محمد شيكر[1]| المغرب
[1] Mohammed CHIGUER
سأتناول في هذه الورقة موضوعا ظل يراودني منذ نشري لروايتي الأولى واحتكاكي في أواخر الثمانينيات، بدايةَ التسعينيات من القرن الماضي بأعضاء اتحاد كتاب المغرب المشكل آنذاك من أدباء جلُّهم أساتذة بكليات الآداب بالجامعات المغربية. هم كثر (وأعتقد أنهم لازالوا كذلك) الذين كانوا يعتقدون أن الرواية حكرا عليهم، أو على الأصح حكرا على خريجي كليات الآداب ولا يحق لمن هم خارج السرب التطاول عليها والإمعان في مزاحمتهم. لكل، بالنسبة إليهم اختصاصه وفضاؤه الذي لا يحق للآخر اقتحامه. انطلاقا من هذا الموقف، كان على عبد الرحمان منيف ورشيد ميموني وعبد الله العروي ومحمد شكري وآخرين الابتعاد والامتناع عن كتابة الرواية.
مثل هذا الموقف يدل على عدم الوعي بمركزية الرواية على المستوى المعرفي. فالحكي وُجد بوجود الإنسان وتطور عبر التاريخ من الخرافة والأسطورة والقصة أو الحكاية إلى الرواية في صيغتها العصرية ابتداء من القرن التاسع عشر. فقصيدة هوميروس الملحمية “الإلياذة” و”الأوديسة” وقبلها “إكسير الحياة” التي تعود إلى العهد الفرعوني وألف ليلة وليلة والكوميديا الإلهية لدانتي ودون كيشوت…كل هذه الأعمال الأدبية ومثيلاتها من الروائع العالمية لم يكن مبدعوها خريجي كليات الآداب.
- الرواية والتاريخانية
صادف تبلور الرواية في شكلها العصري تحولات في العمق خصت بالأساس المجتمعات الغربية. يمكن اعتبار القرن التاسع عشر بالأخص علامة فارقة أو بالأحرى قرن القطيعة بالنظر إلى ما عرفه من دينامية ارتبطت باكتساح الرأسمالية لهذه المجتمعات سواء على المستوى الاقتصادي أو الفكري مستعينة في ذلك بالمناخ الذي وفرته لها الأنوار. فلولا القطيعة الثقافية التي أخرجت أوروبا من الظلمات إلى النور بإقرار الحرية وتكريس الفردانية اعتمادا على العقلانية ما كانت لتكون الرواية في صيغتها الحالية. فهي أعادت الاعتبار للفرد وانتشلته من براثين الغيبيات وخلصته من الانسلاخ الذي كان قد أفقده إنسانيته. أعادت انبعاثه من جديد بعد انبعاثه للمرة الأولى مع النهضة. وخلافا للمحاولة الأولى التي باءت بالفشل حيث فقد الإنسان إنسانيته ليصبح مجرد حيوان آلي لا يتحرك خارج العقل وما يصاحبه من عقلانية وترشيد وأنانية مفرطة، استطاعت الرواية احتضانه والرفع من شأنه وتمكنت من الإبقاء عليه كفرد بكل مقوماته. فسلطوية الرأس المال وما يترتب عنها من تسليع وتمادي في تفسخ القيم الإنسية لم تجد غير الرواية لمقاومتها بإشهار الخيال وتعرية الواقع.
بجانب هذا، فالحكي هواية وشغف قبل أن يكون اختصاصا وصنعة، وولوع قبل أن يكون مهنة، فليس كل من سوَّلت له نفسه أن يصبح حكواتيا أو روائيا يتيسر له ذلك. يكفي الاطلاع على عدد الروائيين بالمغرب مثلا مقارنة بعدد خرجي كليات الآداب للتأكد من أن فاقد الشيء لا يعطيه. ويكفي الوقوف عند تجربة بعض المبرزين في النقد الذين تراموا على الرواية ففشلوا في ترويضها. الرواية فن، جوهره الحرية. لها مقوماتها وطقوسها لكنها ليست بعلم يستوجب الصرامة في معالجة الظواهر الاجتماعية منها والطبيعية والانضباط في تناولها بإعمال العقل. مجال الرواية أرحب. لا يقتصر على العقل وحده بل يتعداه ليعانق الوجدان ويحفظ للواقع مكانته دون أن يختزله فيما هو مجرد أو مفاهيمي. ترتكز الرواية على الخيال فتوظفه دون تحفظ. إضافة الى هذا، فهي لا تنطلق من فرضيات وليس هدفها التحليل وما يترتب عنه من خلاصات. لا تهمها الحقيقة في شيء كما أنها غير ملزمة بالموضوعية ولا بالتاريخانية رغم أنها ابنتها الشرعية. لا يزعجها الجمع بين العقلانية واللاعقلانية. تكرس الإنسية بالنظر إلى تجربتها الإنسانية بينما تعمل التجربة المخبرية على تكريس المعرفة.
