أحمد الشيخاوي| المغرب

إنهم فحول الشعر وزبانيته، عاشوا له وبه، فتنفّسوا ممارسته مثلما تنفّستهم، فأبدعوا وأبهروا، وخلّدوا شعريات عصية النسيان كما التجاوز، سرمدية الصلاحية، قابلة للتأويل والتجاوب مع جملة ما قد تمليه تحولات الوعي والذائقة، من تحديات ومستجدات، لسنا هنا لنجاملهم أو نمدحهم على سبيل المُبالغة، كون خلودهم والشهادة على نبوغهم وفرادتهم، مُجسّدة بالتمام، في شرايين تجاربهم ومتون قصائدهم.
لا يشبهون إلاّ ذواتهم، فقط، والتاريخ يعجز أن يكرّرهم أو يجود بنظرائهم.
نقولها صدقا وبكل حياد وموضوعية، فمراياهم وحدها تعكس المفقود والحاضر الغائب من هشاشة ونضارة وسمو وجمال وسائر ما بمقدوره أن يضمّد جراحاتنا ويداوي البعض من غربتنا الروحية، ساعة الانسحاق تحت رحى ضغوط الحياة وإكراهاتها.
من لا يُحاكُون سوى صميمهم، هيهات، من بعدهم، تترع فراغهم، أنامل صنّاع الغواية والأحلام التي يتوقف عليها وجودنا الملغوم بأوبئة المادية المهيمنة والمتوحشة.
ضمن قافلتهم خفيف الظل، الحذق والدمث إسماعيل بن القاسم بن سويد بن كيسان، المكنّى بأبي العتاهية(748/826)، والكنية هذه تعزى إلى كونه كان أميل إلى التخنث والليونة والتأنث، حسب رواة سيرته وشعره.
لقد عاصر كل من المهدي وموسى الهادي ثم الرشيد بعدهما، بل قيل إنه أدرك خلافة المأمون وتوفي إبانها ودفن في بغداد، والمذكور أنه قيد حياته ترك المُجون والعربدة والمنادمة، كي يحيا زاهدا، الشيء الذي جعل شعره يصطبغ بما آل إليه حاله، فكفّ عن غرضيْ الغزل والهجاء، حتّى مماته.
لذا وحسب ما يسمح به الحيّز، سنقارب تجربته في بعدين، بتسليط الضوء على ديوانه، عن دار بيروت للطباعة والنشر:
النّزعة المُنسَبَاتِية وورْطة شِعر الموقف
لقد شكّل الموقف أو المناسبة مرتعا لتحفيز جعبة أبي العتاهية، واستفزاز مخياله الشعري الخصب، لدرجة الإبهار والإدهاش الذي قلَّ نظيره، وعلى النحو الذي جعل الرَّجل في الصفوة وعلى رأس قائمة مُجايليه من الشعراء، بل والسابقين له كما المتأخرين عنه، كذلك، حتى أنه ثبت قوله لما سئل عن كيفية قول الشعر: “ما أردته قط إلاّ مثُل لي، فأقول ما أريد، وأترك ما لا أريد”.
المعروف عنه أيضا، خروجه الصارخ عن العروض، وتكسير القواعد التي تحدّ من حرية تفجير ما يكابده ويختلج في أعماقه، فقد ردّ عن سؤال بشأن العروض قائلا: “أنا أكبر من العروض”، حسب ما تفضلت به كرم البستاني صاحبة مقدمة الديوان.
يقول:
{الحمدُ للهِ يَقضي ما يَشاءُ، ولا
يُقضَى علَيهِ، وما للخلقِ ما شاءُوا
لم يُخلق الخلق إلا للفناء معا،
تفنى وتبقـــــــــى أحاديث وأسماءُ
يا بعد من مات ممن كان يلطفه
قامــــــــــت قيامته، والناس أحياءُ
يُقصي الخليلُ أخاه عند مِيتَتهِ
وكل مـــــــــن مات أقصتهُ الأخلاّءُ
لم تبكِ نفسك أيام الحياة لِما
تخشى، وأنت عــــلى الأحياء بكّاءُ
أستغفر الله من ذنبي ومن سرفي
إنِّـــــي وإن كنت مستورا، لخطّاءُ}(1).
طبعا، نشر ديوانه، وجمع شعره اقتضى من الدار، تعتيب الديوان، وعنونة القصائد كي تسهل على المتلقي المطالعة والتمحيص والتذوّق.
القصيدة التي اقتبسنا منها المقطع أعلاه، يطابق مطلعها عتبتها، حسب اختيار الناشر، دائما.
نجدها في دفق إيقاعاتها الباعثة على طقوس التنسّك، والمحمولة على روح الزهد، والاعتبار بهادم اللذات، ترنّما بتجليات الفناء.
لكن… دائما، من نافذة الموسوعية المُحتفية بعوالم الفانتازي، رصدا لملاحم تمجيد الحياة ومنحها قيمة وأخلاقية أكبر، ما دامت قائمة على التمذهب الراعي لمعاني الحضور الرباني، المُراعي للرّقابة الإلهية، ما بين ضديدين أو غريمين أبديين: خير وشر، تبعا لمنسوبهما تُقاس غائية حياة الكائن، من عدمها.
إنها منظومة خير/ شر، وقد حوصرت بزخم من التَّصويرات والتَّحويرات الفنية لمكثّفة للتجربة الشعرية لأبي العتاهية في المُجمل.
