شعرية الانشطار بين عشقين في ديوان “ظل وروح”

أحمد الشيخاوي| المغرب

هي الحياة إن بحلوها أو مُرّها، لا يمكنها أن تستمد معناها الحقيقي إلا من الطاقة الكامنة في الكائن، ضمن آفاق تفجير سائر صور اثبات الذات وتحقيق معادلات التفوق، مناطحة للمعضلات ونضالا ضد الاكراهات الناجمة عن الحروب الهوياتية والوجودية سواء أكانت صغيرة أم كبيرة.

إنها الحاجة الماسة إلى تقنيع الأسرار الروحية المدفونة عميقا، أقصى ما تكون، فينا، ومن ثم منحها العبور أو السريان الشبحي اللازم والضامن لها فرص الاستقراء المثالي، بل والاستقرار الرمزي في فهم الملتقط الذي يجزم بقدسية القطاف، في دورة إبداعية تسمو بالشعر كي تضعه فوق مستوى الحياة بحد ذاتها.

تستنير تجربة الشاعر اليمني رفيق الرضي بنظير هذه المنظومة المفاهيمية المقاربة لنقاط العتمة في الذات والحياة، في عموم منجزه وعلى شقّيه الغنائي والفصيح، ودائما بروح راعي معاني الانتصار للحياة، ففي النهاية، هل نحن إلا ظلالا هاربة؟ في محاولات لا تخلو من مغامرة لترميم وتجميل الآني، ما بين ضفتين غاية في التباين: البعد الذاكراتي المُرخي بشتى رواسبه، والآخر الاستشرافي المغري بجملة هواجسه، ودفق أسئلته المقلقة والمستفزة بنزعة التشكيك في كل شيء تقريبا.

تشي ببعض هذا شعرية ما وراء أسطر ديوان “ظل وروح” لصاحب “شواطئ الذكريات” و”ما وراء الغروب” والثلاثية الغنائية “راعي الذود”، في إتحاف متلقيها، أي هذه الأضمومة التي بين أيدينا، قيد الدرس، والصادرة عام2022طبعة أولى منشورات دار عناوين بوكس، القاهرة.

 هذا العمل الرصين الذي جاء متضمنا لعشرات القصائد، تنويعا ما بين الكتابة العروضية والتفعيلية والنثرية الصارخة بقوة الإيقاع وجرسية التكرار الحرفي واللفظي.

فإلى فراديس محض المزاوجة ما بين الجمالي والعرفاني، تساوقا مع ما تقترحه عصارة الديوان، بعدّها اختمار تجربة حياتية وحداثية أيضا، نضحت بكامل هذا العمق، ملغوما ببساطة المفردة وسلاسة المعجم

البدء بضمني ما تفيده عتبة الديوان “ظل وروح”، من معية تلازمية وتكاملية حصل تنكيرها تركيبيا، لتقنع بدلالة التعدد والموسوعية، إذ المعلوم من ثقافة الرضي أن السياق الروحاني هنا، جاء زاخرا بدوال الإحالة على الضعف والقصور والسلبية والعجز الإنساني، تقابلا ومحاكاة مع المستويات المُحايثة أو الشبحية التي تعكس معانيها رحلة الظلال مع أعمارنا، وفق أبجديات تبرير المرور القِنَاعي كذلك.

يقول شاعرنا في إحدى مناسبات البوح البرزخي الضاغط بتلاوين صرخات الولادة الثانية، والتي لا يمكن لسوى القول الشعري، على النحو الحصري، والممارسة الإبداعية إجمالا، الجود بنثارها وبأدق تفاصيل فصولها.

 (وفي عيونك جناتي التي اتسعت / كأنها الكون تحويني وتأويني

وفي عيونك أنهاري التي راقت / وفي عيونك ذاك السحر داويني

وفي عيوني أشواقي التي اتقدت / وفي فؤادي الذي يبكي براكيني

وفي عيوني يا ليلاي من شغفي / وفي عيونك ما يكفي ليحييني

أينكر القلب ما في قلب صاحبه / وتذكر الرّوح ما عندي فتأتيني

إن الذي في الحنايا بعد رؤيتها / شوق به كل ما فيها يغنيني (1).