هذا التفاوت بين النصين الأدبي والعلمي يطرح إشكالية النقد ليس فقط من زاوية التقييم ولكن لكونه يجعل الرواية تحت سقف من زجاج ويخضعها لمعايير وإكراهات لا تخدمها بالضرورة. في هذا الصدد وقبل التطرق لهذه النقطة بالذات كأول محور من المحاور التي اخترناها لمعالجة الموضوع و المشكلة من: أ) – الرواية و التاريخانية،
ب) الرواية وإشكالية النقد،
ج) خصائص الرواية،
د) للرواية قارئ واحد ووحيد وكتاب كثر،
لابد من الإشارة إلى أن الرواية التي تهمنا بالدرجة الأولى هي تلك التي ننعتها بالرواية الكلاسيكية التي خرجت من رحم المجتمع الغربي خلال القرن التاسع عشر كمنتوج تاريخاني. في هذا الإطار، استثنينا كل ما يكتب تحت الطلب وكل نص يروم الإثارة أو التسلية لكون مثل هذه الأصناف غالبا ما يغلب عليها البعدين التمريني وما قد يترتب عنه من سطحية وتسليع أو من إفساد للذوق.
في المجمل استطاعت الرواية في تفاعلها مع محيطها الإبقاء على مكانتها كمنبع للإبداع وكمصدر لكل ما هو إنساني وتمكنت من تكريس دورها كهمزة وصل داخل المنظومة الفكرية حيث يُستنجَد بها للتبيان والبرهنة (حي ابن يقضان عند ابن سينا وابن طفيل)، وإبراز العوالم المفككة علميا والتي تتداخل فيما بينها لتشكل وحدة داخلها. فخلافا لها، لا يتسع العلم للواقعي والعجائبي والخرافي، ولا يمسك باللاعقلاني وبالوجداني وبالأخلاقي كإمساكه بالعقلانية. وقد لا يعير أي اهتمام للتاريخانية. فالعلم المتمثل بالأساس في الاقتصاد الذي يعد الأقرب إلى الرواية كنشاط مؤثث لمضامينها وكفكر محدد لوعاء العلم في بعده الاجتماعي بالخصوص، لم يكتف بوأد الـ “هومو سابيين” (أو الإنسان العصري) بل جنى على العقل وأنزله منزلة عبثية لا يقبلها المنطق في الغالب، ولا يحتملها من له ذرة ضمير. في هذا الإطار، وعاء الرواية أكثر اتساعا من وعاء العلم الذي يظل وعاء يقتصر في المجمل على الكمي والعمل على تعميم التسليع ليشمل الإبداع ويحد من اقتسامه الذي يعد الأصل فيه. ورغم هذا الاتساع وضيق مجال العلم فإن هذا الأخير الذي تعود على ألا يهدأ له بال إلا بعد أن يطوق الظاهرة، اجتماعية كانت أو طبيعية، ويخضعها لمراقبته حتى وإن أدى هذا إلى عوارض وخيمة؛ استغل تفاعل الرواية مع محيطها ليحوله إلى نقد كأداة في البداية للتفسير والتأويل قبل توسيع سلطته بتحويله إلى سيف ديموقليس للتقييم، ويصبح النقد بهذه الصفة مادة إن لم نقل علما قائم الذات تتنازعه تيارات ومدارس اختلفت في معالجتها للنص وتباين في طرق تقييمه. أن يفسر العمل شيء لكن أن يؤول فهذا يطرح مشكلة أساسية من الصعب تجاوزها بالنظر إلى بعده الضمني وشحنته المحلية. أما أن يُقوَّم فالأمر يختلف تماما لما يترتب على التقييم من إسقاطات. فالنقد في هذه الحالة قد ينساق فيمارس نوعا من الوصاية كسلطة لا تستقيم الرواية بدونها.
- الرواية وإشكالية النقد
هذا المنحى يطرح سؤالا جوهريا يخص القيمة المضافة للنقد. ما الذي يمكن أن يجنيه الكاتب من النقد المؤسساتي أساسا؟ بمعنى آخر ما الفائدة من النقد؟ هل حدث وأعلن روائي مراجعة روايته على ضوء ما أفضى إليه النقد من خلاصات تقييمية؟ حتى داخل اللجنة المانحة للجوائز غالبا ما لا تنشر تقاريرها لأن في نشرها ستجد من يرفضها لشحنتها الذاتية أو يتحفظ عليها، على الأقل. لنتجرأ ونسحب الناقد من المنظومة الروائية. فهل نضيع الرواية؟ هل يجف قلم الكاتب؟ لا أعتقد. فالناقد دخيل على المنظومة. تطاول على صلاحية المتلقي المتمثلة في تفاعله ليصيغ منها اختصاصا ويجعل منها مهنة معرضة للتشويش والتشويه من خلال توجه الرأسمالية إلى تسليع كل شيء عبر استعمال تقنيات التسويق، خاصة منها الماركتين. فاليوم، أصبح من الممكن صناعة الروائي الناجح وأصبحت فبركة الرواية الناجحة أو ما يعرف ب” البيست سيلير” في المتناول. فمنفعة النقد اليوم لا تنساب هكذا لصالح الرواية كما كانت تنساب من قبل وذلك لأن النقد أصبح أداة طيعة للتسليع وتحسين رقم المعاملات. وأصبح من الضروري الاحتراز أمام تدافع الجوائز الأدبية والتحلي بعدم التسرع في الانسياق وراء اللجن المانحة لهذه الجوائز. يكفي الاطلاع على مضامين النصوص التي فازت مثلا بـ”الغنغور” خلال الثلاثين سنة الأخيرة لتجد الغث والسمين. ويكفي مراجعة ما استقر عليه رأي لجنة جائزة البوكر العربية لتقف منذهلا. لن أضيف جائزة المغرب ولن أدعوك للاطلاع على عينة من الروايات (2019) المتوجة حتى لا تصاب بالصداع. فالانتقائية والإقصاء والتنافسية بين لوبيات دور النشر ناهيك عن شروط الترشيح التي لا تسمح دائما بولوج عالم الجوائز تضيع في متاهاتها الكثير من الأعمال الجادة.