إن شعرية الموقف هنا، لتسجّل التماعاتها ومخملية عبورها وقوة صوتها، بحيث يلتقطها المتلقي بكل جوارحه فيتذوّقها أيّما تذوق، وتستقرّ في وعيه موجهة إياه بمنظومة من الحِكَم وفصول العرفاني المُسعفة بتجويد الظرفيات المجتمعية والحياتية والثقافية، كما لو أنها تعادل الوظيفة الإصلاحية.
يقول كذلك:
{لـــــعمرك، ما الدنيا بدار بقاء
كــــــــفاك بدار الموت دارَ فناء
فلا تعشقِ الدنيا، أخيَّ، فإنما
يُــــرى عاشق الدنيا بجهد بلاءِ
حلاوتها مــــمزوجة بمرارة
وراحتها مــــــــــــمزوجة بعناءِ
فلا تمشِ يوما في ثيابِ مخيَلة
فإنك من طين، خلقت، وماءِ}(2).
من هنا، تلكم التَّناسلات الدلالية المُغرِقة في رسم صور الفناء، يفصّل فيها شاعرنا ببراعة وشجو ووجع مُدْم.
يذمّ الحياة بغرض مدحها، يُصرّح ونادرا ما يُلمّح إلى أن حيازة اللذة والسعادة من الدنيا، إنما تكمن في الوعي الحقيقي بمفهوم الفناء، أي في عدم عشق الدنيا، على حد تعبير الشاعر، حتى لا أقول ضرورة بُغضها، ويجب الانتباه هنا جيدا، فشتّان ما بين الخطابين، غير أنه طرح مفخخ ووراءه ما وراءه، من المفترض الأخذ بضمنيتة، باعتبار سياقاته، تُضمر خلاف ما تُظهر، كما يُقال.
الممارسة الشعرية في ديباجتها الفلسفية
يُشار إلى أن شاعرنا كان بخيلا، الغريب في الأمر أنه يُحرج بشعره سدنة البخل ويسفّههم ويصبّ عليهم جامّ سخريته، ويميط اللثام عن منقصتهم الذميمة هاته، ولعل هذا إن دلّ فعلى المصداقية التي ما انفكت تلازم منجزه وتغذي متون ما تنطوي عليه.
إنه ديدن، قلما تجد من تبنّاهُ وتحلّى به، عبر تاريخ الشعرية العربية المُتعاقبة والولاّدة والممتدة.
يقول:
{إنك لــــو تستنشقُ الشّحيحا
وجـــــــــــــــــدتهُ أنتن شيء ريحا
والخير والشّر إذا مــــــا عُدّا،
بينهما بـــــــــــــــــــــــون بعيدٌ جدا
عجبتُ حتّى غمّني السكوتُ
صرتُ كـــــــــــــــأنّي حائر مبهوتُ
كذا قضى الله، فكيف أصنعُ،
الصمت، إن ضاق الكلامُ، أوسعُ
الترك للدنيا النجاة منها
لــــــــــــم تر لك أنهى منها عليها
من لاح، في عارضه، القتير،
فـــــــــــقد أتاهُ بالبِلى النذير}(3).
بذلك فإن مثل هذه الشعرية، على سلاسة وصفاء المعجم الذي يبني معماريتها، ويجعل منها الصوت الرّخوي، الكريستالي المتمحور على تقنية السهل الممتنع، الذي غالبا ما يؤكد نجاعته في استهداف شرائح القراء الواسعة، على اختلاف مشاربهم وتوجهاتهم ومستوياتهم الثقافية.
قلت إنها شعرية برؤى صوفية، تنشدُ التنوير وتعرض الحِكَم، بشكل موغل في الاحتفالية، وعلى الرغم من اتّسامها بكامل هذا، تظل تزخر بالدِّيباجة الفلسفية التي تمثّل عُصارة الأنساق، باسطة سلطتها على الزمكانية وفضاءات السرديات التاريخية.
ختاما، نستشف مما وراء ألوان هذه التجربة الاستثنائية المُنفلتة، كيف أن الشاعر دأب على ما يشبه الثرثرة بقلبٍ مطبوع مُجرّبٍ، بما ينمّ عن خبرة حياتية كبيرة، بحيث يطوّع الحكمة، عبر النوافذ العقلية التي يفتحها عميقا في عتمة روح متسامحة ومرِحة، بمباركة للوثة الوجودية، واللثغة المُجمِّلة لانثيالات القول الشّعري، عبر ترتيبات نبذ التكلّف، والاحتفاظ قدر الإمكان، بالمسافة الكافية، ما بين أضرب الارتجال ومقامرة الاستسهال التي قد تُفقد الشعر، أبرز وظائفه الكامنة في أدوار الترميز وتشفير الرسائل ونثر دُرر الجمال.
هكذا فإن موضوعة الفناء، من خلال الديوان في كليته، تُلحَّ على الذات الشاعرة، وفق دوائر تناسل دوال الشكّ والقلق الوجودي الكبير المُبرّر للحضور الإنساني والشعري لأبي العتاهية، سيان.
إحالة:
(1)مقتطف من قصيدةّ” الخير والشر عادات وأهواء”، الصفحة11.
(2)مقتطف من قصيدة” لا تعشق الدنيا”، الصفحة12.
(3)مقتطف من” أرجوزة أبي العتاهية”، الصفحة494.انظر ديوان أبي العتاهية، دار بيروت للطباعة والنشر.
بقلم مدير التحرير
عناقيد عناقيد، موقع ثقافي فكري جامع مستقل.