قضايا مجتمعية

العربي الحميدي| المغرب

العنف والعدوانية مفهومان كثيرًا ما يلتبسان في استعمالهما، غير أنّ بينهما فوارق دقيقة تجعل التمييز بينهما ضرورة لفهم طبيعة الإنسان وسلوكه في المجتمع.

فـالعنف هو فعل متعيّن، يتجسّد في استعمال القوة على نحو مباشر أو غير مباشر. قد يظهر في صورة صدام جسدي كالضرب والقتل، أو يتجلّى في أشكال رمزية أكثر خفاءً، كالإقصاء والتهميش والإذلال. والعنف، في عمقه، ليس نزعة فردية خالصة، بل هو نتاج ظروف اجتماعية وسياسية وثقافية، تُبرّره السلطة تارة باسم القانون، وتارة باسم الدين أو الحماية. ولعلّ ما أشارت إليه الفيلسوفة حنة أرندت يكشف هذا البعد حين اعتبرت العنف وسيلة طارئة لا تُستدعى إلا عند عجز السلطة عن الإقناع، فيتحوّل الخطاب إلى قسر وقهر.

أما العدوانية فهي نزعة أصيلة في الطبيعة الحيّة، تعكس طاقة غريزية كامنة في الإنسان والحيوان على السواء. إنها ميل فطري نحو السيطرة أو الدفاع عن النفس أو إثبات الوجود. بيد أنّ العدوانية ليست شرًّا مطلقًا، إذ قد تتحوّل إلى قوة خلاّقة إذا ما رُوِّضت ووجِّهت في مسالك البناء والإبداع، كما في الفن والرياضة والعمل. وقد تناول فرويد هذه النزعة في حديثه عن “غريزة الموت” بوصفها دافعًا عدوانيًا يسكن النفس، في حين رأى كونراد لورنتس فيها آلية من آليات البقاء التي تحمي الكائن من الفناء.

وعليه، يمكن القول إن العدوانية هي المادة الخام، في حين أنّ العنف هو صورتها الملموسة في الواقع. العدوانية طاقة داخلية، أما العنف فهو تجلّيها الخارجي حين تُطلق في الفضاء الاجتماعي والسياسي. ومن هنا تنشأ الحاجة الدائمة إلى تهذيب هذه الطاقة وتوجيهها، حتى لا تتحوّل إلى قهر وخراب، بل تصبح سبيلًا نحو الإبداع والتوازن الإنساني.

إن العنف والعدوانية ليس مجرد انفعال عابر، بل هو في العمق مواجهة مع سؤال الحضارة ذاته. ماذا يعني أن نكون بشرًا في عالم تتعدد فيه تعريفات الضرورة والرفاهية، والتي يُعاد تشكيلها باستمرار على إيقاع المكان والزمان؟

فما يُسمّى بـالرفاهيات، أو ما قد يُظن أنه كماليات، ليس ثابتًا ولا مطلقًا؛ إنه نسبي تمامًا.

في البادية، حيث الحياة بسيطة والاحتياجات محكومة بحدود الطبيعة، يُعد اقتناء بعض الوسائل المادية أو الرمزية نوعًا من الرفاه الذي يميز صاحبه عن الآخرين.

أما في المدينة، التي ينبض قلبها بإيقاع السوق والحداثة، فقد تتحول تلك الكماليات إلى حاجات أساسية، حتى لكأن الإنسان لا يستطيع الاستمرار من دونها.

ما يُرى في المغرب رفاهية أو علامات على “حياة مريحة”، قد يُعتبر في أوربا حقًا طبيعيًا، بل من صميم أبسط صور العيش الكريم.

وفي مجتمعات الشمال الإسكندنافي، حيث العدالة الاجتماعية توزّع الموارد على نحو أوسع، تتحول الرفاهية ذاتها إلى مجرد عادة يومية لا يثير غيابها كبير استغراب.

هكذا تتجلى هذه المفارقة. الحضارة تعيد تعريف الحاجة باستمرار، فتجعل الإنسان يركض خلف ما لم يكن يومًا يراه ضروريًا، وكأنها تُدخله في سباق لا ينتهي بين الضرورة والرفاه.

لكن المعضلة الأعمق ليست في نسبيّة الحاجة فحسب، بل في كيفية تحويل الغرائز إلى أدوات اجتماعية واقتصادية. فالعدوانية التي أودعتها الطبيعة في المخلوقات كغريزة بقاء أو وسيلة دفاع، تحولت عند الإنسان إلى سلوك مركب، صاغته شروط السياسة والاقتصاد. في ظل الرأسمالية المتوحشة، لم تعد العدوانية مجرد رد فعل طبيعي، بل غدت آلية بنيوية تتغلغل في تفاصيل الحياة اليومية:

في المنافسة على العمل.

في التسويق الاستهلاكي الذي يزرع الرغبات ليحرك عجلة السوق.

في الحروب الاقتصادية والجيوسياسية التي تستنزف الإنسان باسم “التقدم”.

بهذا المعنى، صارت العدوانية جزءًا من الهوية الاجتماعية للبشر، لا مجرد سلوك عارض. إنها تعبير عن صراع خفي بين الإنسان ككائن طبيعي يسعى إلى التوازن، والإنسان كمنتَج حضاري تفرض عليه أنظمة السوق وحاجاته المُصطنعة أن يبقى دائم الجوع، دائم السعي، دائم التنافس.

ولذلك يمكن القول.

كلما توسعت دائرة “الضروريات” في حياة الإنسان، ضاقت دائرة السكينة والاطمئنان

وكلما تمادت الحضارة في تحويل الغرائز إلى أدوات نفعية، تحولت العدوانية من طاقة دفاعية إلى بنية تدميرية.

إن السؤال اليوم.

هل نستطيع إعادة ترويض هذه الغريزة لتخدم حياة إنسانية أكثر عدلًا؟

أم أن الحضارة الحديثة ستستمر في استغلالها حتى يتحول الإنسان إلى كائن يفترس ذاته قبل أن يفترس غيره؟

بقلم رئيس التحرير

شاهد أيضاً

اللسان الشعبي المغربي بين الأصالة والانحراف

العربي الحميدي| المغرب تعيش اللغةُ المغربيةُ الدارجةُ اليوم مرحلةً دقيقةً من التحوّل السريع والمربِك. فمنذ …

اترك رد