لن يجادل اثنان في كون النص المادة الأولى للناقد لكنها مادة غير عادية لكونها مركبة تستلزم إحضار الكاتب عبر ما يشكل انفراديته. فالرواية ترتكز على ما هو ظاهري استنادا إلى ما هو ضمني. هذه الخاصية للنص تطرح من جهة، إشكالية تحييد الكاتب فغالبا ما يتغاضى عنه الناقد تحقيقا للموضوعية او امتثالا لمرجعيته وطبقا لما تقتضيه المقاربة التي يراها أكثر نجاعة لصبر أغوار الرواية وإخراج أصدافها. والحقيقة أن الموضوعية لا تتوفر بغياب الكاتب بل بالعكس. فالتجربة أتبتت بأن الفاعل والمفعول يتفاعلان بطريقة أو بأخرى لما لهذا الأخير من خصوصية لا يوفرها له غير الفاعل. يكفي أن نلاحظ على المستوى العام، التمييز بين الروايات باللجوء إلى مؤشر بسيط ألا وهو موطن الرواية الذي يحيلنا على الثقافة وكل ما هو خصوصي. أما إذا أردنا القيام بإحاطة كاملة وشاملة للرواية، توخيا للتفسير سنكون ملزمين بالقيام بحفريات تخص شخص الكاتب وبالنبش في الحاضر الغائب في النص. وقد نضطر إلى الوقوف عند الموضوعية في مفهومها الضيق لما لمثل هذه العملية من صعوبات تدليلها قد يكون من المستحيلات.
من جهة أخرى، الضمني لا يدخل في زريبة الأليف لينجر بسهولة فيفصح عن نفسه ويخرج للعلن. والناقد مهما بلغت درايته بالموضوع فإنه غير قادر على فك شفرة الضمني كاملة لسبب بسيط يرتبط بطبيعة الرواية. فهي ضمنية الجوهر، ما ظهر منها قد يحتاج إلى عالم نفساني أكثر منه إلى ناقد باعتبار الكتابة بلسم يساعد على التحمل والحفاظ إلى حد ما على التوزان. ولنا في بعض التجارب ما يشير إلى هذا كتجربة الكاتبة الفرنسية كوليت.
بجانب هذا، هناك عوامل أخرى قد تأثر سلبا على عملية النقد منها بالخصوص شخصية الناقد، ميولاته واختياراته. مهما تحلى بالموضوعية، فإن موضوعيته تظل محدودة بالنظر إلى عدم القدرة على التخلص تماما من جاذبية التفاعل وأخذ المسافة الضرورية من النص. وتجدر الإشارة إلى أن الموضوعية قد لا تستقيم بوجود الأجر. فالناقد الأجير معرض للوصاية. فهو مطالب باحترام خط التحرير مثلا ومدعو إلى التحري في اختياراته لتساير تلك التي تتماهى مع اختيارات مشغليه. والأهم من هذا كله، النقد لا يعدو أن يكون مجرد رأي بالنظر إلى كون الإبداع له مناطق ظل يصعب الإمساك بها. فكيفما كانت الأدوات المتوفرة وبغض النظر عما تحقق للنقد من مدارك فإن إحاطته بالنص لن تكون كاملة ولا شاملة، بل ولن تكون عن منأى من الانزلاق. فالخطر المحدق بالنقد يتمثل بالأساس في إعطاء الانطباع بإصدار أحكام قيمة وجعل القارئ يفهم من خلالها بأنها دعوة لتحاشي قراءة النص مثلا.
لهذا، لابد من التمييز بين صيغ النقد المتاحة على أساس مؤشر المخاطر مع استحضار القيمة المضافة التي يمكن جنيها من تناول النص. على هذا الأساس فحتى وإن كان البعض لا يتردد في التشكيك والطعن في هذه الإضافة اعتقادا منهم بأن النقد لا يسمن ولا يغني من جوع فإن وجوده أفضل من عدم وجوده على الأقل لإثارة الانتباه وتمكين المتتبع من تحيين معطياته. في هذا الصدد لابد من التركيز على صيغتين أساسيتين من النقد وتوخي الحذر بالنسبة إلى الصيغة الثالثة. الصيغة الأولى يمكن وصفها بهمزة وصل تقتصر على تقديم النص من زاوية التفسير وتقريب الرواية من القراء. يمكن تمديد هذه الصيغة بإعمال التأويل دون أن يفضي إلى التقييم. فهذا النوع الأخير من النقد هو الذي إن لم يستبعد يستوجب التأني والحفاظ على مسافة كافية بينه وبين الرواية، مسافة تسمح بالترجيح والتعديل والمراجعة. إن النقد التقييمي قد يأتي بعكس ما يتوخى. لنا فيما عرفته بعض النصوص من متاعب قبل الاعتراف بها ما يؤكد أن الآداب بصفة عامة والرواية بصفة خاصة تحرج إن لم تزعج. لنا في “أزهار الشر “لبودلير” ومادام بوفاري” لفلوبير مثلين لنصين أديا إلى رد فعل سلبي. وما حدث لسلمان رشدي ونجيب محفوظ يظهر بالملموس ما ينطوي عليه النقد التقييمي من مخاطر.
