جدلية وتفاعل عناصر السرد ومكوناته في ” شذى الورد “

عبد النبي بزاز| المغرب

بعد تجربتين في مجال البحث في التراث الأمازيغي ” الزربية  ذاكرة موزونة والصوف ” ، و ” دلالة الرمز في الزربية والوشم عند الأمازيغ ” ينتقل الفنان التشكيلي والنحات  يزيد ألعطو لخوض غمار الكتابة السردية في إصداره الورقي الثالث والموسوم ب ” شذى الورد ” الذي تدور مجريات أحداثه ببلد المهجر ( هولندا ) بالخصوص ، حيث ركز في منجزه على عناصر القصة المعروفة من شخوص ، وأحداث ، وحوار ، وزمان ، ومكان في توليفة بين هذه المكونات عبر نسق من تجاذب وتنابذ ، وتجاوب ومناكفة ، وتباعد وتقارب .

فعلى مستوى الشخصيات نذكر “الأشقر” ، و”يان”  وزوجته ” باولا ” وابنتها من زوج آخر” فيرونيك “( الماسة الزرقاء ) ، والعرافة وزبائنها مثل الضاوية وفاطنة ، وعبد السلام الجبلي صاحب مقهى بيع السمك و” البيصرة ” ، والريفي ، ومصطفى ، وشايب الراس ، وفاطمة ( الشريفة ) ، وعمي إدريس ، ورضوان ، وعبد السلام الكتامي ، وفيليب وصديقه . وهي أهم الشخصيات التي سيرت دفة الأحداث من خلال سياق سردي حكمته جدلية من تفاعل وتجاذب بين عناصر الحكي وأطرافه عبر مظاهر تأرجحت بين  الصراع والتوافق الناجم عن  اختلاف في الرؤى وما تفرزه من حالات وأوضاع .

