن:
يعالج العلاقة بين العاطفة والحدود بوصفها مسارًا نفسيًا داخليًا يتشكّل في الطفل ويُعيد تشكيله، لا كأوامر خارجية تُفرض عليه. يُعيد تعريف “السلطة التربوية” و”الحب المشروط” و”الاحتواء” في ضوء مفاهيم حديثة.
- الأسلوب التفاعلي القريب من القارئ:
يخاطب المربّي لا كمتلقٍ، بل كشريك في التفكير، من خلال أسئلة تأملية، وحوارات ضمنية، ونماذج واقعية تساعده على إسقاط المحتوى على تجربته الشخصية.
- الدمج بين النظرية والتطبيق:
يتضمّن أمثلة حقيقية، تمارين عملية، قوائم تقييم ذاتي، ونصوص إرشادية، تجعل القارئ قادرًا على تحويل الفكرة التربوية إلى ممارسة يومية قابلة للقياس والملاحظة.
- لغة علمية إنسانية:
يخاطب القارئ بلغة رصينة لكنها دافئة، بعيدة عن التنميط أو التعقيد الأكاديمي، وتُراعي الحس التربوي والبعد الثقافي للمربي العربي.
- رؤية تنموية طويلة المدى:
لا يهدف الكتاب فقط لحل المشكلات الآنية، بل لتشكيل وعي عميق لدى القارئ حول الطفل، التربية، والذات التربوية. إنه يدعو إلى “تربية المُربّي” بقدر ما يهتم بتنمية الطفل.
وبهذا، يمكن القول إن الكتاب ليس دليلاً تربويًا تقنيًا بقدر ما هو رحلة في عمق العلاقة بين الإنسان الصغير ومن يُربّيه، بين النبض والحد، بين الحب والوعي. وهذا ما يمنحه خصوصيته وفرادته في الساحة التربوية.
السؤال: كيف توفقين في الكتاب بين ضرورة التكنولوجيا وضرورة الحدود التربوية؟
الجواب:
في كتاب “أبعاد التربية في عصر التكنولوجيا – التنشئة بين الفرص الرقمية والحدود التربوية”، سعيت إلى تقديم معالجة متوازنة للعلاقة بين التكنولوجيا والطفل، لا من منظور الإدانة المطلقة ولا الانبهار المطلق، بل من خلال رؤية تربوية تستند إلى مبدأين أساسيين:
✅ أن التكنولوجيا أصبحت واقعًا لا يمكن تجاوزه، بل ينبغي إدماجه بوعي في العملية التربوية.
✅ وأن الطفل بحاجة إلى بيئة مؤطّرة بضوابط نفسية وسلوكية تُنظم تعامله مع هذا الواقع، دون مصادرة حريته أو تعطيل نموه.
التوفيق بين هذين البُعدين يتم من خلال ما أطرحه في الكتاب بمنهجية تقوم على ما أسميته بـ “الحدود الذكية” – وهي تلك التي لا تُقصي التكنولوجيا من حياة الطفل، بل تُعيد ضبط مكانها ووظيفتها ضمن نسق تربوي شامل.
من جهة، أُبرز في الكتاب الفرص التربوية التي تقدمها الأدوات الرقمية، مثل تنمية المهارات المعرفية، إثراء المحتوى التعليمي، وتوسيع آفاق التعلّم الذاتي، وأدعو إلى توظيفها بوعي ضمن بيئة رقمية مدروسة.
ومن جهة أخرى، أطرح نماذج تربوية لضبط الاستخدام، مثل:
وضع جداول زمنية مرنة توازن بين الشاشة والنشاطات الحسية الواقعية.
تحديد معايير لاستخدام المحتوى بدل الاكتفاء بزمن الاستخدام.
إشراك الطفل في وضع قواعد الاستخدام، مما يعزز وعيه الذاتي بدل الاتكاء على المنع الخارجي.
كما يتضمن الكتاب قوائم مرجعية للمربين تساعدهم على تقييم ممارساتهم الرقمية، وتمارين تطبيقية موجهة للطفل لتدريب مهارات الانتباه، التحكم في الذات، والوعي الرقمي الأخلاقي.
في المجمل، لا أدعو إلى رفض التكنولوجيا، بل إلى تحويلها من مصدر استهلاك سلبي إلى وسيلة نمو معرفي ونفسي واجتماعي، ضمن حدود تحترم احتياجات الطفل وتُصون توازنه الداخلي. وهذا ما يشكّل جوهر الرسالة التي يحملها هذا الكتاب في زمن باتت فيه التربية الرقمية ضرورة لا خيارًا.
عناقيد عناقيد، موقع ثقافي فكري جامع مستقل.