من حسن الحظ أن النقد يظل دون الإبداع، وأن الرواية تندرج في المدى البعيد مستفيدة من الوقت كعامل ترجيحي. فالإبداع يعلو ولا يعلى عليه، وبالتالي فالاعتقاد بالقدرة على الإحاطة به ضرب من المستحيل. لهذا قد يخبط الناقد خبط عشواء فيجني على الرواية إما بالنفخ فيها كنفخ الضفدعة لذاتها، وإما بهضم حقها في التعريف بها. وبما أن الرواية تعانق الديمومة فقد ينصفها الوقت ويرجع لها اعتبارها. ما يزعج أن الناقد لا يكتفي بالاستحواذ على حق المتلقي في التفاعل مع الرواية بتوجيهه والتأثير عليه ومصادرة حقه في مخالفته لرأيه بالنظر إلى موقعه داخل المنظومة المعلوماتية، بل إنه يتصرف وكأنه الموزع للصكوك فيعطيها وينزعها، حسب مزاجه وعلى أساس اختيارات لا تمت بصلة للآداب. فالكاتب الفرنسي سيلين الذي اعتبر النقاد روايته” السفر إلى أعماق الليل” طفرة احتفوا بها عند صدورها، هو اليوم – وقد توفي لمدة- عرضة للتشهير لأسباب لا علاقة لها به ككاتب. فالتسلط أعمى، لا يفرز ما هو أدبي عن غيره ولا يراعي خصائص الرواية، التي أصبحت حقل صراعات لا تمت للرواية بصلة، حتى وإن أعطت الانطباع بأن الأمر يتعلق بشد الحبل بين تيارات ومواقف من الرواية.
- خصائص الرواية
يمكن تقسيم المنتجات إلى قسمين: المنتجات المادية والمنتجات اللامادية. فالصنف الثاني الذي يهمنا بالدرجة الأولى يشمل الحقل المعرفي بكامله ويضم مختلف الإبداعات الفكرية بما فيها الرواية. وتتميز هذه الأخيرة بمجموعة من الخصائص مستمدة من طبيعتها اللامادية ومن محيطها الثقافي. وأول هذه الخصائص علاقتها بالوقت.
- ديمومة الرواية
خلافا للمنتوج العادي، الرواية لا تستوجب الاستخماد ولا تنخفض قيمتها الإبداعية ولا تستهلك. فالوقت لا ينال منها بل يخدمها. والشاهد على هذا نصوص لازالت تتداول بيننا وما زلنا نستشهد بها رغم قدمها. من هذه النصوص: “ألف ليلة وليلة”، و “حي بن يقظان”، و”دونكيشوت” و”روبن كرزوي”. وهناك من الروايات: “البؤساء”، و”الأب كوريو”، و”عناقيد من غضب” و”الغريب” و”الشيخ والبحر”…الخ
تبيان دورية الرواية

ملحوظة
الرواية دورية مقلوبة عكس الدورية الاقتصادية مثلا. يعود السبب في هذا إلى كون المرحلة الفاصلة بين لحظتي الترقب والمنتوج الصافي، مرحلة محرجة قد يفشل فيها الكاتب في تطوير منتوجه الخام والانتقال به الى منتوج صافٍ، فيصبح خارج سيطرته. بجانب هذا، منحى هذه المرحلة يحيل على منحى الطلب من المنظور الرأسمالي. وهو ما سيساعدنا على الوقوف عند المقاربة الرأسمالية الهادفة إلى تسليع الرواية من خلال التبيان المستوحى من دالة العرض والطلب، مع الإشارة إلى أن الطلب من منظور الرواية يحيل إلى الحاجة إلى الاقتسام.
يعتبر زمن الرواية زمن الاستمرارية والاستدامة خلافا لزمن النقد الذي يختزل في الظرفية والذي قد يستنسخ في أي لحظة بالنظر إلى ما يوفره الوقت من معطيات ترجيحية وعناصر تعديل. فهناك نصوص تجنَّى عليها النقد، فمنعت كأزهار الشر لتنصف بعد ذلك. وهناك نصوص تغاضى عنها أو تحفظ عليها إن لم يرفضها فأعاد لها الوقت اعتبارها. إن الوقت لا يزيد الرواية إلا توهجا من خلال استدامة قراءتها أو بالأحرى تأويلها، وبالتالي إعادة صياغتها دون المساس بالنص. فإذا كان هناك ناقد موضوعي، ودون خلفيات للرواية، فلن يكون إلا الوقت. فقد يستنجد بالنسيان لطي نصوص لم ترق إلى المستوى المطلوب، وقد ينتشل أخرى ويعيد لها مكانتها ليكرس في النهاية توهج تلك التي استوفت شروط الخلود. ما يثير الإعجاب أن النص لا ينتابه التزوير ولا يتعرض لمن لا “زطاط” له بحيث يمكن القول بأن النص محصن ضد العبث.