كذلك هو الرواء المستحيل، يفرضه واقع النأي، حتى ضمن حدود تجليات الوصل من معشوقة، هنا، يقع اللُّبس ويهيمن الغموض، إن كانت امرأة أم وطنا، لكنه سرعان ما يزول، أي هذا الخلط، بإقحام لفظة “ليلاي” كي يكتمل النسق ويتشبع بنغمة الإسقاط من نعوت الوطن على الانثى والعكس بالعكس.

كما يقول:

(وتكتبين حروفا لست أقراها / وتذكرين كلاما ليس من ديني

وترسمين الذي بالقلب يسكنني / وتسمعين الذي بالرّوح يشجيني

وأنت كالشمس لا الغيمات تمنعها / وأنت يا شمس دون الغيد تعنيني

وذكرياتي التي تذرين عالمها / مهما تعاودني يا شمس تضنيني (2).

تلكم شعرية انشطار تسلك – تبعا لدوائر عتمة خرائطيتها الذات – تراتبية وجدانية واعية، وبروزا نفسيا صارخا بايقاعات ترتيب فوضى الحياة المحاصرة والمختنقة بالسكونية المبطنة بمظاهر الوجع ومتون الانقماع بتاريخانية الملاحم والأمجاد الغابرة.

 يُستشفُّ كامل هذا، من التوزيع المحكم لمفردات التضاد أو بالأحرى المُقابَلة في الفضاء الشعري، وباعتماد ميكانيزمات الصنعة والطبع، نسبة الى أحد فحول عصرها الأوائل، الفطحل أبو تمام.

مثلما يقول في موضع آخر:

(هل أرى نفسي معك / وأنا من ضيعك

أنا من ضيع نفسي / ليتني لم أتبعك

وأنا أنتظر الوعد الذي / قلّ أن يأتي وأشواقي معك (3).

من هنا، هذا البوح الخفيض الذي تُمليه خبرة الرائي المتبصر، اذ يعاين من علٍ، بل ويتأول واقع انهزاميته، بعين القلب خلافا لمُجايليه، ومن تم، نجد تجربة الفشل لديه، وهذا الضياع الذي يعيشه مع مضمونه الهوياتي، ما هو إلا اعتراف بالعجز والتقصير الذي تفرضه الأوبة إلى أفياء صلصالية الكائن، بكل لحظات الإنزواء والإرتكان إلى المستويات الروحية الموغلة، على محدوديتها بالطبع، وانفتاحها على آماد الهشاشة التي لن تُتيحها سوى مهامه الشعر باجتراح عوالمه، خوضا في الظواهر المجتمعية الأكثر خطورة وحساسية، كما بحثا في صفحات الإنساني المغدقة بأسئلة المشترك، وكيف أن مثل هذا التمذهب يولّد البذور الأولى للخلاص الإنساني، ويرسم ملامح تجاوز العُقد التي قد تجلبها الفوارق اللغوية والعقدية والجغرافية، إلخ…

بذا فإنّا إزاء شاعر يتسلح بالأمل على الدوام، ويعي تمام الوعي أنما خلاص الذات، ليس فقط، في جوهر الانتماء الإنساني، والتشبّع بثقافة تقويم المسارات عبر الاستفادة من أخطاء التاريخ، بإدراك ماهية التكرار، بل والانتقال النكوصي لأوراق أعمارنا المبغثرة، أي من السيئ الى الأسوأ، وهكذا.. وإنما بإيجابية الحضور، من خلال خصيصة الاستشراف على تعدد مزاياه.

يقول كذلك:

(كلك يا هذه الورود والزهور / والمروج شاهدات

على الضياع من جديد / ويوم عيد لم يحن

وما مضى من الوطن

وعرشها تبعثرت أجزاؤه / على الرمال الواسعة

وفي الكهوف المظلمة / صوت الرعاة والمطر

رحيبة هي الحياة / بين إخوتي الكُثر

كئيبة بدونهم (4).

إن شعرية الرضي، هنا، بما هي تسلسل شذري، منشد الى رحاب السير ذاتي، أي أنها ممهورة بالنبر النرجسي، على تعدّد أوجه انخراطه في الهموم والأوبئة المجتمعية، بصوت جمعي، تظل تختزل الكثير من الأسرار وتتستّر وتتكتم عليها، فإذا هي وقف على الاستنطاق والتأويل.

هو الضياع يتجدّد بتجدّد النبض، تناغما مع اختبارات روح الكائن.