فمسار الأحداث ارتبط منذ البدء ، ومن أول فصل في المنجز السردي بشخصية الأشقر التي تقوم على مفارقة ذاتية فرغم تواضع مستواه الدراسي : ” ربما لم يتوفق في دراسته الثانوية ” ص 6، وعدم اهتمامه بالقراءة : ” كان لا يتصفح الجرائد ” ص 6، إلا أنه كان يتوفر على قسط مهم من الذكاء تجسد في نسج القصص وروايتها : ” لكنه كان ذكيا وعاشقا لسرد القصص … ” ص 6، وكان يدمن على تناول المخدرات ولعب القمار على الآلات الإلكترونية مما أغواه بسرقة السيارات من اجل تلبية نزواته ، وإشباع رغباته فينتهي به المآل إلى الموت والهلاك عقب تناوله المفرط للمخدرات : ” قتلته جرعة زائدة وعثرت عليه الشرطة ميتا في القارب المهجور … ” ص 24، وما أحاط بشخصه من غموض تمثل في الاعتقاد بأنه مواطن فرنسي أو غجري إلا أنه تأكد بأنه مغربي ينحدر من مدينة تطوان التي نقل جثمانه ليدفن بإحدى مقابرها بدل إحراق جثته . ثم شخصية ” يان ” الرسام وزوجته ” باولا ” ، والذي كرس كل وقته للرسم ، والاهتمام بالتحف المتنوعة شغف فني تقاسمته معه ” باولا ” التي كانت تساعده بتهييئ الظروف المناسبة للاشتغال ، واستقبال الزبائن ، وقد كانت لها بنت من زوج آخر هي ” فيرونيك ” التي لقبها السارد ب ” الماسة الزرقاء ” نظرا لوسامتها ، وما عاشته من أحداث متقلبة ارتقت بها للقمة كعارضة للأزياء الفاخرة ، لتنحدر إلى وضع مزري نتيجة تعاطيها للخمر والكوكيين إلى أن اعتقلت بسب تهريب  المخدرات ، وولوجها مصحة الأمراض العقلية والنفسية التي غادرتها بعد تعافيها فعادت إلى القرية التي نشأت بها لتتزوج وترزق ببنت منخرطة في حياة جديدة يعمها الهدوء والدعة . فشخصية العرافة التي عرفت هي الأخرى تقلبات عدة حيث تنقلت بين إسبانيا ، التي اشتغلت بها في ظروف قاسية ، تجني الفراولة والطماطم موازاة  مع الاشتغال بالعرافة التي كانت تدر عليها أموالا إضافية ، وضْع تغير بانتقالها إلى إيطاليا بعد أن تزوجت من مواطن مغربي  وهاجرت رفقته إلا أنها مقامها هناك لم يطل حيث غادرت إلى فرنسا فرارا من شخص هددها بالقتل بعد أن تحايلت عليه بطرق الشعوذة وسلبته أموالا كثيرة منهية علاقتها بزوجها ، ولم تسعفها صلاحية بطاقتها الإيطالية على الإقامة في فرنسا لأكثر من ثلاثة أشهر لترحل إلى بروكسيل ومن ثمة إلى هولندا مرة ثانية بعد أن عجزت عن فرض مكانتها في سوق الشعوذة ببلجيكا نظرا لوجود عرافة ذات نفوذ تاركة لها المكان ، وخوفا مما لقيته من  تهديد . ورغم اشتغالها بمقهى عبد السلام الجبلي فقد لازمتها غواية الشعوذة ، وطوقها سحرها . وشخصية الريفي الذي جمعته بالسارد ، في هولندا ، علاقة فنية تعرف فيها على شغفه باقتناء التحف والأدوات القديمة المصنوعة من نحاس وفخار ، ودمى وكتب وصور فوتوغرافية تؤثث مكان إقامته بعيدا عن زوجته وأبنائه : ” زوجتي وأبنائي يسكنون في بيت آخر ، أما هذا فاستأجرته لأرتاح فيه . ” ص 57، فضلا عن اطلاعه على تاريخ المقاومة في الريف بزعامة القائد عبد الكريم الخطابي . ومصطفى الذي تعرف عليه وصاحبه في منزله حيث عرض عليه مجموعة من الكتب وضعها رهن إشارته وتصرفه وقد جمعتهما أوقات لا تنسى في رحاب القراءة مصحوبة بنقاشات أدبية وفكرية وتاريخية ، وفي تقاطع مع شخصية مصطفى تحضر شخصية اللاجئ الذي ترك له هذا الكم الهائل من الكتب بعد أن وافته المنية ، وما أحاط بموته ووضعه كلاجئ من غموض لم ُيتَوَصَّل إلى فك رموزه ، وما اخترق حديث مصطفى من أمور غيبية ترتبط بعالم الجن والسحر . وفاطمة ( الشريفة ) التي كانت تمتهن الدعارة بعد أن هاجرت من المغرب إلى هولندا فراكمت تجربة غنية من خلال اكتشافها لعالم الكوكيين ، ومرت بتجربة زواج أبيض غيرت من أوضاعها المادية ،خصوصا بعد حصولها على الجنسية الهولندية ، كما حملت من أحد أصدقائها وأنجبت طفلا سجلته باسم الفقيه الذي ارتبطت به من خلال زواج أبيض والذي لم يستسغ الأمر فهددها بالقتل إلا أن القدر لم يمهله لفعل ذلك بعد أن دهسته سيارة فلقي حتفه مخلفا لها إرثا عبارة عن منزل بثلاثة طوابق في مدينة تطوان . والمتسول الذي استقدمه إبراهيم ليعيش معهم باستئجاره غرفة في المنزل الذي يؤويهم  ، والذي يملك منزلا من طابقين بالمغرب وله عائلة ترفض أن يبقى متسولا في بلاد المهجر بدل العودة إلى بلاده مما أسفر عن فاجعة موت ابنه في رحلته  إلى هولندا لإقناعه بالعودة إلى المغرب  بعد غرق القارب الذي كان يقله الشيء الذي حذا به إلى إرسال مبلغ من المال لزوجته وطلب منها عدم المقامرة بابنه المتبقي في رحلة محفوفة بالمخاطر وأنه عندما يتمكن من ادخار مائة مليون سنتيم سيعود إلى بلده .وشخصية عبد السلام الكتامي الذي حصل على ثروة كبيرة من خلال اتجاره بالمخدرات إلا أنه تعرض لطعنات بالسلاح الأبيض مما دفعه للهجرة إلى إسبانيا وفتح مطعم  صغير لبيع السمك .