ب) الرواية بين الاستهلاك والتذوق
خلافا للسلع المادية، الرواية لا تستهلك، بل تتذوق. فحجمها وعددها لا ينقصان جراء الاستهلاك ووحدتها لا تتلف بعد الاطلاع عليها. فالرواية تتذوق حيث أن الاطلاع عليها اطلاع متعة وانتعاش وإثارة وتوجس. بهذه الصفة تعد الرواية أهم قلعة مقاومة للمنطق الرأسمالي. فقد أسقطت مفهوم الاستهلاك ولم تجعل من المتلقي مجرد مستهلك، وذلك رغم تسليعها وإدماجها في منظومة الإنتاج عبر ظهور مهنة الناشر. إسقاطها لمفهوم الاستهلاك صاحبه إسقاط مجموعة من المفاهيم والقيم أثثت حياتنا اليومية وأطرت علاقتنا الاجتماعية. من هذه المفاهيم نجد التنافسية والأنانية والفردانية والإدمان على الحساب والتقدير والبحث عن التوازنات… الخ. فمثلا التقاء منحى الطلب المتمثل في منحى دورية الرواية المقلوبة بمنحى العرض، لا ينحصر في كونه نقطة توازن يستعان بها لتحديد ثمن البيع مادامت مكونات هذا الثمن معروفة ولا تطرح أي مشكل (كلفة الإعداد للنشر، زائد كلفة الطبع، زائد كلفة التوزيع، زائد كلفة الإيداع، زائد هامش ربح الناشر)، ولكنه يتجاوز ذلك ليشكل النقطة الفاصلة بين المنتوج الخام والمنتوج الصافي أو الإعلان عن اكتمال مشروع وخروجه روايةً إلى السوق.
هذا المنحى الذي خص في البداية الرواية لم يكن محيطه يسمح بتجاوز احتشامه ولم يكن المجتمع برمته مؤهلا لييسر له هذا التجاوز. كان لابد من انتظار الثورة التكنولوجية ليبرز بشكل ملفت وليصطدم بواقع متجاوز، واقع لم يزد القديم إلا تعنتا وتصلبا في مواجهته للجديد الذي وجد صعوبة في شق طريقه وتسهيل انسياب المفاهيم الجديدة المستمدة من خصائص المكونات المعرفية كالرواية. فالرواية لم تقتصر على الحرية وعلى ما يمكن أن يجعل منها حمالة لأوجه، بل تعدت ذلك من خلال مساهمتها في دعم المبادئ والقيم التي تشكل جوهر المكون المعرفي، ونعني بها على سبيل المثال لا الحصر: الاقتسام.
ج) الرواية والاقتسام
وجدت الرواية لتقتسم وإلا ما الفائدة من صياغتها. فالرواية لا يمكنها إلا تثمين قيم كالتآزر والتعاون والتعاضد ومباركة التوجه الذي يروم التسامح والانفتاح. إضافة إلى الدعوة لنبذ العنف والعمل على تعميم السلم وتوطيده. قد يتحفظ البعض معتبرا أن استنبات هذه القيم التي جعل منها المكون المعرفي مضمون هويته من الصعوبة بمكان نتيجة عوامل أخرى ذات طابع هوياتي. فالكاتب أو الكاتبة يفقد التحكم في مولوده بمجرد ما يقوم بتوزيعه وتقاسمه. فالقرصنة بصفة عامة والتعبئة والتحميل والنسخ بصفة خاصة عبارة عن أسلحة دمار شامل بالنسبة إلى الإبداع. فهذه الأسلحة وما توفره التكنولوجيا من أدوات تواصل غير مسبوقة أفرغت المراقبة من محتواها وجردت المبدع من أحد أهم الحقوق التي بني عليها النظام الاقتصادي والاجتماعي المهيمن. الأمر يتعلق بالحق في الملكية. هذا الحق الذي ضمن للمبدع ولمدة مصالحه عبر حقوق المؤلف أصبح عرضة للاختراق نتيجة اصطدامه بالحق في الولوج إلى الملكية. إن الإبداع خاصة والمعرفة عامة رهينة احترام حق الطرفين ومراعاة مصلحتيهما من منظور لا ضر ولا ضرار.
د) الرواية والطابع الاستفزازي
بجانب هذه الخصائص هناك عناصر أخرى يمكن إضافتها لتكتمل الصورة. الكاتب وحيد يبدع في عزلة عن العالم. ظروف الإنتاج غير ظروف الإنتاج العادية. فهو ليس مطالبا بالانضباط والمحاسبة. فالكتابة لا تحتاج منه إلا الرغبة فيها بغض النظر عن الزمكان. يمكن للرواية أن تصاغ في مكتب أو في مقهى أو في قاعة انتظار أو في حديقة أو في بطن طائرة. الكاتب له كل الصلاحية لتحديد جدول عمله والتصرف فيه كما يشاء. فهو سيد نفسه. وهو لا يقتصر على العقل وحده في إنجاز مشروعه، بل يتعداه ليشمل الوجدان وليزاوج بين العقلانية واللاعقلانية. والرواية إن لم يكن لها رد فعل، ولم تستفز فهي رواية بدون لون ولا طعم. فالرواية التوافقية أو تلك التي تتمايل مع الريح تفتقد تلك الشحنة التي تدفع بها إلى إحراج المجتمع. فإن لم تدفع به إلى مراجعة نفسه فإنها على الأقل تكسر رتابته وتخرجه من روتينيته.
ج) الحضور البارز للرواية في المنظومة الفكرية.