ويقول أيضا:

(لا تسألوني كيف / مالي أرى نفسي وحيدا

والجميع لهم رفاق

مالي أرى نفسي بعيدا / والحياة بلا وفاق

يا أيها الأحرار رفقا / يا أيها التجار صبرا

هي مهجتي وأنا السّراب / هي جنتي وأنا العذاب

لولاك ما كانت سماء / ولا تلألأت النجوم(5).

ويقول أيضا:

(اليوم أسال واهماً لم الحروب؟

هل يشبه الليل النهار؟ / هل يشبه النور الظلام؟

أليس رب الناس واحد / ذكروني أيها النساك

لم نصلي كل يوم / بم نلاقي الله أوقات الصلاة

ولمن نصوم؟

لا شيء يبقى غير وهمٍ أو سراب

والله حيٌ لا يموت / لم الضياع

لم الصراع / لم التجني والهروب؟

ومن لدمعات الجياع / ومن لأنات الجياع؟ (6).

فالشاعر يرى الوطن في مرآة حواء، ليلاه، كما سماها هو، ذلكم الدال المحاط بهالة من الرمزية والقداسة حسب الموروث الثقافي والأدبي العربي العريق والممتد، في المقابل نلفيه يرى ليلاه في مرايا الوطن، أي العكس بالعكس، بحيث لا يزيل اللبس فيما يخص عملية الإسقاطات الفنية والفكرية من الأولى على الثانية، أي ما يقع في حيز المابين الفاصل ما بين مرايا الانتماء والانوثة، والراعي لحدود المعنى وفق أبجديات تكاد تكون ميتافيزيقية لولا التذييلات أو القفلات التي قد تجبّ ما يمكن أن يستقرّ عليه الإدراك، باعتبارها نهايات مفتوحة دالة على الواقعية الشعرية التي تتحلى بها الذات في سرد هواجس صاحبها، نأيا عن أقنعة العاجي التي بات يندسّ خلفها كثيرون.

فالرضي يتمتع بالدربة في كتابة الشعر الواقعي بكل وسلاسة مع التحرر من كافة القيود سواء المتعلقة باللغة أو المجتمع أو المعجم، وإن اصطبغت بعض محطاتها بفلسفة الوهم، بما يفسح لتوهجات النّفَس الملحمي المحمول على الروح المنكسرة المطعونة بشروخ الهوياتي، في محاولات جادة ودؤوبة لبلوغ جغرافية التصالحات المكتملة، من وإلى الذات فيما يمتد عنها ويحيط بها، من خلال نوافذ روحية تترجم أقصى درجات تنفس الشعر والانشطار ما بين عشقين: ليلى واليمن.

بذلك، فإن كتاب “ظل وروح” ليس من مجرد ديوان أو قصائد للترويح الوجداني ونفض الأعباء، إنما هو أثقل وأكثر قيمة من ذلك بكثير، بما هو تجربة متجذرة وراسخة، ترعى معانيها، حرارة المكابدة ومصداقية الوجع. ليس عشق اليمن السعيد وحده، على ما يُبتلى به اليوم، من تكالبات وحروب غاشمة وانقسامات، ما أنتج مثل هذه الفسيفساء، فقط، بل أغراضا جمة ترتقي السلم الإنساني، وقد تظافرت وفرضت حضورها وغائيتها ومخملية دفقها في شرايين هذه الشعرية، بما لا يدع مجالا للشك، أن مبدعها شاعرا كونيا وإشكاليا كبيرا.

إحالة:

(1)مقتطف من قصيدة “شطر قلبي”، الصفحة 8.

(2)مقتطف من قصيدة “الشمس تعنيني” الصفحة 17.

(3)مقتطف من قصيدة “أرى نفسي”، الصفحة 26.

(4)مقتطف من قصيدة “كلك”، الصفحة73.

(5)مقتطف من قصيدة “دون الجميع”، الصفحة 198.

(6)مقتطف من قصيدة “عد سالما”، الصفحة 204.

بقلم مدير التحرير

شاهد أيضاً

حين تُسكبُ التجربة مع عصارة النرجسي

أحمد الشيخاوي| المغرب ما ينفكّ الشاعر المغربي محمد رشوقي، يسكُب من عصارة نرجسيته، في شريان …

اترك رد