وفي إطار شبكة العلاقات التي جمعت السارد بالعديد من الأشخاص تبرز شخصية ” فيليب ” الذي كان يعمل بإحدى المدارس الابتدائية ، واستعان به في إنجاز بعض الأشغال  تهم أنشطة التلاميذ بواسطة الورق ، وتعرف من خلاله على صديق له تبين له فيما بعد نزعته العنصرية تجاه العرب لما مر به من أحداث خصوصا بالمغرب الذي زاره كسائح صادفته  بعض تصرفات الناس التي لم ترقه لافتقارها للحس  الأخلاقي والإنساني ،حسب زعمه ،مما حذا بالسارد إلى عدم مجاراته في حديث ركز فيه على ما هو سلبي للمس بسمعة بلد يتوفر على منتوج تراثي وحضاري غني وأصيل .

وقد عملنا ، وباقتضاب ، للكشف عن هوية شخوص المتن السردي ، وما أحاط بها وصدر عنها  من أفعال ومواقف أسهمت في خلق أحداث مدونة  الحكي وما تخللها واخترقها من سلوكيات مختلفة الأبعاد والتبعات حيث تواشجت وتداخلت الشخصيات بالوقائع لتحديد ملامح ” التيمة ” الأساسية المتمثلة في الهجرة على مستوى مركزية المكان ( هولندا ) ، وزمان فضفاض منح هامشا أوسع لاطراد الأحداث داخل سياقات مختلفة ومتنوعة عبر أدوات الحكي المعروفة من حوار، ووصف ، واسترجاع ، واستباق … فهذا التساوق والتقاطع ، في جدليته وتفاعله ، لم يمنع من حضور ” تيمات ”  أخرى أبرزها الغيبي الأسطوري ، وما ارتبط به من أساليب السحر والشعوذة كما في فصل ” العرافة ” ، و ” اللاجئ ” مما أثار قلق السارد ، ونَمَّى منسوب توجسه فلجأ للبحث في الموضوع : ” وهذا جعلني أفكر كثيرا وأبحث في بعض الكتب لفهم رواية الجن وعلاقته بالإنسان ، ولم يبق لي  إلا سوق العرافين والسحرة … ” ص 75، بعد أن أكد موقفه من الموضوع في حواره مع العرافة : ” ــ دعيني من هذا كله ، أنا لا أؤمن بالشعوذة . ” ص43، ومع مصطفى : ” فثقافة الجن لست من اختصاصي ، ولست بكاهن حتى أناقش معك هذا الموضوع . ” ص 74 .  و” تيمة ” العشق في الكثير من التجليات والمظاهر أهمها عشق المكان متمثلا في هولندا ؛ ومدينة أمستردام بالخصوص : ” وقعت في حب مدينة أمستردام من أول نظرة كقصة حب خيالية … ” ص 26، هذا العشق الذي نما وتطور لينصهر داخل بوتقتها  ويغدو جزءا منها : ” أحببت المدينة وناسها ومشاكلها حتى أصبحت جزءا منها …” ص26 ، وعشق الفن من تشكيل ، وتُحَف ، وهو ما دفع السارد لنسج علاقاته وتوطيدها مع فنانين أغوتهم أهواء الفن فكرسوا له كل مقدراتهم وطاقاتهم الذهنية والحسية والوجدانية مثل  ” يان ” ، والريفي .

ف ” شذى الورد ” منجز سردي يشكل بشخوصه ، ووقائعه ، و” تيماته ” إضافة بارزة لمسار الباحث والفنان يزيد ألعطو الإبداعي  في انفتاحه على لون أدبي جديد قمين بإغناء تجربته ، وتوسيع آفاقها ،وتنويع أساليبها وأشكالها.


ــ شذى الورد ( سرد ) يزيد ألعطو.ــ مطبعة سجلماسة ـ مكناس 2025 .

شاهد أيضاً

الرواجفة يعاين شعرية النسق الروائي

عمّان- يقدم د.ليث الرواجفة في كتابه “شعرية النسق الروائي” قراءة نقدية معمّقة في علاقة السرد …

اترك رد