تتميز الرواية، مقارنة مع أصناف المعرفة الأخرى، بحضور قوي داخل المنظومة الفكرية. فقد تجدها في الفلسفة كنص (حي ابن يقظان – ابن طفيل)، وقد تجدها مطية تيار فلسفي (العبث– الغريب–كامو/ الوجودية – الغثيان–سارتر)، أما علاقتها بالاقتصاد فهي علاقة استثنائية لكثافتها وتداخل الواقعي فيها بالنظري. وكعينة من النصوص التي استحضرت الاقتصاد في بعديه المعيشي والفكري هناك: “الأب غوريو (أو كوريو)” لهنري بلزاك، و”عناقيد الغضب” لستن بيرك، أما على المستوى الاجتماعي المحض فوجوده لا يقتصر على رواية دون أخرى، بل تجده عند جل الكتاب كشارلز ديكنز (اليفر تويست)، وفيكتور هيكو (البؤساء)، وزولا وليو تولستوي الذي يعد من كبار الكتاب الروس (آنا كرنينا، والحرب والسلم). اقتحمت الرواية السياسة عبر وجوه خاصة منها وجوه من أمريكا اللاتينية كغابرييل كارسيا ماركيز (مائة عام من العزلة) الذي أسس لتيار الواقعية العجائبية. وألكسندر سولجينيتسن (أرخبيل غولاغ).
صيغ التاريخ في قالب روائي فجاءت أحداثه لتدقق أكثر في الماضي وتوفر مادة للتأمل والتفكير للمؤرخ (جورجي زيدان). هذا دون الحديث عن نصوصٍ الهدفُ منها إما تدعيم وتكريس الهوية (اسماعيل كدري) أو تشخيص الأوضاع المعيشية وإبراز المعاناة مع صبر أغوار النفس البشرية (دوستويفسكي – الجريمة والعقاب– الأبله) دون أن ننسى نصوصا وإن لم نصنفها لازالت متداولة بيننا كنصوص ارنست هيمنجواي ومارك توين وويليام فوكنر.
الملاحظ أن بعض المفكرين استلهموا بعض أفكارهم من الرواية واسترشدوا بها. يتعلق الأمر مثلا بالاقتصاديين الهامشيين الذين وظفوا لصالحهم روبنسون كروزو، وبآدام سميث، المفكر الاقتصادي، الذي كان معجبا بالتراجيديا الكلاسيكية حيث استمد من راسين، عبر فايدرا، ما ساعده على التطرق لبعض المفاهيم كمفهوم التعاطف والإيثار والمشاهد المحايد والأنانية. أضف إلى هذا، الأهمية التي أعطى بلزاك بالخصوص للمقاول في كل تجلياته (الكوميديا الإنسانية) كبطل أدبي واقتصادي للمغامرة الرأسمالية. بصفة عامة، أصبحت الرواية تعكس الحقائق الاجتماعية منها والإنسانية التي كانت مغيبة.
و) الرواية بين “المسالمة” والعنيفة.
أما الخاصية الثانية والتي أشرنا إليها من قبل، فتكمن في كونها عنيفة واستفزازية. فالرواية ليست لها كمهمة “حجاية” جدتي. فهي لا تسعى إلى استرخاء المتلقي وتنويمه، بقدر ما تسعى إلى رد فعله الذي قد يكون متشنجا إلى حد ما ومتوترا. فالرواية “المسالمة” أو ما يمكن نعتها بالتوافقية لا فائدة ترجى منها، مادامت قيمتها المضافة منعدمة أو على الأقل ضعيفة.
إن الرواية تحرك الماء الراكد وتحاصر الصيد في الماء العكر. تكسر الروتين وتزرع الشك. تحرج المجتمع وقد تدفع به إلى مراجعة نفسه. الرواية بدون هذه الخاصية لا لون ولا طعم لها. هذا لا يعني أن الأصناف الأخرى من الحكي تسقط عنها صفة الرواية، فالرواية الشبابية مثلا موجهة لتحقيق غرض أو أغراض محددة (التحكم في اللغة وزرع بدرة القراءة في نفس التلميذ…)
ط) للرواية قارئ واحد ووحيد وكتاب كثر
فيما يتعلق بالخاصية الثالثة، فتهمّ علاقة الرواية بالقراءة. وهنا مربط الفرس. فالعلاقة بينهما تتسم بالتوتر نتيجة المخاض وما يترتب عنه من إجهاض وقلق وارتفاع في ضغط الدم. إن القراءة هذه قراءة من داخل الرواية تقابلها كتابة من خارجها. هذا التموقع القرائي لا يسمح بتوسيع قاعدة القراءة ذاك، لأن القراءة مصوغ كتابي لا يمكن تفعيله إلا تحت مسؤولية صائغ واحد بمعزل عن محيطه ودون أي التزام منه في تسليم المصوغ في أجل معين ومواصفات معينة. قديما لم يكن مطلوبا من الراوي تدوين ما كان يجوب به الأمصار ويحط به الرحال في أماكن لا تخطر ببال. فالكتابة كانت مرادفا للتدوين وقد يتسع مفهومها للتركيز بالأساس على وظيفتها كمحافظ على النص. في هذا الإطار يجب الرجوع إلى العقل والاهتمام به لما للذاكرة بالخصوص من أهمية قصوى في تثبيت -حتى لا نقول في كتابة- القصة. ولعل المكانة الاجتماعية التي كان يحظى بها المسنُّ في المجتمع الأفريقي لم تكن اعتباطية ولكن جاءت نتيجة دور المسن كحارس أمين على المعرفة عامة والخزانة خاصة من خلال ما كانت تحتفظ به ذاكرته من قصص ونصوص متنوعة جادت بها قريحة المجتمع. لهذا شبَّه الأفارقة موت المسن باحتراق خزانة (مكتبة).
