حمائم وبيادر

أحمد الشيخاوي| المغرب

من المعجِز حقا، أن تثمر السنابل بيدرا، فما هي إلاّ أن تُبذر حبة قمح في الثرى، ويُصبَّ الماء بإذن الله صبّا، وتُشقّ الأرض شقّا، حتى يتبرعم الأكل حلالا طيبا، في أشهر معدودة، بحيث تتواتر الطقوس ما بين النضارة والتوهج والاهتزاز والنمو والخضرة، من جهة، والاصفرار والنضج والاكتمال والينْع، من جهة ثانية.

كنا على عهد الصبا، نتحين موسم ما بعد الحصاد، تحديدا الوقت الذي تأخذ فيه البيادر الزينة الكاملة برزم السنابل والمحاصيل، بكل ما قد يؤتى الطفل، من براءة، واتقاد فضول، وحب استطلاع.

نطالع مشاهد الدّرس بعيون أكثر براءة، تحاول استفزاز واستنطاق كل شيء، تقريبا، الكبار من حولنا، يحثون البغال في الغالب، والأحصنة، في النادر، يجلدونها، كي تدور وتسحق كل ما تحتها، من أجل فصل حبات القمح عن السنبل، بمنتهى السعادة والمسؤولية في الكد، بعدها يجمعون البيدر ثم يشرعون في التذرية لفصل القمح عن التبن، وهم يرددون هذا البيت المأثور:

” صوط صوط يا هبوب

دي التبن خلي لحبوب”.

وآخر مرحلة، التزكية من رأس الحصاد وأثمن التحصيل، فتكديس القمح وجمع التبن في أكياس كي تكون من نصيب الأنعام والبهائم، في النهاية.

على هامش كل هذا، يظل الحلم الوردي، الذي نرابط من أجله، نحن الصغار، متجسدا في المتناثر على جنبات البيادر، إبان أواسط الصيف القائظة، من حبات قمح تستهوي الأسراب، صيدنا المنشود، بكل تأكيد..

كنا ننصب لها الفخاخ في تلكم البيادر، بكل ذكاء ومكر، وكنا قلما نغتبط بفرص صيدها، كونها أذكى من مخططاتنا الغضة والمرتجلة والبريئة، ولكم كانت ضحكاتنا تعم المكان، نقهقه مليا، لما تقع في فخاخنا طيور أخرى لا يهمنا أمر اصطيادها، لا من قريب أو بعيد، سأجردها تباعا، تنازليا، وحسب أهميتها بالطبع، أقله، من منظورنا كأطفال تلبس مخيلتهم هالة الحمائم، هذا النوع من المخلوقات الرقيقة والجميلة متعددة الأحجام والألوان، بكل ما تملك من رمزية وقداسة، لم نك في فجر الحياة المتقدّم جدا، ونحن في عمر الزهور بعد، لنفقه نظير ذلك، أو نحيطه بخاطر:

أولا: الحمام.

ثانيا: اليمام.

ثالثا: طيور أخرى.

رابعا: الشحارير.

خامسا: “البرطال”، العصفور الأكثر إضرارا بالمحاصيل التي يعوّل عليها الفلاح، على نحو موسمي.

بقلم مدير التحرير

شاهد أيضاً

حين تُسكبُ التجربة مع عصارة النرجسي

أحمد الشيخاوي| المغرب ما ينفكّ الشاعر المغربي محمد رشوقي، يسكُب من عصارة نرجسيته، في شريان …

اترك رد