كيف تكشف مواقع التواصل هشاشة الأسر وتعرّي القيم..!؟

العربي الحميدي| المغرب

في هذه المرحلة التاريخية والإنسانية، حيث لم يعد هناك أي حاجزٍ بين العام والخاص في عالم الرقمنة والذكاء الاصطناعي، تحوّلت مواقع التواصل الاجتماعي إلى مرآة ضخمة فاضحة، لا تكتفي بعكس الصور، بل تُفكّك البُنى الاجتماعية، وتُشظّي الروابط، وتُفصح عن الخلل المستتر، وتُعرّي هشاشة الأسر، سواء كانت فقيرة أو متوسطة أو ميسورة، بكل ما تحمله من تصدعات نفسية، وانكسارات تربوية، وانهيارات قِيَمية.

لم تعد الحاجة ماسة إلى علماء اجتماع يفتّشون خلف الأبواب المغلقة، ولا إلى دراسات ميدانية تنقّب عن المكبوت في دواخل النفوس؛ فقد أصبحت منصات مثل “فيسبوك”، و”تيك توك”، و”إنستغرام”، فضاءاتٍ للبوح الجماعي، لا عن وعيٍ أو إدراك، بل بدافع الانفعال، والفراغ، واللهاث وراء الشهرة – أي شهرة – حيث يتكلم الناس قبل أن يفكروا، وينشرون قبل أن يتحققوا، ويُعرّون خصوصياتهم كما لو أنهم يُطعمون وحشًا رقميًا لا يشبع.

ما يُكشف اليوم على هذه المنصات لم يعد مجرد “سلوكيات فردية”، بل مؤشرات عميقة على تحوّلات مجتمعية مقلقة: أبناء يفضحون آباءهم، وأزواج يهدّدون بعضهم بمقاطع مصوّرة، وبنات يبكين مباشرة على الهواء، إما هروبًا من العنف أو طمعًا في الشفقة. نحن أمام “هشاشة أسرية رقمية” تُدار بمنطق الفضائح، وتُضخَّم بآليات الخوارزميات، حيث اللا أخلاقي يُصبح شائعًا، والشائع يُصبح مألوفًا، والمألوف يتسلل إلى الوعي الجماعي حتى يُشرعن ما لا ينبغي له أن يُشرعن.

والأخطر من ذلك أن هذه الموجة تُعيد تشكيل مفهوم “الخصوصية” ذاته. فبينما كانت الأسر تُربَّى على الكتمان والستر والحوار الداخلي، بات الخروج إلى العلن اليوم يُقدَّم باعتباره نوعًا من “التحرر”، ولو على حساب الكرامة. بدل أن نُصلح ما بين الجدران، صرنا نُعلّقه على الجدران الافتراضية، ونتركه للفرجة، بل ولحكم الرأي العام الذي لا يُقيم وزنا ولا يرحم أحدًا.

فما الذي حدث في مجتمعنا المغربي؟ وكيف وصلنا إلى هذه العتبة الخطيرة من التدني القيمي والاجتماعي؟

لقد تآكلت منظومة القيم، وتراجع دور الأسرة كمؤسسة تربوية، واهتزّت سلطة الأبوين، وحلّت الهواتف مكان الأحاديث، واستُبدلت المعايير التربوية بـ”الترندات”. وفي خضمّ كل هذا، لم يجد الفرد سوى مواقع التواصل ليصرخ، أو ليشهّر، أو ليبرّر خيباته.

لكن هذه الصور المجتمعية ليست بريئة، بل تقود إلى انزلاق جماعي نحو مجتمع يتلذّذ بانكشاف الآخر، ويجعل من المأساة مادة للترفيه، ومن الخصام العائلي مادة للتداول، ومن الألم الفردي سلعةً للمشاهدة.

نحن نمضي نحو تآكل الرابطة العائلية، نحو هشاشة كبرى تهدد النسيج الاجتماعي من الداخل، حيث تتقلص المسافات بين الانفعال والعنف، وتضيع الحدود بين الحميمي والعلني، ويتربّى جيلٌ على عين الكاميرا، لا على ضمير الأب أو الأم.

إن الخطر لا يكمن في المنصات فحسب، بل في القابلية التي صارت تُغذي هذا التيار، وفي غياب الوعي الذي بات يُعجز الكثيرين عن التمييز بين حرية التعبير والانحدار القيمي.

وما لم تستيقظ المؤسسات والأسر من غفلتها، وتستعيد دورها التربوي، وتُعيد ترميم ثقتها الداخلية بعيدًا عن المفاهيم الخاطئة والأساليب الزائفة، فإن المجتمع مقبلٌ على مرحلة يصبح فيها الانهيار نفسه قابلًا للبث المباشر.

لقد أصبحت مواقع التواصل مرآة لا تعكس ملامحنا فقط، بل تُعيد نحتها على هوى عدد المشاهدات. وهي، إن لم تُواجَه بوعيٍ جمعي، وبخطاب تربوي وثقافي بديل، فإنها ستقودنا إلى زمنٍ لا يُفرّق بين الحقيقة والفضيحة، ولا بين الإنسان والمحتوى.

وهنا تكمن الكارثة.

بقلم رئيس التحرير

شاهد أيضاً

اللسان الشعبي المغربي بين الأصالة والانحراف

العربي الحميدي| المغرب تعيش اللغةُ المغربيةُ الدارجةُ اليوم مرحلةً دقيقةً من التحوّل السريع والمربِك. فمنذ …

اترك رد