إن المقصود من خلال الحديث عن الكتابة ليست الكتابة بمعناها الضيق (تثبيت الحروف وتصفيفها على حامل قد يكون ورقي أو الكتروني) ولكن الكتابة بمعنى أشمل حيث تصبح كما أشرنا إليه من قبل مرادفا للصون أو للحفظ. والجدير بالذكر أن مجتمعاتنا كانت ولازالت إلى حد ما مجتمعات شفاهية لا تعير الأهمية بالشكل المطلوب للكتابة. الواقع أن الشفاهي يمثل الحالة العادية خلافا للقراءة، وما ترتب عنها من كتابي، التي تعد استثناء.
في هذا الإطار، لازال الراوي يشنف أسماع متتبعيه المتحملقين حوله بجامع الفنا أو بباب سيدي عبد الوهاب بوجدة اعتمادا على الذاكرة واستغلالا للشفاهي لما يوفره له من هامش للارتجال وإعادة صياغة “الحجاية” باعتبار هذه الأخيرة رمالا متحركة قابلة للتفريخ. فبجانب تصرف الراوي وبمجرد ما ينتهي من سرده حتى يتحول السرد إلى” سرديات” بعدد المتلقين وحسب “جودة” الالتقاط. إن الكتابة “شفاهية مجمدة” بالنظر إلى غياب مقومات الشفاهي وهي جزء من عملية القراءة ولحظة من لحظاتها الأكثر مخاضا والأكثر زخما. فلا يمكن القيام بعملية الكتابة دون اللجوء إلى القراءة. إن الرواية لا تقرأ كاملة وغير منقوصة إلا من طرف شخص واحد ووحيد، شخص أعطاها شكلها الحالي وراعى مقوماتها الأصلية. فكم هي الكلمات التي حذفت أو أضيفت دون أن تعطى لها الفرصة لاسترجاع أنفاسها. وكم هي الجمل التي أعيد تركيبها إن لم يشطب عليها دون أن يكون في تشطيبها ما يفيد التردد. فكلما تقدم الراوي في القراءة -مراجعة أو إضافة- كلما تقدم في تثبيت القراءة صياغة. وكلما أوشك المبدع على الوضع كلما ازدادت رواسب الرواية وازدادت معها الحاجة إلى تطويقها.
ظ) الرواية من الخام الى الصافي
وبالعودة إلى النقد الناعم ومهمة الناقد كمفسر ومؤول، لا محيد عن النبش في الرواسب للإحاطة بالرواية ولا خيار غير الحفر، قدر المستطاع، لصبر أغوار الراوي والوقوف عند ما هو ضمني في حكيه. لكن هذا النبش ليس بالهين، فالقراءة بالمفهوم الذي حاولنا تبسيطه، لا تترك أي أثر للقراءة التي مهدت لها، وبالتالي فالرواسب إن لم تتبخر تصبح شفافة إلى حد عدم القدرة على التعريف والمسك بها.
على هذا الأساس، فالتمييز بين القراءة الوحيدة المحتكرة من طرف الراوي والتي لا يمكن معاودتها، والقراءة المبتذلة السائدة والتي لا يحرجها الواقع الوهمي ولا يزعجها الاكتفاء بما هو ظاهري، هو تمييز الخام عن الصافي. وبالتالي، فأي محاولة لتقريب النصين لا فائدة منها مادام الخام الذي يشكل الفرق بين النصين غير معروف.
تجدر الإشارة إلى أن الخام لم يكن يطرح أي إشكال قبل ظهور التكنولوجيا وذلك لوفرته والسماح بتتبعه وتتبع تطوره. كان الراوي يسلم المطبعة في الغالب منتوجه الكامل والصافي ويحتفظ لنفسه بالنص الخام لعدم صلاحيته للنشر بسبب ما يحمله من تصحيحات وتعديلات وتشطيبات ومراجعة لأفكار ومواقف. هذا الخام أصبحت له قيمة غير مسبوقة تحدد عبر المزاد العلني لندرته. ونتيجة للتطور التكنلوجي استبدل القلم بالحاسوب. فبقدر ما ساعد هذا الاخير على تكريس التتبع traçabilité وتعميمه بقدر ما ساهم في إلغائه على مستوى الرواية بالخصوص.
هذه الوضعية تعيد النقد الناعم إلى الواجهة وتطرح بروفيل الناقد بحدة. فمن جهة، يصطدم النقد بعدم توفر النص الخام لانعدام الخام وبصعوبات جمة للنبش فيما هو ضمني. ومن جهة أخرى، لا يمكن للناقد أن يكون ناقدا أدبيا دون أن يكون أنثروبولوجيا أدبيا وعالم نفس. فهو مطالب بالاهتمام برواسب الرواية المشكلة من المادة الخام، والقيام بالتالي بالحفريات عله يفك شفرتها لإخراجها من الغموض وجعل النص أكثر وضوحا والراوي أكثر قربا.
يُستخلص من هذا كله مجموعة من الأشياء تضفي على الرواية طابعا مميزا وتجعل من نصها نصا فريدا لا يمكن تناوله إلا في الجمع مع الإقرار مسبقا بمحدودية التناول وبعدم القدرة على اكتمال الإحاطة النقدية، لقصور يد الناقد رغم عينيه البصيرتين، حتى وإن كانت له دراية الأنثروبولوجي ومدارك عالم النفس. من هذه الأشياء يمكن الإشارة إلى أن الرواية نص لا يصرف إلا في الجمع. وبالتالي من الصعب احتواءه والإحاطة به إحاطة شاملة وكاملة.
