د.عبد الرحيم جداية| الأردن

جدلية الموت والإبداع هي جدلية الوجود والحياة، فالموت والحياة ضدان مقدران لكينونة الشخص، لكن الإبداع هي كينونة الفكر والتألق الفكري، في صناعة أدبية أو فنية أو علمية، وهذه الجدلية في الأدب تقوم على إشكالية الكتابة، التي تتكون من الكاتب واللغة، والمجتمع الذي يعيش به، فإشكالية الكتابة هي اختبار مجتمعي من خلال اللغة، أو اختبار اللغة في ظروف مجتمعية، فالإشكاليات هي منبع الجدليات،
وإن كان الموت والحياة جدلية فإن إشكاليتها الدين بين الإيمان والإلحاد، وإما جدلية الإبداع فاللغة وعاؤها، ولكل جدلية إبعادها التي تشكل طولها، إذا كانت الجدلية من بعد واحد، وتتشكل مساحتها من بعدي الطول والعرض، أما البعد الثالث فيشكل حجمها، وهذا ما تعارف عليه العلماء بالأبعاد الإقليدية، وهذه الأبعاد لا تكفي لمناقشة جدلية الموت والإبداع، لهذا نحتاج إلى اينشتاين الذي أضاف بعد الزمن، وفيه يتحرك الشخوص في الأمكنة، مشكلين الفضاءات ، فضاءات المجتمع المبدع الذي يشتغل بجدلية الموت، وأهم أركان هذه الجدلية المتحركة هي اللغة، حيث شرح الفلاسفة أن الجدلية صورة ذهنية متحركة، قد تنطبق على واقع المجتمع فتعاينه معاينة دقيقة، وأحيانا لا تنطبق على ماهية المجتمع، ليعرف المتبصر أن هذه الجدلية مستوردة من بيئة لا تتناسب مع بيئة المبدع.
وهنا يتحرك النقد مع اللغة، لينضجا ويحللا إشكالية الكتابة بشكل عام، والكتابة الإبداعية بشكل خاص، والتي عمادها اللغة والكاتب والمتلقي، الذي يمثل المجتمع بكل شرائحه، فلا يجوز للإبداع أن لا يتشكل من مفاصل المجتمع، ومن رغباته، ومعتقداته، وحاجاته، فالإبداع تقدير الحاجة تقديرا دقيقا، وهذا التقدير يمثل الفرق بين واقع المجتمع وما يتوقعه المبدع من المجتمع، وهذا الفرق يشكل الحاجة، حاجة المجتمع التي يعيها الكاتب ذو اللغة العميقة حتى يحدد إشكالية الكتابة، وكيف لهذه الكتابة أن تشكل جدلية ذهنية تساهم في بناء المجتمع، فإن ساهمت كان للإبداع نصيب، وبقيت الكتابة على مر العصور فكانت الحياة، بحجم حياة المجتمع الذي يتفحصه مبدع في شعره وقصه وروايته ونقده، وإن لم تسمو الكتابة وتساوى الواقع والمتوقع عند الكاتب في رؤيته للمجتمع، فلا حاجة لتلك الرؤية التي مصيرها الموت، فكيف لنا أن نقرأ جدلية الموت والإبداع ضمن إشكالية الكتابة، وكيف لنا أن نتبصر في إشكالية الكتابة إن لم نتعرف إلى أبعادها، وقيمة تلك الأبعاد، فاللغة السطحية تنتج الموت، واللغة العميقة المدهشة تنتج الحياة، لتكون اللغة أول أبعاد هذه الجدلية، أما الكاتب فتحدده رؤاه، فالرؤية القاصرة هي ميتة قبل مولدها في أي نص أدبي، وأما الرؤى الحداثية المتجددة التي تعالج إشكالية الأصالة والمعاصرة كما تعالج إشكالية الشكل والمضمون، فلا أصالة بالانقطاع عن التراث، ولا مضمون دون شكل أدبي تأخذ اللغة مجراها في قنوات الشعر والقص والرواية.
فإشكالية الكتابة هي إحدى الإشكاليات الثلاث، التي يقيم حجتها الناقد على الكاتب، فلا نص دون نقد، إلا كتاب الله، وما دون ذلك يخضع للهدم والبناء، كما يخضع للتفكيك، ويخضع للبناء والتجريب، وكل نص يقرأ من داخله ببنيته، أو يقرأ من خارجه بتاريخه، فالدكتور كمال أو ديب قرأ هذه الجدلية في قصيدة “ماذا أقول لأفراخ بذي مرخ” للحطيئة في جدلية بنيوية، وأما طه حسين فقد زاوج بين الوصف والتاريخ في دراسة أبي العلاء المعري، وكلاهما فقه جدلية الموت والإبداع، إضافة إلى كتاب كثر فقهوا هذه الجدلية في الكتابة، وإشكالياتها، فما الجدلية أو الصورة الذهنية التي امتلكها حنا مينا في رواية “المرفأ البعيد” وما جدلية الإبداع التي تصورها محمود درويش في قصيدة “لماذا تركت الحصان وحيدا” كلاهما فارق الحياة ومارس الموت لكنهم ما زالوا يعيشون بيننا، في جدلية الحياة والإبداع لأن لغتهم وكتابتهم وإبداعاتهم خلقت للحياة ولم تخلق للموت.
عناقيد عناقيد، موقع ثقافي فكري جامع مستقل.