ثالوث الجذب في الكتابة الأدبية: الأم، والدين، وفلسطين

العربي الحميدي | المغرب

كقارئ رأيت في مسالك الأدب، مداخل ومخارج، وطرائق شتى يسلكها الأدباء لبلوغ غاياتهم. فمنهم من يروم الشهرة، ومنهم من يتوسل بالكلمة إلى مآرب أُخَر. وفي خضمّ هذا التزاحم على أسوار الذاكرة الجمعية، وانفتاح أكثر المنابر على مصاريعها، لاحظت أنّ ثمّة ثالوثاً يتكرّر في نصوص الكتّاب، يُوشَّون به متونهم، ويُطرّزون به صفحاتهم، طلبًا للجذب والانتشار، ألا وهو ثالوث: الأم، والدين، وفلسطين.

فهل أصبحت هذه المواضيع مفاتيح مضمونة لدخول قلوب القرّاء؟ أم أنّها مجرد ركائز تستحق الترداد؟ وبين الأصالة والانتهاز، يضيع الخطّ الفاصل، وتغدو الكتابة الادبية أحيانًا أداة للتسلّق، لا رسالة للإضاءة.

الأم هي المهد والمهاد، وهي الدفء حين تشتدّ الخطوب، والحنوّ حين تجفّ ينابيع الحياة. لقد ارتبط ذكرها في الأدب العربي بالدمعة والكلمة بالشوق والندم، حتى صارت أيقونة العاطفة، ومهوى أفئدة الشعراء والناثرين.

لكنّي أرى اليوم أقلامًا تتّخذ من الأم جسرًا سهلاً إلى قلوب القرّاء، فكلما أراد الكاتب أن يستميل الوجدان، جرّ القارئ إلى حضن الأم، ونسج من ذكراها صورًا قد تكون صادقة، وقد تكون مستهلكة لا جديد فيها إلا البكاء المقنّع والأسى المصطنع. هكذا، تغدو الأم، في بعض النصوص، مجرّد زرّ عاطفي يُضغط عليه متى شحّ التفاعل، لا موضوعًا للتأمل العميق في قيمة الحياة ونبعها الأول.

أما الدين، فهو حقل شائك مهيب، ترتعد فيه الأقلام كما ترتعد القلوب. لطالما كان حاضنًا للمعنى، ومنبعًا للرمز، ومصدرًا للغة الماوراء. غير أنّني ألاحظ اليوم كيف يُستدعى الدين في بعض النصوص استدعاءً فيه قدر من التملّق للجماهير، أو نوع من المناكفة التي تُكسى برداء الجرأة الزائفة.

لا يُكتب عن الدين دومًا من باب الغوص في التجربة الروحية، أو مساءلة الموروث بشفافية العقل المؤمن، بل لربح معركة الانتشار، بين من يُقدِّس ومن يُجادل. الكل يجد لنفسه نصيبه من التفاعل. وهكذا، يغدو الدين حيلة مزدوجة’ إما لاستقطاب المتدينين بمحاكاة وجدانهم وبلاغة الوعظ، أو لاستفزازهم بطرح شائك يولّد جدلاً. وما الجدال في هذا السياق إلا نار تُشعل الحضور في المنصات، وتُنقّط الحسابات بالإعجابات والتعليقات.

أما فلسطين، فهي أكثر من وطن، وأعمق من قضية، هي الجرح الذي لا يندمل، والقضية التي لا تموت. ولكن قداسة هذا الاسم، ووهج هذه الأرض، جعلا من فلسطين مفتاحًا رنانًا يُطرق كلما أراد الكاتب أن يتزيّا برداء النضال، أو يتخفّى وراء عَبرةٍ حارقة.

رأيت نصوصًا تتغنّى بفلسطين، لكنها تخلو من أصالة الألم، وتخدع القارئ بمفردات مأخوذة من قوالب محفوظة؛ شهيد، طفل، حجر، غصن زيتون، صراخ، دماء… مفردات تتكرّر حتى كادت أن تفقد وهجها، لا لقصورها في ذاتها، بل لاستعمالها كزخارف لغوية بدلًا من أن تكون شواهد حيّة على معاناة مستمرة. والكاتب فيها لا يكون شاهداً على التاريخ، بل صائغًا يبحث عن التمجيد بأسهل السبل، فيرتدي ثوب المقاومة دون أن يطأ أرض المعركة.

ثمّة خيط رفيع بين أن أكتب من أعماقي لأنّ الأم تسكنني، والدين يرهف وجداني، وفلسطين تنبض في شراييني، وبين أن أكتب عنها لأنها تُرضي الجماهير وتُسرّع شهرتي. والخطر كلّ الخطر، حين يغدو الأدب سوقًا لا مجال فيه إلا للعناوين الرائجة، فيُحكم على النص بجودة موضوعه لا بجودة معالجته، وتُنسى اللغة، والأسلوب، والعمق، في زحمة الانفعالات السريعة.

أنا لا أختار مواضيعي كما يختار البعض كلمات البحث الرائجة في المنصّات، بل هي التي تختارني، وتتسرّب إليّ كما يتسرّب النسيم في وقت السحر. أما من يسعى إلى الشهرة السريعة، قلّما يُقرأ بعد زوال الضجيج.

لا ريب عندي أن الأم والدين وفلسطين من أثمن ما يمكن الكتابة عنه، بل من أحقّها بالكتابة، شرط أن تكون الكتابة صادقة، نابعة من تجربة أو رؤية متفرّدة، لا مكرورة ولا مبتذلة. فالعيب ليس في المواضيع، بل في استخدامها كمفاتيح للشهرة، بدل أن تكون مرايا صادقة لذواتنا، وهمومنا، وأسئلتنا الكبرى.

بقلم رئيس التحرير

شاهد أيضاً

اللسان الشعبي المغربي بين الأصالة والانحراف

العربي الحميدي| المغرب تعيش اللغةُ المغربيةُ الدارجةُ اليوم مرحلةً دقيقةً من التحوّل السريع والمربِك. فمنذ …

اترك رد