بجانب هذا، لا ترضى الرواية بغير الحرية التي تمارسها أحيانا بعنف وتتعاطى لها غالبا من باب الاستفزاز الذي يأخذ بعض الأحيان بعدا تهييجيا. ليس هناك نص مثل نص الرواية الذي يتغاضى تماما على تداخل الفاعل بالمفعول وتمازج العقلاني باللاعقلاني واختلاط العوالم. لا يمكن التعاطي مع الرواية وصياغتها إلا بشروط، أهمها احتضان الحياة والشغف بها كمنبع الفن وكمصدر الإلهام والولوع بها. فلا راوٍ إن لم يرتو من رحيقها ولم يكتو بلسعاتها. بهذه الصفة فقط يمكن ولوج عوالم الرواية كقارئ وحيد وأوحد لها.
تظل القراءة هي أولوية الأولويات لكونها -كما أوردنا ذلك- تنفتح على الكتابة. فلا كتابة بدون قراءة. ولعل في المثل الفرعوني ما يثبت هذا. فالفراعنة تركوا رموزا ضمنوها لغتهم. لكن عدم القدرة على القراءة وفك شفرة هذه الرموز أخَّرَ الاطلاع على ما أرادوا البوح به واقتسامه، هم الذين سبقوا الإغريق فكريا وفنيا ومعرفيا.
في الختام، القراءة لابد أن تكون شاملة حتى وإن ظل هذا الهدف صعب المنال. شمولية هذه التغطية ترجمت قرآنيا بتناول القراءة باسم العلة الأصل المتمثلة في الخالق. أما مجال المعرفة فهو بالدرجة الأولى العلم/ الطبيعة التي تحيل على الإنسان وقد خلق من علق. يأتي في الدرجة الثانية التكوين والتعلم عبر القلم. لا تستقيم القراءة إلا بتصريفها إلى المفرد فلن تجد اثنين يقرآن نصا معينا قراءة واحدة. ولا تعطي أكلها إلا إذا وظفت العزلة واعتمدت الخلوة. فالقراءة انعزالية الطبع وحدانية السلوك. فهي كالنهر لا يستحم فيه مرتين. لهذا، فالقراءة المرتبطة بالرواية قراءة وحيدة وواحدة لا تقبل الإعادة بالنظر إلى سهم الزمن الذي يجعل الرجوع إلى الوراء غير ممكن. قارئها واحد ووحيد، فإن لم يكن صاحبها فلن يكون غيره. بمعنى آخر، قارئ الرواية شخص واحد. فهو معرفة لا يحتاج الإدلاء بهويته خلافا للمتلقي الذي يبقى نكرة بأعداد قد لا تحصى. والتلقي هنا يفترض الصياغة دون المساس بالنص، فهو عبارة عن “كتابة شفاهية” مفتوحة، تفضي إلى التفريخ. أما النص، فهو نص خام بالنسبة إلى المعرفة، الشيء الذي قد يتسبب في انفلاته وفي ضياعه في آخر المطاف. وهو دمية ماتر يوشكا (“دمية الروس”) بالنسبة إلى النكرة. فكلما اعتقد أنه يمسك بالدمية كلما ظهرت أخرى تناكيه وتستفزه…
س) الرواية وإشكالية التسليع.
انطلاقا من منطقه المبني على تعميم الكمي وتقدير كل شيء مع التغاضي عن البعد الكيفي، ومن رغبته الجامحة في تحقيق أقصى حد من الربح، لا يتوانى الرأسمال في تعميم التسليع بما فيه المتاع اللامادي المتمثل في الحالة التي تهمنا في الرواية. استعان في هذا الإطار بحاجة هذه الأخيرة لعمليتي النشر والتوزيع التي تعد عمليتان مكلفتان يصعب على الكاتب النهوض بهما فاستثمر في هذا المجال وتمكن من الاستفادة من الرواية كسلعة تروج في السوق ويسري عليها ما يسري عل أي سلعة من خضوعها لقانون العرض والطلب وما يتطلبه التسويق من اعتماد على الماركتين. على هذا الأساس أصبح من الممكن- كما أشرنا إليه من قبل- فبركة الرواية “بيست سلير” والكاتب النجم. وخلافا لما مضى، تعج السوق اليوم بالروايات التي صيغت تحت الطلب والتي تشكل مصدر عيش للكاتب من خلال تعاقده مع دور النشر. أضف إلى هذا استعانته بحوافز خاصة منها الجوائز للتوجيه والتأطير كما اعتمد كمشغل للنقاد على هؤلاء للتأثير والتحكم وإن بطريقة غير مباشرة في الكاتب.
خلاصة القول، لا يمكن التعامل مع النص الروائي بنفس الطريقة التي يتعامل بها مع أي نص. فالرواية منتوج اجتمعت فيه كل الخصائص التي اجتمعت في المعرفة أو المعلومة كمتاع من نوع خاص وانفردت عن مختلف المعارف باتساع وعائها واحتكار قراءتها في نصها الخام من طرف منتجها. في هذا الصدد المتلقي لا يقرأ الرواية في أصلها ولكن يعيد “شفاهيا” صياغة النص الصافي أو ما يمكن التعبير عنه ب”المنتوج المكتمل”. من هنا يمكن القول إن للرواية قارئ واحد وكتاب كثر.
الرباط في: الثلاثاء 18 يونيه 2024.– الجمعة 06-مارس 2025
***أكاديمي وروائي مغربي
عناقيد عناقيد، موقع ثقافي فكري جامع مستقل.